مقالات رأي

رقصة الفالس على أرصفة جهنم

نبيه البرجي
لنعد الى المقاربة الفلسفية للرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران , في الثمانينات من القرن المنصرم , “لعل المشكلة الأبدية في الشرق الأوسط هي في التداخل الجدلي (Dialectique ) بين الايديولوجي والاستراتيجي” . في رأيه أن الولايات المتحدة نفسها تتعامل مع المنطقة ايدولوجياً وليس فقط استراتيجياً , ما أكده , في العقد التالي , صمويل هانتغتون , في نظريته “صدام الحضارات” وحيث المواجهة بين الحضارة اليهومسيحية والحضارة الكونفواسلامية .
وكان ميتران قد دعا الى عقد مؤتمر دولي حول الشرق الأوسط في مدينة البندقية الايطالية , ليفاجأ في اليوم التالي بمقال لتوماس فريدمان في “النيويورك تايمز” بعنوان “Death in Venice ” , مستعيراً عنوان الرواية الشهيرة للألماني توماس مان “موت في البندقية” . آنذاك فهم ميتران أن الولايات المتحدة تريد التفرد بامتلاك مفاتيح الشرق الأوسط , ومفاتيح أزمة الشرق الأوسط . ألا تظهر الأحداث الراهنة أننا لا نزال ندور في الدوامة اياها ودون أي أفق , بعدما بات واضحاً ألاّ مصلحة لأميركا (ولا لاسرائيل) وقف تلك الصراعات العبثية بالهاجس الأمبراطوري أو بالهاجس القبلي بين بلدان الاقليم , لنتوقف عند رأي الأميركي روبرت كيغان , وهو أحد منظّري “المحافظون الجدد” , “من يريد أن يتولى ادارة الشرق الأوسط , عليه أن يتمتع بالخبرة في ادارة الجحيم” . كلنا الآن وسط الجحيم !
مفاوضات متشابكة هنا وهناك وتزيد في سريالية (وفي فوضوية) المشهد , لتوحي بأن المحطة الديبلوماسية هي المدخل الى احداث تغيير في صيغة , وفي طبيعة , الصراعات , اذ لمصلحة من أن تنتقل المنطقة من حالة الخواء , وحيث الأبواب مشرعة أمام كل الاحتمالات , نحو التعاون الاوركسترالي , ومحاولة الولوج الى القرن ؟ بطبيعة الحال لا لمصلحة واشنطن ولا لمصلحة اسرائيل وحيث الرؤيا التوراتية تقود ذلك النوع من الذئاب …
حتى أن “مذكرة التفاهم” بين واشنطن وطهران , وقد بدت كنقطة انطلاق للخروج مما دعاه البريطاني ديفيد هيرست بـ”ليل الحرائق” , وهو في الواقع “ليل الكوارث” , تترجم الآن على الأرض بالنيران , ربما بانتظار انتخابات الكنيست في اسرائيل وانتخابات الكونغرس في أميركا , صحيفة “الفيغارو” الفرنسية تحدثت عن “رقصة الفالس على أرصفة جهنم” …
أيام أخرى وسط هذا الظلام , ودون أن يدري أحد ما اذا كنا نتجه الى الانفجار الكبير أم الى الصفقة الكبرى : ضياع…!!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى