مقالات رأي

ماري حدَّاد… الرئبالةُ الثائرة على الظُّلم والفساد في لبنان (5)

ماجد مهدي*

… بعد سنواتٍ طويلة من المعاناة نتيجة مظالم رئيس الجمهوريَّة اللبنانيَّة، بشاره الخوري، وزُمرته الحاكمة، وبعد أَن فعلَت الكتبُ والمناشيرُ السوداء الداهشيَّة فِعلَها في نفوس اللبنانيِّين، ثار الشعبُ ثورةً عارمة على الرئيس الخوري، وأَسقطه عن سُدَّة الحُكم، وذلك في 18 أَيلول 1952. ولم يلبث أَن اجتمع مجلسُ النوَّاب اللبنانيّ، وانتخبَ كميل شمعون رئيسًا للجمهوريَّة. وبذلك تكونُ قد تحقَّقَت النبوءَة التي دوَّنها الدكتور داهش على غلاف الكتاب الأَسود “لبنان الغريق تمزِّقُه الذئابُ المُفترسة” في مصير ذلك العهد الأَسود، والتي جاءَ فيها:

“سيقولُ التاريخُ غدًا كلمته الفاصلة في هذا العهد ويضعُه على مشرحته العادلة التي لا ترحم؛ فما يزرعُه الوصوليُّون المُستثمرون إيَّاهُ يَحصدون!”

قبل ذلك بسنوات، كانت ماري حدَّاد قد صارحت اللبنانيِّين، في بيانٍ وجَّهَته إليهم، قائلةً:

“قبل أَن يعود الحقُّ إلى نصابه، لن تفترَ لنا هِمَّة، ولن نعرفَ معنًى للراحة. إنَّنا لا نُريدُ أَن نُحكم بواسطة عصابات الشوارع، ولا نرضى بنظامٍ قائمٍ على الإرهاب؛ فسلاحُنا من اللَّه، وباللَّه ينتصبُ ميزانُ العدل. أَمَّا الذين يستعملون الظُّلم والاستبداد، والذين يشاهدون الظُّلاَّم ولا يردعونهم، فعليهم جميعًا أَن يعلموا أَنَّ عين اللَّه تَحدُجهم، وأَنَّ عقابهم سيكونُ رهيبًا…”

وقد أَثبتَت الأَيَّامُ صدقَ كلِّ كلمةٍ نطقَت بها؛ كما شهدَت لها الكتبُ والوثائقُ والرسائلُ والعرائض التي خلَّفَتها للأَجيال من بَعدها، والتي تُعَدُّ بالفعل مدرسةً في الثورة على الظُّلم والفساد تتعلَّمُ منها الشعوب دروسَ الاستبسال في مواجهة الطُّغيان، وعدم الاستسلام للجَبانة المَعيبة والتخاذُل!..

في 6 شباط 1953، أَصدر رئيسُ مجلس الوزراء وزيرُ الداخليَّة الأَمير خالد شهاب مذكِّرةً قضَت بإعادة الجنسيَّة اللبنانيَّة إلى الدكتور داهش، ووالدته السيِّدة شمُوني، وشقيقته يوكابد (أَنتوانِت). وفي 10 آذار 1953، أَصدر مذكِّرةً أُخرى قضَت ببُطلان مرسوم إبعاد الدكتور داهش عن لبنان الذي يحملُ الرقم ١٨٤٢، والذي كان قد أَصدرهُ بشاره الخوري بتاريخ 8/9/1944. واستنادًا إلى هذه المُذكِّرة، أَصدر رئيسُ الجمهوريَّة كميل شمعون، بتاريخ 24/3/1953، المرسوم رقم 1453، مُلغيًا بموجبه مرسوم الإبعاد المذكور. وبذلك تكونُ قد أُلغيت جميعُ المراسيم والقرارات المُجحفة التي أَصدرها بشاره الخوري بحقِّ الدكتور داهش، وأُسدلَ الستارُ على تلك القضيَّة التي أَصبحت فصلاً من فصول الاضطهادات الكبرى في تاريخ الإنسانيَّة، وجزءًا من تاريخ لبنان، تُذكَرُ كلَّما ذُكرَ ذلك العهدُ الظلاميُّ البائد، ويُذكَرُ كلَّما ذُكرَت!

 

في عودةٍ إلى الوراء، وبالتحديد إلى شهر حزيران من عام 1942، يَظهرُ بشاره الخوري وزوجتُه لور وشقيقها ميشال شيحا وبعضُ أَقربائهم وقد حضروا لزيارة رئيس الجمهوريَّة أَلفرِد نقَّاش، في منزله، وراحوا يدسُّون الدسائس على الدكتور داهش، متوسِّلين إلى الرئيس أَن يتَّخذ قرارًا بإخراجه من البلاد. ونتيجةً لذلك، داهمَت قوَّةٌ من رجال الأَمن العامّ الفرنسيّ منزل الدكتور داهش، ففتَّشَته، ثمَّ اقتادَته إلى دائرة الأَمن العامّ وأَجرَت معه تحقيقًا. هناك، طلب إليه مديرُ الأَمن العامّ الفرنسيّ مغادرة لبنان إلى فلسطين، أَو القبول بالنَّفي إلى مُعتقل “الميَّه وميَّه” أَو “قلعة راشيَّا”. لكنَّ الدكتور داهش رفض كِلا العَرضَين، مُدافعًا عن حقوقه كمُواطن، وكاشفًا للمدير أَسماءَ المتآمرين عليه، فأُسقط في يده، وأَطلقَ سبيلَه. كما استدعاه مديرُ الشرطة العامّ عزّ الدين العُمري، بأَمرٍ من رئيس الجمهوريَّة أَلفرِد نقَّاش، وحقَّق معه أَيضًا دون أَن يجد ما يؤَاخَذُ عليه مُطلقًا.

وفي 26 شباط 1943، رفَع الدكتور داهش عريضةً إلى الرئيس نقَّاش أَبلغه فيها بأَمر تلك التحقيقات الظالمة التي أُجريت معه، وحذَّره من مغبَّة الظُّلم، والانسياق وراءَ دسائس بشاره الخوري ومَن معه. وهذه بعضُ مقتطفاتٍ من تلك العريضة:

“… يا صاحب الفخامة، لقد انقضَت العصورُ السحيقةُ المُظلمة، تلك العصورُ التي كانت تُحاكُ فيها المؤامرات وتُلفَّقُ فيها الاتِّهامات لكلِّ بريء، وتقوَّضَت محاكمُ التفتيش الرهيبة، تلك المحاكمُ المُظلمةُ الظالمة التي كانت تُحاكمُ الظَّنينَ البريء محاكمةً صُوَريَّة، ثمَّ تَحكمُ عليه حُكمًا رهيبًا صارمًا. فهل يريدُ هؤلاءِ المُفتَرون إعادة تلك العصور البائدة ونحن قد بلَغنا آخر القرن العشرين؟!… إنَّنا نعيشُ تحت ظلِّ الدستور الذي يقولُ بحرِّيَّة المعتقدات والآراء، هذا الدستور الذي يصونُ الحرِّيَّة الفرديَّة من اعتداءِ أَيِّ مُعتدٍ أَثيم…

إنَّ التاريخ يحفظُ بين طيَّاته الضخمة أَسماءَ مَن أَساؤوا إلى كبار المُصلحين، وحامِلي لواءِ الأَديان المقدَّسة السامية. وكلُّ مَن يقرأُ سيرة أُولئك الطُّغاة البُغاة، أَمثال نيرون الظالم السفَّاح وأَضرابه، يستنزلُ عليهم اللعنات الخالدة، ويستمطرُ عليهم شآبيب السماء وابلاً من الاحتقار العميق، ويودُّ أَن لا يُدنِّس شفتَيْه بذِكرهم وهم يتقلَّبون في دركاتهم السحيقة… نعم، إنَّ مَن يَظلمْ سيظلمُه اللَّه ولن يرحمَه، لأَنَّ عدالة الأَرض مفقودة، أَمَّا عدالةُ السماء فموجودة… والظُّلمُ يجولُ في هذا العالَم ساعة، أَمَّا الحقُّ فإنَّه ينتصرُ ويبقى حتَّى قيام الساعة!..”

ولقد أَثبتَت وقائعُ الأَحداث أَنَّ كلَّ ما ذكره الدكتور داهش في عريضته تلك قد تحقَّق بحذافيره، لكنْ بعد نضالٍ طويل، واستبسالٍ في الدفاع عن الحقّ، وتضحياتٍ عظيمة بُذلَت على مذبح الحرِّيَّة والعدالة.

اليوم، وبعد انقضاء ثمانيةٍ وستِّين عامًا على آخر فصلٍ من فصول تلك القضيَّة، رأَيتُ أَن أَنشر في هذا السياق، للذكرى والعِبرة، كلماتٍ مختارةً رائعة جاد بها قلمُ ماري حدَّاد خلال سنوات الاضطهاد وما بعدها. ففي 11 حزيران 1947، وخلال دفاعٍ رائعٍ قدَّمَته أَمام محكمة بداية الجزاء في بيروت، تتوجَّه إلى رئيس المحكمة بالقول:

“حضرة رئيس المحكمة، أَطلبُ تبرئتي. والتبرئةُ بحدِّ ذاتها لا أَكترثُ بها، لكنَّه واجبُ عليَّ أَن أُطالبَ بها انتصارًا لمبدإ الحقّ. وإذا لم تُبرَّأْ ساحتي في هذا النهار، فعاجلاً أَم آجلاً ستتفتَّحُ عيناك، وستُبرِّئُني باسم العدالة حتَّى لو اضطُررتَ إلى قراءَة حُكمكَ على قبري!… إنَّني دافعتُ عن العدالة بدمي، لكنِّي دافعتُ عنها بشرف. فلا تُلصقوا بي تُهمًا أَنتم تَعرفونَ جيِّدًا أَنَّها بعيدةٌ عنِّي.”

وفي عريضةٍ بعثَت بها إلى رئيس الجمهوريَّة كميل شمعون، بتاريخ 30 تشرين الأَوَّل 1953، ونشرَتْها مجلَّة “العالَم العربيّ” المصريَّة في عددَيها الصادرين في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) 1953، قالت ماري حدَّاد في ما قالَته:

“… والآن آملُ أَن يُصغي فخامةُ الرئيس لهذه الحادثة التاريخيَّة التي يَعرفُها ولا ريب؛ وها هي:

“عندما أُدخلَت السيِّدة زينب بنت الإمام عليّ بن أَبي طالب أَمام ابن زياد، وكان أَمامه رأسُ أَخيها الحُسين الذي قُتلَ في معركة كربلاء المشهورة، بادرها قائلاً: “الحمدُ للَّه الذي فضحَكم وقتلَكم وأَبطلَ أُحدوثتكم.”  فلم تُمهلْ زينب ابن زياد، بل ثارت صائحةً به قائلة: “الحمدُ للَّه الذي أَكرمَنا بنبيِّه، وطهَّرَنا من الرجْس تطهيرًا. إنَّما يُفضَحُ الفاسقُ الغادر، ويُكذَّبُ اللئيمُ الفاجر الذي هو أَنت.” ولو أَحبَّ ابنُ زياد لَبطش بها، أَو لأَمرَ فسُجنَت وهو صاحبُ الدولة والصَّولجان، والقُدرة والسُّلطان. ولكنَّه رغمًا عن سوءِ أَخلاقه وانعدام أَدبه، أَبَت نفسُه عليه أَن يعتدي على امرأَةٍ ضعيفة، وهو صاحبُ الحَوْل والطَّوْل، فأَمر بإطلاق سراحها.

    “جئتُ بهذه الحادثة التاريخيَّة لأُقارنَ بين ما صنعَه ابنُ زياد بمَن يعتبرها عدوَّةً له، وهي غريبةٌ عنه لا تربطُها به أَيَّةُ رابطة، وما فعلَه معي بشاره الخوري، وهو زوجُ شقيقتي. وسوف تُدهشُ فخامتُكم إذا أَعلمتُكم بأَنَّ بشاره المذكور أَمرَ فأُوقفتُ في النظارة شهرًا كاملاً كنتُ أَنامُ في خلاله على طاولةٍ خشبيَّة، وبرفقتي عشراتٌ من الحرَّاس والموظَّفين، فضلاً عن الرجال الموقوفين، وذلك تشفِّيًا وانتقامًا منِّي، لأَنَّني فضحتُ بكتبي السوداء جريمتهم النكراء ضدَّ الدكتور داهش البريء. إنَّني من صُلبهم، وذاتُ صلة رحِمٍ بهم، ومع ذلك عاملوني هذه المعاملة الدنيئة التي لا تُشرِّفُهم، والتي سيُسجِّلُها التاريخُ لعنةً مُقوِّضةً مُزلزِلة يقرأُها الجميع، فيَلعنونَ حتَّى ذِكر أَسمائهم البغيضة عند اللَّه ربِّ العالَمين، والناسِ أَجمعين. فكيف إذًا كانت معاملتُهم للشعب اللبنانيّ الذي نُكب بحُكمهم الجائر وعهدهم البائد؟ إنَّ الجميع، يا فخامة الرئيس، يعلمون بأَنَّ الأَيَّام التي تولَّى فيها بشاره الخوري الحُكم كانت أَيَّامًا حالكة السواد، فاحمة الجلباب. وكانت النتيجة الحتميَّة لارتكاباتهم الأَثيمة المُتواصلة تسع سنواتٍ طويلة أَن ثار الشعبُ عليهم تلك الثورة العادلة، فأَبطل حُكمهم حتَّى يومَ يُبعثون!…”

ومن قلب “سجن النساء” الذي أُلقيَت فيه عام 1948، رفعَت ماري حدَّاد قطعةً وجدانيَّة إلى الدكتور داهش، حملَت خُلاصة نظرتها إليه، وبعض ذكرياتها الجميلة معه، مُخاطبةً إيَّاه بالقول:

“… لقد كنتَ غريبًا عن كافَّة البشر: غريبًا بأَفكاركَ وأَهدافك، غريبًا بمراميكَ وطموحكَ النبيل، غريبًا بروحكَ العُلويَّة التي لا صلةَ تصلُها بهذه الأَرض الفاسدة. إنَّني أَعودُ بالذاكرة إلى تلك الأَيَّام الهانئة عندما كنتَ مُكبًّا على الكتابة وقلمُكَ يخترقُ الصفحات كسهمٍ من النار والنُّور بسرعة البرق الخاطف، وكانت المؤلَّفاتُ تتلُو المؤَلَّفات، وتتكدَّسُ أَكداسًا، وهي تطرقُ جميع المواضيع وكافَّة العلوم. فشكرًا لك على هذا الميراث الأَدبيّ الذي تركتَهُ للعالَم، والذي سيُصبحُ في يومٍ قريب مصدرًا إلهيًّا للمعرفة، وينبوعًا صافيًا للمحبَّة السامية… أَمَّا بلادُك، فقد عذَّبَتْكَ واضطهدَتْكَ ونفَتْك، ولا شيءَ في الدُّنيا يستطيعُ أَن يُعزِّي قلوبنا عمَّا لحقَ بكَ من آلامٍ وأَشجان. ولكنَّكَ كنتَ عالمًا بها، مُتوقِّعًا إيَّاها، فتقبَّلتَها بصدرٍ رَحْب، وكان دمُكَ الثمين ثمنًا لفدائنا!..”

بعد أَن سقط بشاره الخوري، وزال كابوس الاضطهاد، انصرفَت ماري حدَّاد إلى ترجمة مؤلَّفات الدكتور داهش الأَدبيَّة إلى اللغة الفرنسيَّة. وقد ذكرَت ابنتُها زينا بأَنَّ والدتها لم تغادر منزلها العائليّ طيلة عشر سنوات كانت مُنكبَّةً في خلالها، وبشكلٍ خاصّ، على أَعمال الترجمة تلك، بفرحٍ غامرٍ وعنايةٍ فائقة، بالإضافة إلى بعض أَعمال الكتابة والرسم… (للمقالة تتمَّة)

    * كاتبٌ لبنانيّ مُقيم في كندا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى