مقالات رأي

ماري حداد… الرئبالةُ الثائرة على الظلم والفساد في لبنان (٤)

الجزء الرابع

ماجد مهدي*

على الرغم من هول الجريمة التي ارتكبها رئيس الجمهوريَّة بشاره الخوري بحقِّ ماري حدَّاد، لم يرتَفعْ صوتٌ واحدٌ في لبنان مُدافعًا عن سيِّدة الوفاء والشرف، ورمز الحرِّيَّة والعدالة. ولم ينتفضْ أَبناءُ الوطن في وجه جرائم المسؤولين بحقِّهم إلاَّ متأَخِّرين، وبعد أَن نُهبَت أَموالُهم، وديست حقوقُهم، وأَطبق سيفُ الطُّغيان على أَعناقهم، وشربوا كؤوس الذُّلِّ المُترَعة حتَّى الثُّمالة. وقد عبَّرت ماري حدَّاد عن غضبها إزاءَ ذلك الموقف المتهاون من جريمة احتجازها في “العصفوريَّة” في رسالةٍ بعثَت بها إلى الصِّحافيّ جبران مسُّوح، صاحب جريدة “المُختصر” الصادرة في “بونس إيرس” بالأَرجنتين، وذلك بتاريخ 11 أَيلول 1946، بالقول:

“الحقُّ والباطلُ هنا تحت رايةٍ واحدة. والعبقريُّ لا شأن له إلاَّ في ما يُمثِّلُه من قيمةٍ ماليَّةٍ ملموسة يُمكنُ بيعُها. وحدها المنفعةُ المادِّيَّةُ تُعتَبرُ وتُحسَب. فهذا البلدُ المستقلُّ حديثًا هو ضحيَّةُ قادةٍ يعتدون على حرِّيَّة الفكر، ويُلغُون، على هواهم حقَّ التعبير عن النفس باسم الحقيقة. والسُّلطة عندنا تتنكَّرُ في عصاباتٍ من القتَلة يتربَّصون لك في حنايا الشوارع، وتُسلِّحُ سفَّاحين مأجورين ليغتالوك نزولاً عند أَمر… أَنا أَفهمُ صرخة الاحتجاج التي تُثيرُ نفسك، لكنْ لا أَحد هُنا يثُور… إنَّ الحجارة في هذا البلد قد تصرخُ قبل أَن يرتفع صوتٌ ضدَّ قاتلٍ قايينيّ. وهذه الحال تُذكِّرُني بالحُكم على سقراط، مجدِ الإنسانيَّة المُزدَراة، بشُرب سُمِّ الشَّوكران، كما تُذكِّرُني بصَلْب السيِّد المسيح.”

والجدير بالذكر أَنَّ الصحافيَّ السوريّ جبران مسُّوح كان في طليعة صحافيِّي المهجر الأَمريكيّ الذين دافعوا عن الدكتور داهش وماري حدَّاد بكلِّ نزاهةٍ وجرأَة، على الرغم من عدم معرفتهم بهما، بل إنَّه كان الأَعلى صوتًا بينهم في مواجهة بشاره الخوري وطُغمته الحاكمة، بينما لم يتحرَّك أَيُّ صحافيٍّ، أَو نائبٍ، أَو سياسيٍّ في لبنان، ليقول كلمة حقٍّ في وجه الظُّلم الذي أُنزلَ بهما. وكانت جريدتُه “المُختصر” الصادرة في “بونس إيرس” بالأَرجنتين في عداد الصُّحف المهجريَّة التي هاجمت مُرتكبي الجريمة بأَقلامٍ حِداد، بما فيها جريدة “الجيل الجديد” الأَمريكيَّة، وجريدة “السائح” للكاتب الحمصيّ عبد المسيح حدَّاد، ومجلَّة “الجامعة السريانيَّة” للكاتب فريد نَزهه، ومجلَّة “الرفيق” للكاتب اللبنانيّ يوسف كمال، والتي كانت تصدر في “بونس إيرس” أَيضًا، وجريدة “الصباح” الصادرة في ديترويت (مِشيغن) بالولايات المتَّحدة الأَمريكيَّة، وسواها. وقد وجَّه جبران مسُّوح رسالتَين في موضوع تلك الجريمة إلى كلٍّ من بشاره الخوري ورياض الصُّلح. وفي رسالته إلى الرئيس الخوري، المؤَرَّخة في 2 سبتمبر 1946، يخاطبُه بالقول:

” …تمرُّ بالحادث شخصيّاتٌ كثيرة. ولكنَّ الشخصيَّة التي تطفو على الجميع هي ماري حدَّاد، تلك الباسلة التي مثَّلَت دور إميل زولا في حادثة دريفوس، وڤولتير في دفاعه عن الذين ظلمَتْهم محاكمُ التفتيش، بل هي بزَّت الإثنين معًا في تقديس عقيدة، والنضال لأَجل حرِّيَّة الفكر والكتابة والاجتماع. ومن عجائب الأَقدار أَنَّه لا يوجدُ في لبنان مَن يُدافعُ عن حريَّة الإنسان غير امرأَة، على كثرة الذين يتبجَّحون في الكتابة والخطابة والشِّعر…”

وفي رسالةٍ بعث بها إلى ماري حدَّاد بتاريخ 27 كانون الأَوَّل 1946، بعد أَن بلغَه خبرُ اعتقالها، خاطبها قائلاً:

“منَ الغريب جدًّا أَنَّ حكومة لبنان لا تزالُ تتوهَّم أَنَّها بهذا الضغط تحتفظُ بمركزها. وهي تجهلُ أَنَّ أَكثريَّة الشعب صارت ضدَّها. والحقيقة أَنَّ هذه السجون التي تَدخُلينها، يا ماري، ستكونُ عظيمةً في تاريخ لبنان، وسيقصدُها الناسُ من كلِّ مكان لزيارة أَثرٍ تاريخيٍّ عظيم الشأن، ولاسيَّما أَنَّ أُختكِ ميّ [زياده] سبقَتكِ إلى هذه السُّجون، وسجَّلَت فيها هذه الأَمجاد، لكي تأتي بعدها وتُتمِّمي ما بدأَتْ هيَ به. كلُّ شيءٍ له نهاية، يا ماري. فكُوني ثابتةً وفيَّةً لمبادئ داهش، وللحقّ، وللفضيلة، ولبنان. ولا يمكنُ أَن تكون ماري حدَّاد غير ذلك!”

الصِّحافيّ جبران مسُّوح صاحب جريدة “المُختصر” الصادرة في بونس إيرس بالأَرجنتين

أَمَّا مجلَّة “الرفيق”، فيختمُ صاحبُها يوسف كمال افتتاحيَّته للعدد الصادر في أَيلول 1947، والتي خصَّ بها موضوع اضطهاد الدكتور داهش، بالقول:

“… إنَّ تعاليم داهش لا تموت. وسيَحفظُها التاريخ في أَحضان الدهر، تتداولُها الأَجيال جيلاً بعد جيل، كما تداولَت غيرها عن لسان المفكِّرين النابغين في كلِّ عصرٍ ومِصر…”

والجدير بالذكر أَنَّ الحرب القلميَّة التي أَطلقها الدكتور داهش بوجه مُضطهديه لم تقتصر على رئيس الجمهوريَّة وزوجته لور وشقيقها ميشال شيحا وهنري فرعون، بل إنَّها جاوزَتهم لتشمل جميع المشاركين في الجريمة، على اختلاف مراكزهم وانتماءَاتهم. وكانت الرسائلُ والعرائضُ والبيانات والإنذارات تواكبُ صدور الكتب والمناشير السوداء. ففي عام 1950، بعثَت ماري حدَّاد برسالةٍ إلى رئيس الجمهوريَّة وقرينته لور، تحذِّرُهما فيها من مغبَّة الانتقام منها ومن أُسرتها، ومُذكِّرةً إيَّاهما بالجريمة التي ارتكباها بحقِّ أَنطون سعاده، وموجِّهةً إليهما إصبع الاتِّهام باغتياله، وكاشفةً الأَستار عن أَعمال السلب والتزوير وتهريب الحشيش والتهرُّب الضريبيّ وسواها من الارتكابات التي كانوا يأتونها بلا وازعٍ من ضمرٍ أَو وجدان، قائلةً:

“يَظهر أَنَّكما ماضيان في خطَّتكما الانتقاميَّة ضدِّي، وضدَّ قريني… ويَظهر أَنَّكما لم تكتفيا بالتنكيل بي، ووَضْعي زُورًا واقتسارًا “بالعصفوريَّة”، وبالسِّجن… ويَظهر أَنَّكما تنويان أَن تُطبِّقا معي الخُطَّة التي نفَّذتموها مع أَنطون سعاده، إذْ اعتقلتم أَفراد حزبه، وزجَجْتموهم في السجون، ثمَّ اغتلتموه، وادَّعيتم أَنَّكم أَعدمتموه بناءً على قرار المحكمة. وهذا ما تريدون الآن تطبيقه معنا!..

“وبهذه المناسبة، أَخبروني هل أَنا هي التي زوَّرَت انتخابات مجلس 25 أَيَّار المعروفة؟.. وهل أَنا التي اقتنَيتُ عشرات السيَّارات دون أَن أَدفع عنها الرسوم الجمركيَّة؟.. وهل كان النائبُ عبد الله الحاجّ يقصدُني عندما استجوبَ الحكومة تحت قبَّة البرلمان عن النقد النادر الذي أَخذتِ منه الملايين، يا لور، إلى فرنسا، وأَدَبتِ المآدب بواسطته، بينما يوجد مئاتٌ من الطلاَّب اللبنانيِّين في فرنسا لا يستطيعون أَخْذَ فرنكٍ واحد من مكتب القَطْع اللبنانيّ؟.. ثمَّ هل أَنا التي أَثرَيتُ وأَصبحتُ أَملكُ الملايين من شركة التُّرابة، أَم هو فؤاد الخوري شقيق بشاره؟.. ثمَّ قضيَّة “قرش الفقير” الذي أَصبح الحديث عنه على كلِّ شفَةٍ ولسان! وكذلك قضيَّة الأَسلحة!.. ثم قضيَّة الحشيش وتهريبه، وكسبُ الملايين منه! ثمَّ قضيَّة المطار وفضائحُ التزاماته المُبكية!”…

ولم تكتفِ ماري حدَّاد بالكشف عن فضائح المسؤولين أَمام الرأي العامّ، بل كانت تضمُّ صوتها إلى صوت الدكتور داهش في تحذير اللبنانيِّين من مغبَّة الصمت الشعبيّ عن ارتكابات المسؤولين وتجاوزاتهم في كافَّة المجالات. وكان الدكتور داهش يُدركُ بعين بصيرته المُلهَمة عِظَمَ المخاطر التي كانت تتهدَّدُ لبنان في كيانه ووجوده، والتي قد تؤدِّي به إلى الزوال نتيجة تفاقم المفاسد والمظالم. ولذلك، أَصدر في عام 1946 كتابًا أَسود بعنوان “لبنان الغريق تُمزِّقُه الذئابُ المفترسة”، يحملُ اسم ماري حدَّاد، ويتضمَّنُ بعض المقالات الصادرة في الصُّحف اللبنانيَّة حول مفاسد ذلك العهد. وفي يقيني أَنَّ الاطِّلاع على بعض عناوين تلك المقالات يكفي للإفصاح عن مضامينها؛ مثالُه: “جَلْدُ امرأَةٍ في المخفر بالنبطيَّة” (التلغراف)؛ “شُرطيُّ ينتحر لأَنَّ راتبه لا يكفيه” (الحياة)؛ “أَطحينٌ هذا أَم جَفصين” (النهار)؛ “اختلاسٌ في الدوائر العقاريَّة بمنطقة جبل لبنان بقيمة 16 أَلف ليرة” (الحديث)؛ “في مطلع العهد الاستقلاليّ حوادثُ المسدَّسات والقنابل بلبنان” (التلغراف)… إلخ. وقد صدَّر الدكتور داهش غلاف الكتاب بلوحةٍ تُمثِّلُ سفينةً ضخمةً مُوشكةً على الغرق، وقد دُوِّن على مقدَّمتها، بالخطِّ النُّسخيّ الكبير، عبارة “لبنان الغريق”. وتحت اللوحة، أَدرجَ بيتَين من الشِّعر اقتبسهما من قصيدةٍ للشاعر اللبنانيّ بشاره الخوري، المعروف بالأَخطل الصغير، هَجا فيها سَميَّه رئيس الجمهوريَّة بشاره الخوري وعهدَه؛ وقد جاءَ فيهما:

“يـا أُمَّةً غدَتِ الذئابُ تسُوسُها/ غرقَتْ سفينتُها وضاعَ رئيسُها/

 غرقَتْ، فليسَ هناكَ غيرُ حطائمٍ/ يَبكي مؤَبِّنُها ويَضحكُ سُوسُها/”

وتحت ذَيْنك البيتَيْن دُوِّنَت العبارةُ التالية:

“سيقولُ التاريخُ غدًا كلمته الفاصلة في هذا العهد ويضعُه على مشرحته العادلة التي لا ترحم؛ فما يزرعُه الوصوليُّون المُستثمرون إيَّاهُ يَحصدون.”

وفي عام 1951، وقبل حوالى سنةٍ ونيِّف من سقوط عهد الرئيس بشاره الخوري، يهبطُ لبنان الدكتور محمَّد حسين هيكل، رئيسُ مجلس الشيوخ المصريّ ورئيسُ الحزب الدستوريّ ومؤلِّف كتاب “محمَّد” وكتاب “في منزل الوحي”، ليصطاف مع عائلته في “ضهور الشوير”. وقد اتَّصل بالشاعر حليم دمُّوس مُستفسرًا عن حقيقة جريمة تجريد الدكتور داهش من جنسيَّته اللبنانيَّة. ويَذكرُ الشاعر في مقدِّمته لكتاب “الرسائل المتبادلة بين الدكتور داهش والدكتور محمَّد حسين هيكل باشا” أَنَّ “الدكتور هيكل اجتمع بالسيِّدة ماري حدَّاد، وفَهمَ منها أَسباب هذه الجريمة التي تدَعُ عرَق العار ينهمرُ استحياءً وخجلاً أَمام التاريخ الذي لا يرحم. وقد تأَثَّر تأَثُّرًا بالغًا. وللحال حرَّر رسالةً ضمَّنها رأيه الصريح في هذه القضيَّة الهامَّة، وبعث بها إلى مؤسِّس الداهشيَّة.” وقد كانت تلك الرسالة فاتحةً لرسائل متبادلة بينه وبين الدكتور داهش تستحقُّ أَن تُصنَّف ضمن ما يُطلَق عليه اسم  أَدب “الرسائل الجميلة” .Les Belles Lettres

ومن جميل ما دوَّنه الدكتور هيكل في رسالته الأُولى إلى الدكتور داهش، والمؤَرًّخة بتاريخ 9 آب (أُغسطس) 1951، قولُه:

“لقد ذكَرتُ لكَ في الكتاب الذي حملَه إليكَ عنِّي أَخونا الأُستاذ حليم دمُّوس أَنَّني أَرى تجريد أَيِّ إنسانٍ من جنسيَّته وِزْرًا مُنكَرًا، وإثْمًا فاحشًا يلجأُ إليه الطُّغاة لمآربهم الاستبداديَّة. والتجريدُ من الجنسيَّة لرأيٍ يراهُ صاحبُه أَشدُّ نُكرًا وأَعظمُ وِزْرًا. فجنسيَّةُ المرء بعضُ حياته؛ فهي الصِّلةُ المقدَّسة بين المرءِ ووطنه، وهي التي تُتيحُ له أَن يتمتَّع بالحقوق التي يكفلُها له الوطن. وكلُّ عقابٍ، وإنْ عَظُم، لا يُساوي التجريد من الجنسيَّة. بل إنَّ عقوبة الإعدام، على فداحتها، لأَهونُ من التجريد خَطْبًا، لأَنَّ صاحبها يُدفَنُ في ثَرى وطنه منسوبًا إلى بني وطنه، ثمَّ يتمتَّعُ ذووه، بعد انتقاله من بينهم، بإعزاز رُفاته. فإنْ ماتَ مظلومًا لرأيٍ رآه كان متاعُهم أَوفى وأَوفر، لأَنَّ صاحبَ الرأي هو النبراسُ المُضيء الذي يُنيرُ السبيل أَمام الإنسانيَّة، حتَّى بعد ثَوائه في قبره. أَلم تذكر في رسالتكَ ما أَصابَ (سقراط)، هذا الفيلسوف الضخم والمعلِّم الأَوَّل الذي أُعدم مظلومًا فزاد الظُّلمُ ذِكرَه رِفعةً على رِفعة، على مدى الأَجيال. فهنيئًا لكَ يا أَخي ما نزلَ بكَ من ظُلم لأَنَّكَ حاولتَ أَن تُحارب التعصُّب المذموم فحاربوك، وحاولتَ أَن تَجمعَ كلمة بني الإنسان في ظلِّ الأُخوَّة بين أَهل الأَديان جميعًا فاضطهدوكَ وشرَّدوك… ومن حقِّك أَن تتمثَّل بقول السيِّد جمال الدين الأَفغاني:/ أَنا إنْ عشتُ لستُ أُعدَمُ قُوتًا/ وإذا مِتُّ لستُ أُعدَمُ قَبْرا/

  / همَّتي همَّةُ الملوكِ ونَفسي/ نفسُ حُرٍّ لا ترتضي الأَسْرَ قَسْرا./                          

           “أَبقاكَ اللَّه وقوَّاك على أَداءِ رسالةٍ أَلقى بها عليكَ القدَرُ الرحيم هُدًى لمَن يبتغون الحقّ ويسلكون طريقه.”

* كاتبٌ لبنانيّ مُقيم في كندا

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى