لبنان تحت حصار الانهيار البيئي (2) من الهواء الملوّث إلى المرض… اللبنانيون يدفعون كلفة الانهيار

د. علي فاعور: عضو المجلس الوطني للبحوث العلمية
مقدمة
لم يعد تلوث الهواء في لبنان مجرد قضية بيئية، بل تحول إلى أحد أبرز التحديات الصحية والاقتصادية التي تواجه البلاد. ومع تفاقم أزمة الطاقة، وانتشار المولدات الخاصة، وازدياد كثافة السير، وحرق النفايات، ارتفعت مستويات الملوثات في المدن، وانعكس ذلك على صحة السكان وكلفة العلاج والإنتاجية وجودة الحياة. وتستند هذه المقالة إلى أحدث المؤشرات والخرائط والدراسات لتتبع العلاقة بين تلوث الهواء، والمرض، والخسائر الاقتصادية، وأولويات الحد من هذا الخطر المتصاعد.
1- تلوّث هواء المدن… مخاطر تتهدد صحة اللبنانيين
1) مصادر متعددة… كثافة السير والمولدات وحرق النفايات
يتركز تلوث الهواء في المدن اللبنانية نتيجة تداخل عدة مصادر للانبعاثات، وبخاصة في المدن الكبرى، إضافة إلى بعض المنشآت الصناعية ومحطات الطاقة. وتُظهر الخرائط أن هذا التلوث لا يتوزع بالتساوي، بل يتركز في مناطق حضرية محددة تسجل مستويات أعلى من الملوثات، كما في بيروت وجونية ومنطقة الذوق.
وتشير بيانات الرصد المتاحة لعام 2017 إلى تجاوز تراكيز بعض الملوثات، ولا سيما الجسيمات الدقيقة، المستويات الإرشادية الصحية. لكن الشبكة الوطنية لمراقبة نوعية الهواء توقفت عن العمل خلال الأزمة بعد عام 2019، ما ترك البلاد أمام مفارقة خطرة: تزايد مصادر التلوث في مقابل تراجع القدرة الرسمية على قياسه ومتابعة تغيره.
2) بيروت… خريطة تكشف بؤر التلوث داخل المدينة
تمتد مدينة بيروت بين مطمرين في الأوزاعي وبرج حمود، حيث تكشف خريطة التوزيع المكاني لتلوّث الهواء أن التلوث لا ينتشر بالتساوي، بل يرتفع في نطاقات ترتبط بكثافة السير والتجمعات العمرانية والأنشطة الاقتصادية. وتظهر أعلى المستويات في برج حمود والدورة وسن الفيل والأشرفية، مع بؤر مرتفعة أيضاً في الحمرا ورأس بيروت، بينما تنخفض القيم نسبياً في بعض النطاقات الأقل تعرضاً لممرات المرور الكثيف.

ويلاحظ في خريطة تلوّث هواء المدينة، وجود تفاوت واضح بين الأحياء. فسكان المناطق الواقعة قرب الطرق الرئيسية والتقاطعات ومحاور الدخول إلى العاصمة يتعرضون لمزيج من انبعاثات المركبات والمولدات والأنشطة التجارية. لذلك لا تعكس خريطة بيروت مشكلة هواء واحدة، بل خريطة متفاوتة للمخاطر الصحية داخل المدينة نفسها.
3) جونية ومعمل الذوق… بين المدن الأكثر تلوّثاً بالهواء
تقدم جونية مثالاً مختلفاً، حيث تتداخل حركة السير الكثيفة على المحور الساحلي مع التوسع العمراني والانبعاثات الصادرة عن معمل الذوق الحراري، والمولدات والمنشآت المحيطة. وتقع محطة الطاقة قرب تجمعات سكنية واسعة وعلى شريط ساحلي ضيق تحيط به المرتفعات، ما قد يحد في بعض الظروف الجوية من تشتت الملوثات ويساعد على بقائها فوق المجال الحضري.
وتكشف حالة جونية أن المشكلة لا ترتبط فقط بحجم الانبعاثات، بل أيضاً بموقع مصدرها بالنسبة إلى السكان وطبيعة التضاريس وحركة الرياح. حيث تجتمع محطة طاقة ومحور مروري شديد الازدحام وكثافة عمرانية مرتفعة في مجال واحد، وتتحوّل المدينة الى أعلى نقطة تلوّث في لبنان، بحسب تصنيف غرينبيس، وهي في قائمة بؤر التلوّث وتضم 50 مدينة في العالم.
2- من الهواء الملوّث إلى الأمراض… المخاطر الصحية تتفاقم
لا يقتصر أثر تلوث الهواء على تدهور البيئة الحضرية، بل يمتد مباشرة إلى صحة الإنسان. فالتعرض المستمر للملوثات يرفع مخاطر الأمراض المزمنة والوفاة المبكرة، ويخفض عدد سنوات الحياة الصحية، ما يجعل تلوث الهواء أحد أبرز تحديات الصحة العامة في لبنان.
1) أمراض القلب والرئة… العبء الصحي يتسع
تكمن خطورة بعض اشكال تلوّث الهواء، في قدرتها على الوصول إلى أعماق الرئتين والانتقال إلى مجرى الدم، بما يجعل التلوث الهوائي خطراً يتجاوز الجهاز التنفسي ليصيب القلب والأوعية الدموية وأعضاء أخرى. وتكتسب هذه العلاقة أهمية خاصة في المدن اللبنانية المكتظة، حيث يتكرر التعرض يومياً. وتعد أمراض القلب والسكتات أكبر مكونات الوفيات المنسوبة عالمياً إلى تلوث الهواء الخارجي، تليها أمراض الرئة المزمنة والتهابات الجهاز التنفسي.
2) 2815 وفاة مبكرة… تقدير لحجم الخطر
تكشف التقارير الصحية أن تلوث الهواء في لبنان يرتبط بنحو 2815 وفاة مبكرة سنوياً. وفق تقديرات إحصائية لعبء المرض، وهذه التقديرات تُبنى على مستويات التعرض، وعدد السكان، ومعدلات الأمراض والوفيات.
كما توضح الأرقام أن التلوث لم يعد عاملاً هامشياً، بل خطراً صحياً قابلاً للوقاية. وتقدّر كلفة تلوث الهواء بنحو 632,3 مليون دولار سنوياً، بما يشمل آثار الوفاة المبكرة والمرض والعلاج وفقدان الإنتاجية.
3) سنوات الحياة الصحية.. تراجع نوعية حياة الأسرة
لا تختصر الكلفة الصحية بعدد الوفيات وحده؛ إذ تشير بعض التقارير إلى فقدان نحو 10.262 سنة من الحياة الصحية ، أو سنوات الحياة المصححة باحتساب العجز والمرض. لأن التلوّث لا يقصّر العمر فحسب، بل يفرض أيضاً سنوات من التعايش مع الربو وأمراض القلب والرئة والعجز وتراجع القدرة على العمل.
وهكذا يصبح الهواء الملوث عبئاً مزدوجاً: يسلب بعض السكان سنوات من العمر، ويخفض لدى آخرين نوعية السنوات التي يعيشونها.
3- كلفة التدهور البيئي… خسائر تقترب من ملياري دولار
لا تقتصر آثار التلوّث على ارتفاع معدلات المرض والوفاة المبكرة، بل تمتد إلى الاقتصاد ونوعية الحياة، حيث تتحول الأعباء الصحية والبيئية إلى خسائر متزايدة تتحملها الدولة والأسر معاً، بحيث أن كلفة هذا التدهور قد تجاوزت 1.96 مليار دولار عام 2023.
1) المياه والهواء… المصدران الأكبر للخسائر
يتصدر تلوث المياه القطاعات الأكثر كلفة بنحو 722.5 مليون دولار، أو ما يعادل 4% من الناتج المحلي، يليه تلوث الهواء بنحو 632.3 مليون دولار، أي 3.5% من الناتج. وتكشف هذه الأرقام أن القسم الأكبر من الخسائر يرتبط بعنصرين أساسيين للحياة اليومية: الماء الذي يستخدمه السكان والهواء الذي يتنفسونه. أما النفايات فتبلغ كلفتها نحو 273.3 مليون دولار، مقابل 249.2 مليوناً لتدهور الأراضي والغابات والكسارات، و84.6 مليوناً للأضرار الساحلية.
2) المواطن يدفع مرتين… ثمن الخدمة وثمن الضرر
لا تبقى هذه الخسائر محصورة في حسابات الاقتصاد الوطني؛ فهي تنتقل مباشرة إلى ميزانيات الأسر. فالمواطن يدفع لشراء مياه الشرب، وتأمين الكهرباء من المولدات، والحصول على الأدوية والفحوص والعلاج، ثم يتحمل خسارة أيام العمل والدراسة بسبب المرض. وهكذا يدفع ثمن غياب الخدمة العامة، ثم يدفع مجدداً لمعالجة النتائج الصحية والبيئية المترتبة عليها.
3) عدالة بيئية مفقودة… الضرر لا يتوزع بالتساوي
تفرض الأزمة عبئاً أكبر على سكان الأحياء المكتظة والقريبة من الطرق والمولدات والمصانع والمكبات، وعلى الأطفال وكبار السن والمرضى والعاملين في الهواء الطلق. كما أن الأسر محدودة الدخل أقل قدرة على الانتقال إلى مناطق أنظف أو شراء وسائل الحماية والعلاج المنتظم. لذلك لا يمثل التلوث أزمة بيئية فقط، بل يكشف أيضاً تفاوتاً اجتماعياً واضحاً: الفئات الأكثر تعرضاً للخطر هي غالباً الأقل قدرة على تجنبه أو تحمّل كلفته.
4- أولويات الإنقاذ.. من قياس التلوث إلى حماية الحياة…
لم يعد التحدي في لبنان يقتصر على تشخيص مصادر التلوث أو قياس كلفتها، بل أصبح مرتبطاً بقدرة الدولة على تحويل البيانات والتشريعات إلى سياسات قابلة للتنفيذ. فمعرفة حجم المشكلة لم تعد كافية، ما لم تُترجم إلى رصد مستمر، ومساءلة واضحة، وإجراءات تحد من مصادر التلوث قبل أن تتحول إلى أعباء صحية واقتصادية أكبر.
1) استعادة شبكة الرصد… من التقديرات إلى البيانات اليومية
تبدأ الأولوية بإعادة تشغيل المحطات القائمة وتوسيعها نحو بيروت الكبرى وجونية–الذوق، وطرابلس والمناطق الصناعية. ولا يكفي جمع البيانات؛ بل ينبغي نشر مؤشر يومي واضح يتيح للسكان والمدارس والمستشفيات معرفة مستويات الخطر، واتخاذ إجراءات وقائية. فالرصد المستمر ليس عملاً تقنياً معزولاً، بل أساس للرقابة والمساءلة وتحديد ما إذا كانت نوعية الهواء تتحسن أو تتدهور.
2) جردة وطنية للانبعاثات… كل مصدر يتحمل مسؤوليته
تحتاج الدولة إلى جردة محدثة تربط كل قطاع بحجم انبعاثاته: النقل، ومحطات الكهرباء، والمولدات، والصناعة، والكسارات، والحرق المكشوف. ويجب أن تتحول التقارير الفنية المطلوبة من المولدات الكبرى إلى نظام رقابي يشمل نوع الوقود، وارتفاع المداخن، والفلاتر، وساعات التشغيل والالتزام بالقيم، بدلاً من بقائها إجراءً إدارياً فقط.
3) ربط البيئة بالصحة… خريطة واحدة للمخاطر
الخطوة العلمية الأهم هي ربط خرائط التلوث بسجلات الاستشفاء والأمراض والوفيات على مستوى المناطق، مع حماية البيانات الشخصية. فهذا الربط يسمح بإجراء دراسات وبائية مكانية، وتحديد الفئات الأعلى تعرضاً.
4) معالجة المصدر قبل دفع كلفة المرض
تتمثل الأولويات التنفيذية في تطوير النقل العام، وضبط انبعاثات المركبات والمولدات والمنشآت الصناعية، ومنع الحرق المكشوف، وتوسيع المساحات الخضراء، وفرض المراقبة الدورية والعقوبات. ووفق منظمة الصحة العالمية، فإن البيانات المستمرة والموحدة ونشرها علناً تشكل شرطاً أساسياً لتقدير الأثر الصحي وقياس التقدم في خفض التلوث.
الخلاصة
تكشف مؤشرات تلوث الهواء أن كلفة الانهيار البيئي لا تُقاس بالأرقام وحدها، بل بما تتركه من آثار على صحة الإنسان ونوعية الحياة والإنتاجية. وبين الوقاية وكلفة العلاج، يبقى الاستثمار في الهواء النظيف أحد أكثر الخيارات جدوى لحماية المجتمع ومستقبل التنمية في لبنان.


