لبنان خارج العاصفة… أم في قلبها المؤجَّل؟

علي حسني مهدي رئيس تحرير مجلة الحقائق اللبنانية
لا تُقاس الحروب في الشرق الأوسط بعدد الصواريخ التي تُطلق، بل بالقرارات التي لا تُتخذ. ومن هذا المنظور فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا لم تدخل الجبهة اللبنانية حتى الآن في صلب المواجهة الأميركية – الإيرانية، بل لماذا اتخذت جميع الأطراف رغم تصاعد التوتر، قراراً غير معلن بإبقاء لبنان خارج دائرة الانفجار؟
الإجابة لا ترتبط باتفاق سياسي راسخ، ولا بتفاهمات مكتوبة، بل بمعادلة ردع معقدة فرضتها موازين القوى الإقليمية، وجعلت من لبنان ساحة مؤجلة للصراع لا ساحة خارجة منه. فالهدوء النسبي القائم ليس تعبيراً عن استقرار، بل عن تقاطع مصالح مؤقت بين خصوم يدرك كل منهم أن كلفة الحرب الشاملة في هذه المرحلة تفوق عائدها السياسي والعسكري.
إيران، التي لطالما تعاملت مع ساحات نفوذها باعتبارها امتداداً لأمنها القومي، تبدو اليوم أكثر ميلاً إلى إدارة أدوات قوتها لا إلى استنزافها. فحزب الله لم يعد مجرد حليف عسكري أو ورقة ضغط تكتيكية، بل أصبح أحد أعمدة منظومة الردع الإيرانية في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة. ومن هذا المنطلق فإن الزج بلبنان في حرب واسعة لا يمثل في الحسابات الإيرانية، استثماراً استراتيجياً بقدر ما قد يشكل استنزافاً لورقة يصعب تعويضها. لذلك ما دامت المواجهة لم تبلغ مستوى يهدد وجود الجمهورية الإسلامية الإيرانية أو يفرض تغييراً جذرياً في موازين القوى، فإن خيار توسيع الجبهة اللبنانية سيبقى مؤجلاً.
في المقابل تبدو واشنطن حريصة على إبقاء الصراع ضمن حدود يمكن التحكم بها. فالهدف الأميركي لا يتمثل في إشعال حرب إقليمية مفتوحة، بل في إدارة الضغط على طهران سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، مع إبقاء نافذة التفاوض مفتوحة متى نضجت الظروف. والإدارة الأميركية تدرك أن أي انفجار شامل لن يقتصر أثره على إيران أو إسرائيل، بل سيمتد إلى أمن الطاقة العالمي، والملاحة الدولية، والقواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة، فضلاً عن تأثيراته على أولوياتها الاستراتيجية في مواجهة قوى دولية أخرى.
أما إسرائيل فعلى الرغم من استمرارها في سياسة الضغط العسكري، فإنها تدرك أن أي مواجهة شاملة مع لبنان لن تشبه الحروب السابقة. فالحرب المقبلة، إن وقعت، ستكون حرب استنزاف متبادل ذات أثمان بشرية واقتصادية وأمنية مرتفعة، ولن يكون في مقدور أي طرف الادعاء بأنه خرج منها منتصراً من دون خسائر جسيمة. ولهذا تبدو القيادة الإسرائيلية، في هذه المرحلة أكثر ميلاً إلى سياسة الاحتواء والاستنزاف التدريجي، مع الاحتفاظ بخيار التصعيد إذا تبدلت الظروف أو شعرت بأن ميزان الردع بدأ يميل لمصلحة خصومها.
غير أن القراءة التي تختصر أسباب الهدوء في حسابات القوى الكبرى وحدها تبقى قراءة ناقصة. فهناك عامل لبناني داخلي لا يقل أهمية، يتمثل في أن البلاد تقف اليوم على حافة انهيار اقتصادي ومالي ومؤسساتي غير مسبوق. وفي ظل هذا الواقع، لا تبدو أي من القوى اللبنانية، مهما اختلفت حساباتها راغبة في تحمّل تبعات حرب جديدة قد تدفع الدولة والمجتمع إلى مستويات غير مسبوقة من الانهيار.
ومن هنا فإن الواقع الداخلي اللبناني بات هو الآخر عنصراً من عناصر الردع، لا مجرد نتيجة للصراع.
ويضاف إلى ذلك عامل آخر غالباً ما يغيب عن التحليلات التقليدية، وهو استمرار وجود قنوات اتصال غير مباشرة بين واشنطن وطهران، حتى في ذروة التصعيد. فالتاريخ الحديث للعلاقة بين الطرفين يُظهر أن المواجهة العسكرية لم تلغِ يوماً وجود آليات لإدارة الأزمات ومنع الانزلاق إلى حرب لا يرغب بها أي منهما. وهذا يفسر إلى حد بعيد بقاء معظم العمليات العسكرية ضمن سقوف مدروسة، بما يسمح لكل طرف بإيصال رسائله من دون الوصول إلى نقطة اللاعودة.
كما أن البيئة الإقليمية والدولية لم تعد كما كانت قبل سنوات. فالدول العربية الرئيسية باتت تنظر إلى الاستقرار باعتباره شرطاً لمشاريعها الاقتصادية الكبرى، فيما تنشغل القوى الدولية بملفات أكثر إلحاحاً، الأمر الذي يجعل اندلاع حرب واسعة في الشرق الأوسط خياراً لا يحظى بتأييد أي من اللاعبين الدوليين الكبار.
لكن ورغم كل هذه الاعتبارات، فإن الاطمئنان إلى استمرار هذا الواقع يبقى سابقاً لأوانه. فالمعادلات التي تحكم المنطقة ليست ثابتة، بل قابلة للتغيير ، وأي خطأ في الحسابات، أو عملية عسكرية غير محسوبة، أو استهداف يمس المصالح الحيوية لأي من أطراف الصراع، قد يطيح بقواعد الاشتباك القائمة ويفتح الباب أمام مرحلة مختلفة تماماً.
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس ما إذا كان لبنان أصبح خارج الصراع، بل إلى متى تستطيع التوازنات الحالية تأجيل انتقاله إلى قلبه. فلبنان لا يعيش خارج العاصفة، بل يقف في عينها الهادئة حيث تؤجل الحسابات الاستراتيجية الانفجار، لكنها لا تلغي احتماله.
وفي ضوء ذلك يمكن القول إن ما يحمي لبنان في هذه المرحلة ليس اتفاقاً دائماً ولا سلاماً مستقراً، بل توازن مصالح هش بين خصوم يدركون أن الحرب الشاملة ستنتج خاسرين أكثر مما ستنتج منتصرين.
غير أن هذا التوازن سيبقى رهينة تطورات الإقليم، وأي تغير جوهري في الحسابات الأميركية أو الإيرانية أو الإسرائيلية قد يحول لبنان في وقت قصير من ساحة مؤجلة إلى ساحة مواجهة مباشرة.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مرحلة انتقالية عنوانها إدارة الصراع لا حسمه، وضبط الاشتباك لا إنهاؤه. أما لبنان فلا يزال جزءاً من هذه المعادلة، يتأثر بها بقدر ما ينتظر نتائجها في مشهد يثبت مرة جديدة أن الهدوء في المنطقة ليس دائماً نقيض الحرب، بل قد يكون في كثير من الأحيان الهدنة التي تسبق القرار الكبير.
