مقالات رأي

صناعة المقبرة لا صناعة الدولة

نبيه البرجي
كيف للبنان أن يخرج من هذا الجحيم , أي من منطق الطائفة الى منطق الدولة اذا كان التحالفات الاستراتيجية الكبرى في الشرق الأوسط , وحوله , بل في العالم , تأخذ أيضاً منحى طائفياً ؟ فاليري جيسكار ـ ديستان , بتلك الرهافة السياسية والفكرية , رفض انضمام تركيا الى الاتحاد الأوروبي باعتباره “نادياً مسيحيا” . حتى الولايات المتحدة , في رؤيتها الفلسفية للعالم , تأخذ بنظرية صمويل هانتنغتون حول “صدام الحضارات” . هنا الحضارة اليهومسيحية ضد الحضارة الكونفواسلامية !!
لا بأس أن يزال الجنوب الليناني من الوجود ليقام على أرضه “وادي السيليكون” بالأدمغة الاسرائيلية والأموال العربية والأيدي اللبنانية , وأن تتحول غزة الى مقبرة لاقامة “ريفييرا الشرق الأوسط ” . هذا هو منطق الأباطرة حين يتقاطع مع منطق الحاخامات , لنتوقف عند سؤال المؤرخة الفرنسية صوفي بيسيس “متى كانت هناك حضارة يهودية , عبر القرون , لتكون هناك حضارة يهومسيحية ؟” . الغاية توفير العباءة الايديولوجية (المسيحية) للدولة العبرية لتبقى السكين في عظامنا …
هذه حالنا في لبنان . لم نعد بلد التفاعل والانفتاح . بلد الكراهية والانغلاق . ما يحدث في التأجيج السياسي والطائفي قد يجعل ضربة عصا تتحول الى انفجار دموي . ولكن هل يمكن تصور وجود “لوبي اسرائيلي” في هذه الفسيفساء اللبنانية ؟ وكنا قد أشرنا الى بيان اللجنة الرئيسية للكنائس في فلسطين وحيث الصرخة من الأهوال التي يواجهها السيحيون على الأرض التي لا يزال يجلجل فيها وقع أقدام السيد المسيح .
ندرك أن بيننا وبين اسرائيل اختلال هائل في موازين القوى . كما ندرك أن هناك ظواهر توتاليتارية تتحكم بالأكثرية المسيحية الخائفة فعلاً على وجودها . ولكن هل يكون الحال بالرهان على اسرائيل , بعد تلك التجربة المريرة التي ربما تتجسد بعبارة يوري لوبراني “من يسند رأسه الى صدر الحلفاء في لبنان كمن يسند رأسه الى صدر الغانيات” ؟ تلك القيادات النرجسية التي أدارت ظهرها لفرنسا , كما لو أن الملك لويس التاسع (القديس) لم يصف الموارنة , وهم بناة هذا البلد وطريقه الى الحداثة , بـ “فرنسيي الشرق” .
لكنه دونالد ترامب الذي يريد للدول العربية أن تبقى الحجارة على رقعة الشطرنج . كلبنانيين في تبعثرنا , وفي سقوطنا الأبدي في الدوامة الطائفية والقبلية , راضون بذلك لتكون مهمتنا (المقدسة) ظلالاً للآخرين : صناعة المقبرة لا صناعة الدولة ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى