“لولا وجودي لكنتَ في السجن”: ما وراء الأزمة بين ترامب ونتنياهو..؟

د. كوبي براد: باحث
وزميل أول في معهد سياسات الشعب اليهودي (JPPI) ومحاضر أول في المدرسة متعددة التخصصات في معهد هيرتفوردشاير للتكنولوجيا (HIT).
الانفجار غير المسبوق بين الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء بينامين نتنياهو، ليس من قبيل الصدفة. بل هو نتاج ضغط هائل يجمع بين هجوم تكتيكي على قاعدة ترامب المسيحية في لبنان، والخوف من إفشال الاتفاق مع إيران، وجدول أعمال احتفالي يطالب فيه الرئيس بالسلام الصناعي. والآن، ينبغي لنتنياهو أن يخشى سلاح الرئيس الفتاك قبيل الانتخابات الإسرائيلية.
كان ترامب غاضباً من نتنياهو واتهمه بنكران الجميل قائلاً: “لولا وجودي لكنتَ في السجن”. لم يكن غضب الرئيس مجرد رد فعل عفوي، بل جاء في سياق مشكلة استراتيجية وتكتيكية ترتبط ارتباطاً مباشراً بالحملة الإسرائيلية في لبنان.
الاضطراب التكتيكي: أزمة مسيحية في لبنان:
لنبدأ بالمشكلة التكتيكية. في الأشهر الأخيرة، شهد العالم حالات اعتداء على أرواح مسيحيين في لبنان، والأهم من ذلك، إلحاق أضرار بالرموز الدينية. الصور التي تظهر من هناك يصعب على الوصي الأمريكي استيعابها. فعلى سبيل المثال، تم تصوير جندي إسرائيلي وهو يقوم بتخريب تمثال للسيد المسيح في قرية يجنوب لبنان. وفي وقت لاحق، تم تصوير جندي يرتدي زي الجيش الإسرائيلي وهو يضع سيجارة في فم تمثال مريم العذراء، والدة السيد المسيح، في جنوب لبنان.
وجهت هذه الحوادث ضربة قوية لصورة إسرائيل في العالم. حيث تنتشر هذه الأحداث على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي، وتمارس شخصيات بارزة في اليمين الأمريكي، مثل تاكر كارلسون وأليكس جونز وكانديس إيفانز، ضغوطا كبيرة على المجتمع المسيحي المتعاطف مع إسرائيل، ويؤكدون على رواية مفادها أن إسرائيل تسعى إلى توسيع حدودها على حساب القرى المسيحية. وهذا التوجه يصب في مصلحة خصومنا في اليمين الأمريكي، الذين يمارسون ضغوطا على ترامب للجم إسرائيل.
هذا هو التشويش التكتيكي الذي يُشتت انتباه ترامب. إن إدراك واشنطن أن هذا الحدث أزعج حاشية الرئيس بشكل خاص هو ما دفعه قبل عدة أشهر إلى إجبار نتنياهو على الموافقة على وقف إطلاق النار في بيروت عبر تغريدة في منتصف أبريل.
المشكلة الاستراتيجية: مسار تصادمي مع إيران:
إلى جانب التكتيكات، تبرز المشكلة الاستراتيجية. فالتوتر في لبنان، يجعل إسرائيل، في نظر الأمريكيين، جهةً تسعى إلى “تدمير” محاولات ترامب للتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار مع الإيرانيين، وهي حربٌ أدت إلى انخفاض شعبية الرئيس ترامب إلى 34% فقط، مقابل 61% معارضين لها. هذه هي الأرقام التي تقف وراء ما وصفه البيت الأبيض بـ”الضغط الهائل” على ترامب لإنهاء الحرب.
مع بدء التنافس على كسب تأييد ترامب، سارعت مصادر عديدة إلى إبلاغه بأن نتنياهو يحاول إشعال فتيل الحرب والوصول إلى حالة من العجز عن التوصل إلى اتفاقيات إقليمية. ففي مقال على موقع “أكسيوس”، قال أحد كبار المسؤولين: يدرك ترامب إطلاق حزب الله النار على إسرائيل وحاجتها للدفاع عن نفسها، لكنه شعر في الأيام الأخيرة أن نتنياهو يُصعّد الهجمات بشكل غير متناسب. وادعى مصدر آخر أن ترامب “كان قلقًا بشأن عدد المدنيين اللبنانيين الذين قُتلوا في غارات الجيش الإسرائيلي، وعارض قيام إسرائيل بهدم مبانٍ في بيروت لاغتيال قائد في حزب الله”. هذه البيانات هي التي دفعت الرئيس إلى وصف نتنياهو بـ”المجنون” واتهامه بنكران الجميل.
لقد بذلت الإدارة الأمريكية جهودا حثيثة لدحض الادعاءات بأن نتنياهو هو من جرّ ترامب إلى الحملة على إيران. وفي الوقت ذاته، يحرص ترامب نفسه على إيصال رسالة مفادها أن نتنياهو “سيتصرف بشكل جيد”، بل وكرر أكثر من مرة أن نتنياهو في النهاية يتصرف بشكل جيد بالفعل. مع ذلك، يُنظر إلى الحملة الحالية في لبنان على أنها خطوة إسرائيلية تهدف إلى توسيع حدودها لتشمل سوريا ولبنان، وبنيّة واضحة لتخريب مساعي ترامب للترويج لاتفاق وقف إطلاق النار على الأقل.
من المهم الآن أن ندرك أن الفترة التي نمر بها، حسّاسة للغاية على الصعيد الزمني. تدخل الولايات المتحدة شهراً من الاحتفالات: يبدأ في 11 يونيو/حزيران بافتتاح كأس العالم، ويستمر في 14 يونيو/حزيران باحتفالات عيد ميلاد الرئيس، ويبلغ ذروته في احتفالات الذكرى 250 لتأسيس الولايات المتحدة في 4 يوليو/تموز.
يطالب ترامب بالهدوء، بينما تسبب له إسرائيل الضجيج. في ظل هذه الظروف، كانت المكالمة الهاتفية الصعبة بمثابة عاصفة رعدية كانت تختمر منذ فترة طويلة. ولعلّ القشة التي قصمت ظهر البعير كانت المقال الذي نُشر يوم الأحد في صحيفة “ديلي ميل” البريطانية، وهي صحيفة لم تُسهم بالتأكيد في تعزيز الثقة بين الطرفين. بحسب المقال، صرّح مصدر مقرّب من نتنياهو قائلاً: “بلغ يأس نتنياهو حداً يجعله يتوق إلى أيام جو بايدن، بل وحتى أوباما، اللذين واجههما علناً”. وأضاف المصدر: “مع ذلك، سيُجبر الزعيم الإسرائيلي الآن على التوافق مع خط ترامب”.
خطر نتنياهو السياسي وسلاح الرئيس الفتاك:
لم ينفِ أيٌّ من الطرفين هذا الخلاف، بل أكّده بشكل غير مباشر المدونان اليهوديان المقربان من الرئيس، مارك ليفين ولورا لومر. قد تُشير هذه الأزمة إلى مشكلة خطيرة في العلاقة بين الشخصيتين.
إسرائيل على أعتاب حملة انتخابية. وقد أثبت ترامب سابقاً قدرته على تجاوز البروتوكول، حيث استقبل بيني غانتس قبل انتخابات 2020 في اجتماع استمر لأكثر من ساعة، مخالفاً بذلك جميع الإجراءات الدبلوماسية المُتعارف عليها. ومن غير المرجح أن يدعو ترامب، الذي يعرف نفتالي بينيت إلى اجتماع رئاسي. قد تكون هذه الخطوة ذات دلالة في الحملة الانتخابية المقبلة في إسرائيل، وستُمثّل رسالة واضحة من الرئيس تعكس شعوره بأن نتنياهو لا يُعامله بالشكل اللائق.



