«اللغم الإسرائيلي»: عقدة «المناطق التجريبية» هل تفجر «اتفاق 26 حزيران الإطاري»؟

حسن حردان
يواجه الاتفاق الإطاري الموقّع في السادس والعشرين من حزيران الماضي لحظة الحقيقة الميدانية، حيث اصطدم التتفيذ بجغرافيا الأرض المعقدة في جنوب لبنان. ولم يكن مفاجئاً للمراقبين أن يتحوّل بند “المناطق التجريبية”، الذي صِيغ برعاية أميركية، إلى عقدة بنيوية تُهدّد بفرملة المسار بأكمله، بل وتكشف بوضوح عن سعي تل أبيب لتمرير فخ سياسي وعسكري متعدد الأبعاد عبر بوابة هذا النص الفضفاض.
العقدة الجغرافية: صراع في صلب التفسير
تتمحور العقدة الراهنة حول سؤال جوهري: من أين تبدأ التجربة، وما هي طبيعة الأرض المستهدفة؟
الجانب اللبناني، يرى أنّ أيّ منطقة تجريبية يجب أن تكون أراضي محتلة بالفعل في جنوب نهر الليطاني؛ بحيث يتزامن دخول الجيش اللبناني إليها مع انسحاب عسكري إسرائيلي موازٍ وفعلي، تكريساً لمبدأ استعادة الأرض خطوة بخطوة.
في المقابل، تدفع القراءة “الإسرائيلية” ـ المدعومة بتقارير القيادة الشمالية في جيش الاحتلال والصحف العبرية مثل “هآرتس” ـ باتجاه اختيار بلدات مثل “فرون” و”الغندورية” أو أطراف “زوطر الغربية”، وهي مناطق إما خارج نطاق سيطرة قوات الاحتلال “الإسرائيلية” الدائمة أو تقع شمال نهر الليطاني. تطالب “إسرائيل” بأن يدخل الجيش اللبناني إلى هذه المناطق “المستقرة لبنانيّاً” ليبدأ عمليات تفتيش، وتفكيك للبنية التحتية، ونزع لسلاح المقاومة، دون أن تقدّم تل أبيب في المقابل أيّ انسحاب من المناطق التي احتلتها، متمسكةً بالبقاء في المواقع الاستراتيجية الحاكمة التي احتلتها.
الأهداف “الإسرائيلية” من إدراج العقدة في النص؟
لم يكن إدراج بند “المناطق التجريبية” بهذه الصيغة الفضفاضة مجرد هفوة صياغة، بل عكس رغبة “إسرائيلية” واضحة لتحقيق ثلاثة أهداف إستراتيجية:
الهدف الأول، تصدير المواجهة وتفجير الجبهة الداخلية: تسعى حكومة العدو برئاسة بنيامين نتنياهو إلى تحويل الجيش اللبناني من قوة دفاعية وطنية تملأ الفراغ بعد الانسحاب، إلى “قوة تفتيش وأمن” تعمل بالوكالة لحماية أمن الاحتلال. الهدف المبيّت هنا هو دفع المؤسسة العسكرية اللبنانية إلى صدام مباشر ومسلح مع بيئة وعناصر المقاومة في مناطق غير محتلة، مما ينقل المعركة من صراع مع الاحتلال إلى اقتتال داخلي لبناني.
الهدف الثاني، الهروب من الانسحاب: يواجه نتنياهو ضغوطاً سياسية هائلة من اليمين المتطرف الحاكم الذي يرفض تقديم أيّ “هدايا مجانية” للبنان. لذا، فإنّ الإصرار على اختبار الجيش اللبناني في مناطق غير خاضعة للاحتلال يتيح للحكومة الإسرائيلية المماطلة، والاحتفاظ بـ “المنطقة العازلة” التي توغلت فيها، والادّعاء أمام جمهورها بأنها لم تتراجع ومتمسكة بالبقاء في جنوب لبنان.
الهدف الثالث، شرعنة “الفيتو” والاحتلال المستدام: يمنح الاتفاق المشروط “إسرائيل” حق “الفيتو” لتعليق أيّ انسحابات تالية، التي سُمّيت إعادة انتشار، إذا اعتبرت أنّ الجيش اللبناني “فشل” في اختباره الأول. وبتصميم اختبار تعجيزي في مناطق غير محتلة، تضمن “إسرائيل” الحصول على ذريعة جاهزة لإبقاء قواتها المحتلة في الجنوب لفترات طويلة تحت مسمّى “عدم جهوزية الطرف الآخر”.
الآفاق: تسوية هجينة أم موت سريري؟
أمام هذا التصلب، يبدو أنّ الاتفاق الإطاري يتأرجح بين مسارين: إما الرضوخ لضغوط الوفد العسكري الأميركي الذي يحاول صياغة “حلّ هجين” يدمج بين انسحاب “إسرائيلي” محدود وتعهّد أمني لبناني فوري في أول منطقة تجريبية لإنقاذ ماء وجه الطرفين، وإما الدخول في مرحلة “الموت السريري” للاتفاق.
إن رفض قيادة الجيش تحويل الجيش إلى حارس لأمن الاحتلال يعكس وعياً عميقاً بأبعاد الفخ الإسرائيلي. وبدون معالجة هذا الخلل البنيوي، وفصل مسار الترتيبات الأمنية عن مناورات الابتزاز والفخ الإسرائيلي، فإنّ “المناطق التجريبية” لن تكون جسراً للانسحاب الاسرائيلي من لبنان، بل فتيل عبوة ناسفة قد تعيد تفجير الميدان برُمته عند أول احتكاك.. ليتبيّن مدى الخطأ الذي ارتكبته الحكومة بقبولها توقيع مثل هذا الاتفاق الملغوم، الذي يوفر لـ “إسرائيل” المبررات لاستمرار احتلالها، بدلاً من التمسك بالمطالبة بتطبيق اتفاق 27 تشرين الثاني لعام 2024، الذي يلزم كيان العدو بالانسحاب من لبنان وانتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني في غضون ستين يوماً.

