مقالات رأي

صفحاتٌ لا تُنسى من دفاتر ذكرياتي مع الدكتور داهش…

*ماجد مهدي

تعودُ معرفتي الشخصيَّة بالدكتور داهش إلى العام 1965، وكان لي من العمر ستَّة عشر عامًا. كنتُ، آنذاك، طالبًا على مقاعد الدراسة الثانويَّة في مدينة زحلة، وكان الدكتور داهش حديث الأَساتذة والطلاَّب في المدرسة، يتناقلون أَخبار خوارقه وأَدبه وفكره والاضطهاد الظالم الذي تعرَّض له من قِبَل رئيس الجمهوريَّة اللبنانيَّة، بشاره الخوري، وحكومته ما بين عامَيْ 1943 و1952. وقد تزامنَ ذلك الاهتمام به مع إقبال الصِّحافة اللبنانيَّة والعربيَّة على دارته في بيروت لإجراءِ المقابلات الصُّحفيَّة معه، ومُشاهدة الخوارق والمعجزات التي كانت تحدث على يديه، وكتابة التحقيقات حوله، تقصِّيًا للحقائق الفكريَّة السامية التي كان ينادي بها، والتي أَسدَلَ عليها ذلك الاضطهاد أَسجافًا غليظة ردْحًا من الزمن.

ومن جميل ما قرأْتُه عنه في الصِّحافة اللبنانيَّة في تلك الحقبة مُقابلاتٍ ثلاث أُجريَت معه، نُشرت أُولاها بالعربيَّة في مجلَّة “الأُسبوع العربيّ”، وبالفرنسيَّة في مجلَّة “ماجازين” Magazine، والثانية في مُلحق جريدة “النَّهار” الأُسبوعيّ، والثالثة في جريدة “الجريدة”. وقد اتَّسمَت جميعُها بالموضوعيَّة والحوار الصريح مع الدكتور داهش، وأُرفقَت بالصور التي التقطَتها عدساتُ المصوِّرين الصحفيِّين، له وللمعجزات التي كانت تحدُث على يديه، فطَوت بذلك عهدَ الحملات الإعلاميَّة الظالمة التي مُورسَتْ ضدَّه خلال سنوات الاضطهاد، والتي لم يكن فيها ما يُقاربُ الحقيقة أَو يُخاطبُ العقل. والحقُّ الذي يجب أَن يُقال هو أَنَّ تلك المقابلات الثلاث قد منحَتْني إلمامةً مُختصرة بحياة الدكتور داهش وكلِّ ما له صلةٌ به، على حقيقته، وجنَّبَتني الانسياق خلف الشائعات الكاذبة التي بثَّها أَعداؤه عنه، طيلة ثماني سنوات من عمر ذلك العهد الظلاميّ، بهدف تشويه سمعته أَمام الرأي العامّ اللبنانيّ، ومَنْع انتشار فكره. كما إنَّها شجَّعَتْني على القيام بزيارته للتعرُّف إليه عن قُرب، ومعاينة أَعماله الخارقة، والتحقُّق من صحَّة مبادئه وأَهدافه.

أَمَّا الصحفيُّون الثلاثة الذين أَجروا تلك المقابلات، وهم الأَساتذة داود أ. الصائغ، وحافظ إبراهيم خير اللَّه، ورؤوف شحوري، يُضافُ إليهم الصِّحافيّ جان جبران الذي قام بترجمة المقابلة الأُولى من العربيَّة إلى الفرنسيَّة بلغته الجميلة، وبأَمانةٍ يُشهَد له بها، فقد أَثبتوا بأَنَّهم كانوا خير مثالٍ عن تلك القلَّة القليلة من رجال الصِّحافة اللبنانيَّة الحرَّة الذين يتعالَون فوق التعصُّب المَقيت، والمظالم الخرقاء، والشائعات الكاذبة، ويُنزِّهون أَقلامهم عن كلِّ ما يُجافي الحقيقة والعدالة. ولذلك، حُفرَت أَسماؤهم وصُورُهم ومقابلاتُهم في ذاكرتي، منذ ذلك الزمن البعيد، مُرفَقةً بالتقدير العظيم، وبقيَت أَعدادُ المجلَّتَين والجريدتَين القيِّمة التي ضمَّتها محفوظةً في صدر مكتبتي حتَّى اليوم!

هذا الجوُّ الإعلاميُّ العابقُ بالصدق دفعني للقيام بزيارة الدكتور داهش في منزله القائم في منطقة “زقاق البلاط” من بيروت، من أَجل التعرُّف إليه، والتحقُّق من كلِّ ما سمعتُه وقرأتُه عنه. وقد شعرتُ، وأَنا في بداية اللقاء، بأَنَّني في حضرة رجلٍ مُحبٍّ، مُتواضعٍ، وذو كياسة، لا تغيبُ الابتسامةُ عن شفتَيه، ويُصغي إلى زائريه أَكثر ممَّا يتحدَّثُ إليهم، ويُعطيهم أَفضليَّة البدءِ بالكلام قبلَه، ولا يتورَّعُ عن الإجابة على أَسئلتهم، والاستجابة لطلباتهم، بكلِّ احترام. وقد قام أَمامي، بناءً على رغبةٍ أَبدَيتُها له، ببعض الأَعمال الخارقة التي كان يجترحُها. فأَدركتُ للتوّ، وبما لا يُتيحُ مجالاً للشكّ، بأَنَّها معجزاتٌ حقيقيَّة تخرقُ النواميس الطبيعيَّة الموضوعة منذ الأَزل، وأَنَّها تتمُّ بإذن اللَّه ومشيئته، وبفضل قوَّةٍ جبَّارةٍ منه لا تخضعُ لمشيئة البشر، على الإطلاق. ولدى سؤالي إيَّاه عن الغاية من حدوثها، أَجابني بكلِّ بساطة إنَّها تهدفُ إلى إثبات حقيقة وجود اللَّه، ووجود الروح وخلودها والعالَم الثاني والعدالة الإلهيَّة، وحقيقة وحدة الأَديان السماويَّة المُنزلة في جوهر تعاليمها، في هذا العصر المُغرق في المادِّيَّة والإلحاد والفساد! وقد أُعجبتُ جدًّا بما رأَيتُه على يديه، وبما سمعتُه من فمه، وأَحبَبتُه مُذذاك الحُبَّ كلَّه!

وقد تكرَّرَت لقاءَاتي به، فزادَتْني معرفةً بحياته وأَهدافه، وجعلَتْني أَستغرقُ في أَدبه وفلسفته، وأُواكب الجهود التي كان يبذلُها في سبيل جَمْع أَكبر قَدْرٍ من كنُوز الأَدب والفكر والفنِّ الجميل من مختلف أَنحاءِ العالم. وقد أَربَت مؤلَّفاتُه الأَدبيَّة على مئةٍ وخمسين كتابًا تناول فيها مختلف شؤون الحياة وشجونها، وعبَّر من خلالها عن فكره الفلسفيّ بشكلٍ أَدبيٍّ عفويٍّ رائع جعل منها إحدى أَبرز قمم الأَدب الفلسفيّ في العصر الحديث. وتهدفُ فلسفتُه إلى تحقيقِ ارتقاءِ الإنسان، وبناءِ عالَمٍ واحدٍ يقومُ على أُسسٍ من العدالة والمحبَّة والتآخي والسلام. واتَّسم أَدبُه بنزعةٍ إنسانيَّةٍ إصلاحيَّةٍ تهدفُ إلى تحرير الإنسان من عبوديَّة المادَّة، ومن رِبْقَة الحياة المليئة بالشُّرور، وتُعيدُ إلى الأَذهان حقيقة وحدة الأُسرة البشريَّة، وتُناهضُ كلِّ أَشكال التعصُّب والحروب والمظالم.

وكان الدكتور داهش يتمتَّعُ بقلمٍ سيَّال يندفعُ بسرعةٍ للكتابة كلَّما فاضَتْ مشاعرُ صاحبه، وبيَدٍ لا تَتعبُ من حَمْلِ القلم، وإنْ تَعِبَ القلم. كما تميَّز بغزارةٍ في التأليف الأَدبيّ، وبسُرعةٍ في الكتابة، وتنوُّعٍ في الموضوعات والأَساليب، وجماليَّةٍ طاغية في سائر مؤلَّفاته. وكان يُضفي على كتُبه مَسحةً فنِّـيَّةً خاصَّة من خلال تزيينها باللوحات الفنِّيَّة التي تتوافقُ مع موضوعاتها، وذلك بهدف التعبير بالرسوم والأَلوان الحالمة عن مضامين قصائده وقصصه وأَساطيره وقطعه الوجدانيَّة، وسواها من كتاباته. وكثيرًا ما كان يُراسلُ مشاهيرَ الفنَّانين في العالَم، وينفحُهم بأَفكارٍ وموضوعاتٍ من بَناتِ خياله، فيرسموها له لوحاتٍ فنِّيَّة تتماهى مع تلك الكتابات، فيُدرجُها إلى جانبها في كتبه.

ومنذ لقائي الأَوَّل به، تبيَّن لي حُبُّه لمطالعة جميع أَنواع الكتب، ومُواظبتُه على قراءَة أَهمِّ الصُّحف والمجلاَّت اللبنانيَّة والعربيَّة، بشكلٍ يوميّ، حتَّى أَصبحَت لديه مكتبةٌ ضخمة تضمُّ آلاف الكتب، باللغات العربيَّة والأَجنبيَّة، ومجموعاتٍ صُحفيَّةً وفنِّيَّةً وتاريخيَّةً ووثائقيَّةً هامَّة. وهي تُعتبرُ من كُبريات المكتبات الخاصَّة الغنيَّة بكنوز الأَدب والفكر والفنّ في الشرق العربيّ. وكان على عشقٍ كبير للفنون الجميلة، يُضحِّي بوقته وماله وصحَّته من أَجل امتلاك أَكبر قَدْرٍ من قطع الفنِّ الجميل حتَّى باتت لديه مجموعةٌ فنِّيَّةٌ مُتحفيَّةٌ ضخمة. وقد عملَ على شَحنها إلى الولايات المُتَّحدة الأَمريكيَّة في بداية الحرب الأَهليَّة اللبنانيَّة التي اندلعَت عام 1975. وبعد عشرين عامًا، تكلَّلَت نشاطاتُه وجُهودُه الفنِّيَّة بإنشاءِ مُتحفٍ فنِّيٍّ في ضاحية “مانهاتن” بنيويورك أُطلقَ عليه اسم “مُتحف داهش للفنّ” Dahesh Museum of Art. ويُعنى هذا المُتحف بالفنِّ الأَكاديميّ، ويضمُّ 2500 لوحةً زيتيَّةً رائعة، ومئاتٍ من مختلف أَنواع التماثيل الفنِّيَّة الثمينة، الرخاميَّة والبرونزيَّة والخشبيَّة والعاجيَّة، والمُنمنَمات، والمخطوطات، يعودُ بعضُها إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وبعضُها الآخر إلى القرن العشرين؛ وهو يُعدُّ من المراكز الثقافيَّة الهامَّة في مدينة نيويورك. وقد حقَّق لنفسه مكانةً مرموقة بين المتاحف العالميَّة التي باتت تُشاركه العُروض الفنِّيَّة التي يُقيمُها في مقرِّه بنيويورك بقطعٍ من الفنِّ الجميل العائدة إليها، والعكس بالعكس، فتُغني تلك العروضُ المشتركة الثقافة الفنِّيَّة العالميَّة، وتزيدُها إشراقًا، وتُسهمُ في التقريب بين الشرق والغرب، وبين الثقافات والشعوب المختلفة.

والجدير بالذكر أَنَّ الدكتور داهش لم يكن مِمَّن يسعَونَ وراءَ الفنّ من أَجل المُفاخرة به، أَو ابتغاءَ الكسب المادِّيّ. فقد كانت أَمجادُ الحياة باطلةً في عينيه، والتباهي بكنوز الفنِّ أَو سواه لم يكن يَعرفُ سبيلاً إليه. أَمَّا المال، فقد كان مُحتقَرًا ومذمومًا في نظره؛ وكان يرى فيه قُشاشةً زائلةً إذا ما قيسَ بكنوز الفنِّ الخالد خلُودَ الجمال الإلهيّ. وكان منزلُه يغصُّ بالكُتُب القيِّمة، على اختلاف أَنواعها. وكانت اللوحاتُ الفنِّيَّة المُبدِعة مُعلَّقةً على جدران غرف المنزل، وقطعُ الفنِّ الأُخرى موزَّعةً في الرَّدهات، بشكلٍ أَنيق. وكان يُخيَّلُ إلى زوَّار ذلك المنزل أَنَّهم أَمام واحدٍ من صالونات الفنِّ الأَكاديميّ المعروفة في القرن التاسع عشر، نظراً للتشابُه الكبير بينه وبينها. وكثيراً ما كان يتحوَّلُ إلى صالونٍ أَدبيّ عندما يكونُ الحاضرون فيه من رجالات العلم والفكر والأَدب والفنِّ والسياسة والصِّحافة والدين، في لبنان وخارجه، فيتناقشون مع الدكتور داهش في الموضوعات الأَدبيَّة والفكريَّة والروحيَّة والعلميَّة والفنِّيَّة المختلفة. لقد كان ذلك المنزلُ بالفعل مبعثَ إشعاعٍ وهداية تآلفت في ظلاله الحقائقُ الروحيَّةُ المُنزَّهة عن الغايات مع الحقائق العلميَّة الثابتة، ومع الفلسفة والأَدب والفنّ، وتكاتفت جميعُها من أَجل تحقيق الإصلاح البشريّ المنشود. والمُلفت في الأَمر أَنَّ دعوة الدكتور داهش للإيمان باللَّه، وبالروح وخُلودها وقيَمها ونُظُمها، لم تُشكِّل عائقًا يمنعُهُ من الاهتمام بالعِلم، وتقدير إنجازاته العظيمة، وتمجيد العُلماء وفُذوذيَّتهم ومساعيهم من أَجل خير الإنسانيَّة. ففي رأيه أَنْ لا تعارُض بين الدِّين والعِلم، وأَنَّ كلَّ ما كشَفَ عنه العلمُ من أَسرارٍ في الطبيعة والحياة، ومن نُظُمٍ في الكون، هو مدعاةٌ للإيمان بعظمة اللَّه وروعةِ ما أَبدعَه.

صورة المقابلة الصحفيَّة التي أَجراها الأُستاذ رؤوف شحوري مع الدكتور داهش

وقد نشرَتْها جريدة “الجريدة” في العدد ٤٠٠٠ الصادر في ١٩/١٢/١٩٦٥

وإلى ختامٍ أَقول إنَّ لقاءَاتي بالدكتور داهش قد تكرَّرت كثيرًا مع الزمن، ولم تتوقَّف إلاَّ بعد ارتحاله عن الدنيا. كلُّ لقاءٍ جمَعني به كان، بالنسبة إليّ، تاريخًا مُشرقًا لا يغيبُ عن الذاكرة! كنتُ أَشعرُ بحبٍّ جارف ووفاءٍ عظيم لذلك الجبَّار المتواضع، الهازئ بالأَمجاد الدنيويَّة، وعدوِّ المظاهر المزيَّفة في كلِّ دين، والثائرِ على الشرائع البشريَّة البالية، وعلى مُشعلي الحروبِ الطائفيَّة والمذهبيَّة والعرقيَّة البغيضة، وتلك الناجمة عن الأَطماع وحبِّ السيطرة، والتي تحصدُ البشر دونَ وازعٍ من ضميرٍ أَو وجدان. وكنتُ أُحسُّ، وأَنا معه، بأَنَّني أُجالسُ شمسًا من شُموس الروح والأَدب والفكر والفنّ الجميل. ولقد حُفرَت تلك اللقاءَاتُ في خاطري، وأَصبحَتْ، في نظري، أَجمل وأَغلى ذكرياتي في الحياة، على الإطلاق!

*كاتب لبناني مقيم في كندا

مشهد لإحدى قاعات العرض في متحف داهش للفنّ في نيويورك

لوحة “تقدُّم الربيع” في “مُتحف داهش للفنّ” في نيويورك

الدكتور داهش في صالون منزله الذي كان يغصُّ باللوحات الفنِّيَّة

(بيروت ١٩٦٥)

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى