ترامب الهائج بين خيارين أحلاهما مر.

د. عدنان منصور
بعد انتهاء مهلة الستين يوماً لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، وفيما ينتظر الرئيس ترامب الانتخابات النصفية للكونغرس بعد ثلاثة أشهر، يجد نفسه أمام خيار لا بدّ منه، لشنّ حرب ثالثة على إيران، بعد إدراكه جيداً أنّ الحربين الأولى والثانية، والعقوبات الشرسة التي فرضتها واشنطن على طهران، لم تفلح في إخضاع إيران وإكراهها على فتح مضيق هرمز رغماً عنها.
ترامب الذي يمارس ضغوطاً اقتصادية، وحصاراً بحرياً شديداً على إيران، ظنّ أنه سيحقق بذلك أهدافه، مع إبقاء الخيار العسكري مفتوحاً، أكان هذا الخيار حرباً محدودة أو حرباً واسعة، بعد أن أصبح مأزق ترامب في مضيق هرمز جوهر المشكلة، إذ إنه حتى يوم أول أمس 20 آب/ أغسطس، لا زالت حركة الملاحة في المضيق متوقفة بشكل شبه كامل، وأنّ عبوره فيه لا يزال غير متاح، طالما أنّ إيران تربط فتح المضيق بتلبية شروطها، وتنفيذ مذكرة التفاهم ببنودها الـ 14.
لقد ظنّ ترامب ومن وراءه، أنّ الولايات المتحدة بضغوطها الشديدة على الاقتصاد الإيراني، وفرضها المزيد من العقوبات على إيران، تستطيع أن تجبر القيادة الإيرانية على فتح المضيق. هذه السياسة لم تفلح حيال الموقف الإيراني الثابت، حيث بقيَ المضيق عامل قوة بيد طهران، لأنّ استمرار إغلاق المضيق أسفر عن مشكلة عكسية لترامب رغم فرض عقوباته على إيران. مشكلة تمثلت بارتفاع أسعار النفط، وضغط تضخمي على الاقتصاد الأميركي، مما أثار غضب قطاعات اقتصادية أميركية عديدة، وألحق بها أضراراً مادية كبيرة، وسبّب ضغوطاً على حلفاء أميركا في منطقة الخليج وآسيا وأوروبا.
فشل ترامب في فتح المضيق وتركيع إيران، استغلّه خصومه سياسياً، ليقولوا إنّ ترامب دخل الحرب لمنع إيران من إغلاق مضيق هرمز، وإذا بالأمر ينتهي بأن يصبح المضيق شبه مغلق بالكامل!
هذا الواقع أصبح مراً وحساساً للغاية لترامب قبل الانتخابات النصفية، لأنّ أسعار الوقود الأميركية ارتفعت كثيراً، في الوقت الذي يحث فيه ترامب الأميركيين على القبول بارتفاع أسعار البنزين باعتباره ثمناً لمنع إيران الحصول على السلاح النووي!!
لكن هل سيدفع ترامب بعد فشله في تحقيق أهدافه ضدّ إيران من خلال الحصار، والعقوبات الاقتصادية، للجوء إلى التصعيد العسكري حتى يسجل إنجازاً “باهراً”، وانتصاراً على إيران قبل الانتخابات النصفية؟
قد يحقق ترامب إنجازاً إعلامياً قصير المدى، لكن ستكون أمامه مشكلة انتخابية طويلة الأمد. ماذا لو قام ترامب بمغامرته الثالثة بشنّ حرب على إيران، ولم يستطع فتح مضيق هرمز بصورة مستدامة؟! عندها سيكون التصعيد العسكري دليلاً على الفشل الذريع، بدلاً من أن يكون معياراً للقوة. لذلك يهيّئ ترامب الرأي العام الأميركي لفكرة الحرب الطويلة والمكلفة، معتبراً أنّ الحصار الأميركي يمكن أن يستمرّ إلى “أجل غير مسمّى”، في ظلّ تعثر المفاوضات، لا سيما أنّ عنجهية ترامب تدفعه إلى تحقيق “انتصار”، أياً كان مستواه ودرجته لتقديمه إلى الأميركيين، والترويج له على أنه إنجاز تاريخي!
لذلك يتطلع ترامب إلى صفقة يستطيع تظهيرها للرأي العام على أنها انتصار لأميركا وهزيمة لإيران. صفقة سلمية تأتي نتيجة الحصار والعقوبات والتهديد العسكري أثناء التفاوض، تمرّر لإيران عبر الوسطاء عوضاً عن عملية عسكرية كبيرة. هنا يتبيّن التناقض في خطابات وتصريحات ترامب، عندما يتحدث تارة عن السلام، وتارة أخرى عن الحصار، والتلويح بالتصعيد العسكري. لكن إيران ليست على استعداد بأيّ شكل من الأشكال، لفتح المضيق دون تحقيق أهدافها وتلبية مطالبها، حيث يبقى المضيق الورقة الأقوى من بين الأوراق التي تمتلكها طهران. إذا كان ترامب يريد إنهاء الحرب بفتح المضيق، فإنّ إيران مقابل ذلك تريد ضمانات بإنهاء الحرب، وإنهاء العقوبات، والإفراج عن أموالها وأصولها المجمّدة، ودفع التعويضات قبل فتح المضيق! من ذا الذي سيبدأ بالخطوة الأولى ويتراجع أولاً، ويدفع بعد ذلك ثمناً سياسياً باهظاً؟!
هل ستدفع الانتخابات النصفية التي ستجري بعد أشهر قليلة الرئيس ترامب إلى تجنّب الحرب، وإبقاء الوضع الحالي على ما هو عليه لحين إجراء الانتخابات؟! هذا يعني أنّ التضخم سيستمرّ، وأنّ أسعار الوقود سترتفع، والخسائر الاقتصادية ستزداد، مما سيضع ترامب وحزبه الجمهوري أمام مأزق سياسي كبير. لذلك صعّد ترامب مؤخراً لهجته السياسية عندما تحدث عن إمكانية إعلان مضيق هرمز “أرضاً أميركية”، في الوقت الذي أكدت فيه إيران أنها هي التي تقرّر فتحه وإغلاقه. بذلك أصبحت السيطرة على المضيق جزءاً من الحرب.
ليس أمام ترامب إلا صفقة تنازلات أميركية أكبر من تنازلات إيران، بعد أن تحوّل مضيق هرمز من مشكلة خارجية إلى مشكلة انتخابية داخلية أميركية.
المأزق الحقيقي الذي وقع فيه ترامب، هو أنه أراد إكراه إيران على التراجع، والرضوخ لمطالبه، فإذا بإيران تجعل من مضيق هرمز ورقة ضغط على أميركا نفسها، علماً أنّ الكونغرس مرّر مؤخراً قراراً يدعو إلى إنهاء الأعمال العدائية مع إيران، وهذا بمثابة “تأنيب” نادر من الكونغرس نفسه، مما يعني أنّ ترامب إذا ما لجأ إلى حرب مفتوحة لأشهر تهدف إلى إسقاط النظام الإيراني أو احتلال أراضٍ، عندئذ يصعب عليه قانونياً وسياسياً أن يقول إنّ العمليات العسكرية مؤقتة ومن صلاحيات الرئيس. هنا سيستخدم الكونغرس صلاحياته الدستورية لجهة التمويل، والتشريع، وصلاحيات الحرب لإجبار ترامب على التراجع. لكن هل من السهل أن يلجأ ترامب إلى حرب مفتوحة فيما أسعار النفط تستمر بالارتفاع والناخب الأميركي يتضرّر، واستطلاعات الرأي العام أصبحت تشكل هاجساً ومشكلة حقيقية له، بعد أن بيّنت الاستقصاءات أنّ ثلثي الأميركيين يعارضون الحرب؟! لذلك إذا بقيَ مضيق هرمز مغلقاً لأشهر، عندئذ يصبح الحصار بمثابة حرب طويلة. لكن هل الحرب الطويلة تصبّ في صالح ترامب قبل الانتخابات النصفيّة، وهو الذي يحتاج إلى “إنجاز تاريخي” قبل إجراء الانتخابات؟ ليس بالضرورة أن يكون الإنجاز عسكرياً، بل صفقة تجعل إيران تفتح المضيق؟!
مع استمرار الوضع على ما هو عليه، تقول إيران إنّ مضيق هرمز تحت سيطرتها، فيما يقول ترامب لدينا السيطرة الكاملة على هرمز، وفي كلتا الحالتين يبقى المضيق مغلقاً، واقتصادات العالم تتضرّر، والأوضاع المعيشية في الولايات المتحدة وأوروبا تزداد صعوبة. ما على ترامب إلا الخروج من المأزق الذي وضع نفسه فيه، وذلك بتفهّم مطالب إيران، وتقديم تنازلات نتيجة سلوك رئيس دولة عظمى ظنّ يوماً أنه باستخدامه القوة، وسياسة الأمر الواقع، يمكن له تطبيقها على الجميع، وأن يفعل ما يشاء، حتى لو وضع العالم كله أمام نظام دولي قائم على مبدأ القوة وليس على مبادئ القانون الدولي. هنا حوّل ترامب السيطرة العسكرية المؤقتة للولايات المتحدة إلى شرعية سياسية دائمة، ما جعله يذهب بعيداً في سياسته المستهجنة وغير المتوازنة، التي أثارت استغراب دول العالم عندما نشر على منصته الرسمية Truth Social خريطة رسمية لمضيق هرمز تحمل عبارة “أرض أميركية جديدة”!.
ما الذي ينتظر المنطقة بعد انتهاء وقف إطلاق النار؟ ها هو ترامب بعد حربه العسكرية على إيران التي لم تحقق أهدافه، دفعت به أخيراً ليعلن قبل يومين عن “أشدّ عملية اقتصادية مدمّرة تتخذ على الإطلاق ضدّ أيّ دولة”، متوعّداً إيران بـ “حرب اقتصادية وعزل على نطاق غير مسبوق”.
قرار ترامب يلزم تحت التهديد دول العالم أجمع التقيّد بقراره، وإلا ستواجه “عواقب اقتصادية هائلة”، فيما لو قدّمت دعماً لإيران من خلال مؤسساتها المالية وشركاتها ومطاراتها! بقراره الأحادي هذا، اختزل ترامب الأمم المتحدة ومجلس أمنها، والمجتمع الدولي بشكل فاضح وصارخ، ملزماً دول العالم قاطبة الالتزام بقراره، غير عابئ بسيادة الدول واعتبارها!
مَن يجرؤ من دول العالم التي تتباهى بسيادتها وبقانونها الدولي، وقرارها “الحر” أن تعترض أو ترفض الالتزام بقرار ترامب!؟
حرب ترامب الاقتصادية، ليست إلا مقدّمة لحرب عسكرية واسعة سيشنّها لاحقاً على إيران، إذا ما عرف أنّ العقوبات جميعها لن تجعل طهران ترضخ لحربه الاقتصادية الشرسة.
إيران على علم أنّ الجانب الأميركي والإسرائيلي يسعيان إلى الوصول إلى “اللحظة الصفر” التي ترمي إلى تحقيق هدفين: الأول يتمثل بضربة عسكرية يبغي ترامب ونتنياهو من ورائها تحقيق نصر رمزي قبل الانتخابات، والهدف الثاني إحداث فوضى مسلحة داخل إيران، تدمج مع الضربة العسكرية. الإعداد الخفي والعميق لهذه “اللحظة الصفر”، ترصده إيران بدقة، فهي ترى أنّ الهدوء الحالي، هدوء ما قبل العاصفة، وهي مصمّمة على ألا يكون نصرها مرحلياً لها إذا ما اندلعت المواجهة، وإنما نصر حاسم ينهي الحروب المستقبلية.
ما الذي ينتظره العالم بعد الحرب الاقتصادية على إيران، وبعد أن قبض ترامب على العالم، وجعل دولاً كبرى ترضخ وتلتزم الصمت، تستجيب لأوامره، وتطبق ما يطلب منها، فيما الأمم المتحدة بكلّ ما فيها، على قارعة طريق الرئيس الأميركي دونالد ترامب!
ألا تحتاج “سيادة” و”كرامة” دول العالم انتفاضة عالمية على سياسة العنجهية والإذلال التي يتبعها رئيس لم يشهد العالم مثيلاً لها؟!
*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق
