أنظار الجميع تتجه إلى إيران.. لكن هذه الساحة هي التي قد تُشعل فتيل التوتر في المنطقة من جديد

يائير ميرتون: مستشار استراتيجي وخبير في إدارة الأزمات
قبل التسرع في إعلان حرب إقليمية شاملة، أو التكهن بقرب التوصل إلى اتفاق تاريخي، يجدر بنا النظر إلى الشرق الأوسط على حقيقته: منطقة تخوض حرب استنزاف مستمرة، يسعى فيها كل طرف إلى ممارسة نفوذه، ولكن في المقام الأول لتجنب ثمن الحرب الشاملة.
تريد إيران أن توضح أنها قادرة، في حال تعرضها لضغوط عسكرية أو اقتصادية، على توسيع رقعة الصراع إلى ما هو أبعد من إسرائيل والخليج العربي. ومن وجهة نظرها، يُعدّ استهداف خطوط الملاحة والبنية التحتية للطاقة والاقتصاد العالمي وسيلة ضغط على واشنطن والدول الأوروبية. السؤال الأهم هو: هل ستوسّع الولايات المتحدة نطاق هجماتها..؟
في رأيي، طالما استمرت إيران في مهاجمة القوات الأمريكية والشحن الدولي وحلفاء واشنطن، فإن احتمال شنّ المزيد من الهجمات الأمريكية يبقى قائماً. مع ذلك، لا يوجد لدى الولايات المتحدة أي مصلحة في شنّ حرب غزو أو القيام بأي خطوة تهدف إلى إسقاط النظام. ومن المرجح أن يظل الهدف الأمريكي محدودا: تقويض قدرات إيران الصاروخية، وهياكل قيادتها، وبنيتها العسكرية بشكل منهجي، مع ترك مجال للدبلوماسية في حال غيّرت طهران مسارها. لكن الصراع الداخلي بين المعتدلين والمتطرفين في إيران لا يسمح بأي حلول وسط.
بالنسبة لإسرائيل، فهي بحاجة للتمييز بين الإرادة والقدرة. ستواصل إسرائيل تحركها حيثما رأت تهديدا مباشرا، لكنها ستفضل أن تقود الولايات المتحدة الحملة الأوسع. فإذا شنت إيران هجوما مباشرا آخر على إسرائيل، أو هجوما كبيرا عبر وكلائها، فلن تقف اسرائيل دون تدخل.
الساحة الأكثر إثارة للاهتمام، هي تلك التي تدور بين السعودية واليمن. لسنوات، حاولت الرياض الخروج من المستنقع اليمني عبر اتفاقيات. لكن مع تحوّل الحوثيين إلى ذراع إيراني يهدد طرق التجارة والاستقرار الإقليمي، يدرك السعوديون أن الاتفاقيات وحدها لا تضمن الأمن. فإذا استمرت هجمات الحوثيين، فقد نشهد عودة السعودية تدريجيا إلى التدخل العسكري. ومع ذلك، ورغم كل هذه الضجة، لا أعتقد أننا على وشك حرب إقليمية شاملة. تُدرك إيران أن مثل هذه الحرب قد تُهدد بقاء النظام نفسه. من جانبها، لا تسعى الولايات المتحدة، بعد عقدين من الحروب في الشرق الأوسط، إلى غزو آخر. لذا، فإن السيناريو الأرجح هو استمرار حرب الاستنزاف: المزيد من الهجمات، والمزيد من الاغتيالات، والمزيد من الضرر للاقتصاد الإيراني، والمزيد من المحاولات الإيرانية لتشغيل وكلاء وإلحاق الضرر بطرق التجارة.
السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل ستستمر المفاوضات أيضا..؟ يبدو ذلك مُرجّحا. ففي الشرق الأوسط، لا تتعارض الحرب والدبلوماسية، بل تسيران جنبا إلى جنب. ويُظهر التاريخ أن كل اتفاق هام تقريبا في المنطقة وُلد بعد فترة من استخدام القوة. والسؤال هو: من سيتراجع أولا..؟ إيران، التي ستُجبر على الاختيار بين التآكل الاستراتيجي والتنازلات المؤلمة، أم الغرب، الذي سيُضطر إلى الاختيار بين الاكتفاء بالردع، أو العمل على تغيير موازين القوى في الشرق الأوسط تغييرا جذريا..؟




