مقالات رأي

من دولة معادية إلى شريك محتمل: دولة تقع عند نقطة حساسة لإيران تقترب أكثر من إسرائيل

 

د. عنات هوخبرغ-ماروم: خبيرة في الجغرافيا السياسية والأزمات الدولية والإرهاب العالمي

واجهت اتفاقيات أبراهام، الموقعة في سبتمبر/أيلول 2020 في البيت الأبيض بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والبحرين، اختبارا وجوديا غير مسبوق: مواجهة مباشرة مُطولة مع إيران، إلى جانب أزمة استراتيجية حادة في مضيق هرمز.
أحدثت الحملة الإقليمية تغييرا جذريا في بنية الأمن في الشرق الأوسط، وحوّلت الاتفاقيات من إطار تطبيع رمزي ذي طابع اقتصادي إلى تحالف عسكري دفاعي فعّال. وفي غضون ذلك، ورغم تلقي الإمارات العربية المتحدة ضربة قوية تمثلت في نحو 3000 صاروخ باليستي وصاروخ كروز وطائرة مسيرة، فقد رسّخت مكانتها كشريك إسرائيل الأمني الرئيسي في العالم العربي.
قد يكون الصراع ضد طهران، أدى إلى تحطّيم وهم قوة دول الخليج وصورة التماسك العسكري لدول مجلس التعاون الخليجي، ولكنه في الوقت نفسه سرّع من تعميق العلاقات بين “القدس” وأبوظبي. فقد توسع التعاون الاستخباراتي والمناورات العسكرية والعمليات المشتركة بشكل ملحوظ، وشمل ذلك نشر أنظمة القبة الحديدية، ونقل تقنيات الليزر المتقدمة، والحرب السيبرانية المتكاملة.
يؤدي تعزيز العلاقات الآن إلى توسيع نطاق المشاريع الاستراتيجية في مجالات الأمن والتكنولوجيا والطاقة، إلى جانب تعزيز المحور المشترك مع مصر والأردن وأذربيجان ودول أخرى معتدلة في العالم الإسلامي. ومن منظور أوسع، فإن الأزمة الإقليمية – التي كشفت عن قصور المظلة الدفاعية والردعية الأمريكية – فاقمت الصراع العميق الذي تجد دول الخليج نفسها فيه، وكشفت عن محدودية قوتها في مواجهة طهران.
بينما تتأرجح هذه الدول بين التعاون الأمني مع إسرائيل والولايات المتحدة، وإدارة المخاطر الدبلوماسية الدقيقة والحساسة تجاه إيران، فإنها تتعرض باستمرار لإجراءات انتقامية من الجمهورية الإسلامية. وفي الوقت نفسه، تعمّق الانقسام داخل العالم الإسلامي بين المعسكر السنّي المعتدل، بقيادة الرياض وإمارات الخليج، والمعسكر الشيعي المتشدد بقيادة طهران وشبكة وكلائها.
علاوة على ذلك، ورغم بقاء إيران قوة إقليمية مهيمنة رغم الضرر الجسيم الذي لحق باقتصادها، فإن الصراع المستمر وعدم الاستقرار الإقليمي، كشفا عن حدود التطبيع الشامل، وسلّطا الضوء على تعزيز المحور الثلاثي بين إسرائيل والإمارات والولايات المتحدة على حساب تحالف إقليمي أشمل.
وبذلك، أثبتت اتفاقيات أبراهام إمكانية إقامة شراكة استراتيجية عميقة وعملية حتى في غياب أي تقدم في القناة الفلسطينية. فبالرغم من المصالح المشتركة مع طهران، فإن عملية التطبيع مع السعودية متوقفة تماما، وتبدو الآن أبعد من أي وقت مضى.
من منظور استراتيجي شامل، لم يعد أمن الخليج العربي قضيةً منفصلة في السياسة الخارجية الإسرائيلية، بل أصبح ركنا أساسيا في مفهومها للأمن القومي. تُعزز “القدس” انخراطها في الجهود الإقليمية لاحتواء إيران وشبكة وكلائها، ويعتمد تسريع التكامل الثلاثي بين “القدس” وأبوظبي وواشنطن على الديناميكيات الدبلوماسية، والاعتبارات السياسية الداخلية، ومسار الصراعات الإقليمية الأوسع نطاقا، بما في ذلك الحرب في قطاع غزة، وتهديد الحوثيين في البحر الأحمر، وأزمة مضيق هرمز. كما اتسع نطاق التدخل الإسرائيلي بشكل ملحوظ، ليشمل الآن الممرات الملاحية الحيوية في الخليج العربي.
خريطة جديدة للقوى: لم تعد الحملة الجيوسياسية ضد إيران تقتصر على أسعار النفط أو تجاوز مضيق هرمز، بل تُعيد رسم خريطة القوى الإقليمية، وتُؤكد على الأهمية البالغة لاتفاقيات أبراهام كإطار للتعاون الأمني والاستخباراتي والاقتصادي. فعلى سبيل المثال، أعلنت الإمارات العربية المتحدة، التي أثبتت قدرتها على التكيّف مع الظروف المتغيّرة، وعملت على تعميق التعاون الإقليمي، عن خطوات سياسية ستؤدي إلى انضمام الكويت، الدولة التي عارضت بشدة لسنوات إقامة علاقات مع إسرائيل. ستُسهم هذه الخطوة في توسيع نطاق التطبيع والاعتراف الدولي بإسرائيل من قِبل الدول العربية والإسلامية، وستُشجع انضمام دول أخرى، كعُمان وأذربيجان وإندونيسيا، كما ستُعزز القدرة على مواجهة التهديدات المشتركة. علاوة على ذلك، أثبتت الأزمة الحالية مع إيران، أن الخليج العربي لم يعد ساحة بعيدة، بل أصبح جزءا لا يتجزأ من خريطة التهديدات المباشرة لإسرائيل. ولم يعد انضمام الكويت المُحتمل إلى النظام الإقليمي خطوةً دبلوماسية فحسب، بل تحولا جذريا للشرق الأوسط بأسره: خطوة استراتيجية تربط قلب الخليج بشبكة دفاعية واستخباراتية واقتصادية مشتركة، وتُوفر في الوقت نفسه رافعة ضغط مؤثرة على المملكة العربية السعودية.
يمنح موقع الكويت في الطرف الشمالي الغربي للخليج، إلى جانب احتياطياتها النفطية الهائلة، أهمية جيوسياسية واقتصادية بالغة. يمكن للموانئ ومحطات الغاز والشبكات المالية أن تُحوّل محور القدس-أبوظبي-الكويت إلى مركز لوجستي وطاقي يُضاهي السعودية، ويُرسي بنية أمريكية-إسرائيلية-إماراتية لاحتواء إيران.
في الوقت نفسه، تُشكّل حدود الكويت مع العراق والسعودية، واعتمادها على مضيق هرمز، ركيزة أساسية لاحتواء النفوذ الإيراني في شمال الخليج، وتعزيز حرية الملاحة، وحماية البنية التحتية البحرية الحيوية (مثل حقلي الخفجي والدورة النفطيين) من خلال أنظمة مراقبة ورادار واعتراض متطورة. علاوة على ذلك، سيُمثّل انضمام الكويت نهاية حق النقض الفلسطيني على التطبيع، ويُمهّد الطريق لاندماجها في ممرات التجارة الدولية (IMEC) .
بالنسبة لاسرائيل، يُمثل هذا عمقا استراتيجيا غير مسبوق: إنذار مبكر من قلب الخليج، وحماية محيط البنية التحتية للطاقة، والوصول إلى أسواق جديدة في الكويت وآسيا الوسطى. وفي الوقت نفسه، قد يُرسي التعاون في مجالات الأمن الغذائي، وتحلية المياه، وتقنيات المناخ، “تطبيعا هادئا” حتى قبل التوقيع الرسمي، ويُغيّر ميزان القوى في مجلس التعاون الخليجي تغييرا جذريا.
من منظور شامل، وفي الذكرى السادسة لاتفاقيات أبراهام، يتضح أن الكويت ليست مجرد مرشح آخر، بل هي المفتاح لتحويل الاتفاقيات من مبادرة سياسية إلى تحالف استراتيجي يُغيّر الواقع. سيُوضح انضمامها لطهران بشكل قاطع، أن إسرائيل – رغم التهديدات التي تُحدق بوجودها – كانت ولا تزال مفترق طرق هاما في الشرق الأوسط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى