مقالات رأي

أزمة مضيق هرمز على مفترق طرق… حسابات البيت الأبيض بين ضغوط الميدان واستحقاقات الداخل

 

حسن حردان

تشهد أزمة مضيق هرمز منعطفاً حاسماً في ظلّ حراك دبلوماسي مكثف تقوده سلطنة عُمان للوصول إلى تسوية مؤقتة تعيد فتح الممر المائي الحساس. يأتي هذا الحراك على وقع تقاطعات معقدة تجمع بين إصرار طهران على فرض شروطها السياسية والاقتصادية، وبين ضغوط داخلية وخارجية قاسية تواجه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أبرزها تحذيرات المؤسسة العسكرية وتراجع الشعبية مع اقتراب الانتخابات النصفية.

أولاً: العوامل الضاغطة على الإدارة الأميركية
العامل الأول: مأزق البنتاغون ونصائح المؤسسة العسكرية: أظهرت التقارير الأخيرة (والمتعلقة بتحركات رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين) أنّ المؤسسة العسكرية الأميركية تضغط باتجاه إيجاد مخرج من الحرب المستمرة. فالجنرال كين يحذر بوضوح من أنّ الاعتماد على الضربات الجوية وحدها لن يحقق أهداف حاسمة، فضلاً عن المخاوف الجدية من استنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية والذخائر الاستراتيجية. هذا الضغط العسكري لا يعني الاستسلام، بل يفرض على البيت الأبيض واقعاً عملياً يرفض الانزلاق نحو حرب استنزاف برية أو بحرية مفتوحة.
العامل الثاني: هاجس الانتخابات وتراجع الشعبية: تنعكس أزمة إغلاق المضيق بشكل مباشر وجذري على الاقتصاد الأميركي عبر قفزات أسعار الوقود، مما يشكل التهديد الأكبر لشعبية ترامب وحظوظ الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية المقبلة. هذا المأزق الانتخابي يضع ترامب أمام حتمية العثور على حلّ سريع يضمن انسياب النفط وتراجع الأسعار، وهو ما يفسّر تفاؤله العلني المتكرر بقرب التوصل إلى اتفاق، حتى وإنْ تطلب الأمر تنازلات تكتيكات دبلوماسية مرنة.
العامل الثالث: المناورة الإيرانية وحافة الهاوية: في المقابل، تحاول طهران استغلال هذه التوازنات، ومأزق ترامب عبر رفع سقف مطالبها وربط فتح المضيق بشروط استراتيجية كبرى (كوقف العمليات، رفع العقوبات، والتعويضات)، مستفيدة من حاجة واشنطن الملحة لتهدئة الأسواق قبل الاستحقاقات الانتخابية.

ثانياً: الخلاصات الأساسية
الخلاصة الأولى: سقوط خيار الحسم العسكري الشامل: بات مؤكداً أنّ الإدارة الأميركية غير قادرة على سلوك خيار اجتياح عسكري بري أو توسيع الحرب دون تكاليف كارثية استراتيجياً واقتصادياً، مما جعل الدبلوماسية (عبر الوساطة العُمانية) الخيار الأوحد المتبقي والأقلّ كلفة.
الخلاصة الثانية: استراتيجية “فصل الملفات”: تسعى واشنطن لفصل أزمة “فتح المضيق وخطوط الملاحة” عن الملفات الإيرانية المعقدة الأخرى (كالبرنامج النووي والعقوبات الشاملة)، بينما تتمسك طهران بالدمج لجني مكاسب سياسية كبرى.
الخلاصة الثالثة: على الرغم من الضغوط، فإنّ ترامب يعارض وفريقه فرض رسوم أو سيادة إيرانية رسمية في هرمز، لأنّ ذلك سيمثل هزيمة سياسية مدوية للإدارة محلياً.. لكن من الممكن أن يقبلوا بصيغة حلّ وسط ترضي إيران ولا تظهر واشنطن وكأنها استسلمت.. وهو ما فسرته “نيويورك تايمز” أنه يعني “تراجعاً تكتيكياً قسرياً”.

ثالثاً: الاحتمالات المتوقعة للمشهد
1 ـ السيناريو الأرجح: “اتفاق مؤقت” (التسوية الوسطى)
التوصل إلى تفاهم برعاية عُمانية يمتدّ لشهرين أو لفترة انتقالية، يقضي بتنظيم مسارات محددة للدخول والخروج عبر المياه الإقليمية العمانية والإيرانية.. لكن مع التسليم بإدارة إيرانية عُمانية على حركة الملاحة في المضيق، واحتمال الحصول على بدل تأمين خدمات أمنية وإرشادية وحماية للبيئة إلخ…
مآلات هذا السيناريو: يحقق لترامب هدف فتح المضيق وخفض أسعار النفط قبيل الانتخابات، فيما تفرض إيران على واشنطن “التفاوض الندي” مع إجبارها على العودة الى الالتزام بمذكرة التفاهم التي حاولت الانقلاب عليها، وتنفيذ التزاماتها التي تتص عليها، مع ترحيل الملفات الشائكة إلى جولات تفاوض لاحقة.
2 ـ سيناريو المماطلة وتجدّد المناوشات المحدودة
فشل اللمسات الأخيرة للاتفاق بسبب رفض ترامب الموافقة على دفع التعويضات لإيران، وقبول الشروط الملاحية، وردّ أميركي يعتمد على ضربات انتقائية محدودة في محاولة لحماية السفن دون إعلان حرب شاملة.
مآلات هذا السيناريو: استمرار حالة اللاحرب واللاسلم، وبقاء أسعار الطاقة متأرجحة، مما يرفع كلفة التكلفة السياسية على إدارة ترامب تدريجياً.
3 ـ سيناريو التصعيد المفاجئ (انهيار الدبلوماسية)
وقوع حادث ميداني غير محسوب (كاستهداف ناقلة أو انفجار لغم بحري) ينسف الوساطة العُمانية في اللحظات الأخيرة.
مآلات هذا السيناريو: دفع الأمور نحو مواجهة عسكرية أوسع، رغم محاولات المؤسسة العسكرية الأميركية لتفادي هذا السيناريو الكارثي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى