مقالات رأي

هرع نتنياهو لإبلاغ جماعته فخسر ورقة ضغط مهمة على حزب الله.. السيناريوهات والمعضلة

رون بن يشاي
في الوضع الراهن، لا خيار أمام إسرائيل سوى قبول إملاءات الرئيس الأمريكي بشأن لبنان، وانتظار ترامب لإنهاء المفاوضات مع إيران بالاتفاق (أو بالتفجير)، ثم إعادة حساب المسار على جميع الساحات. وجدنا أنفسنا في هذا الموقف لأن ترامب يائس من إمكانية التوصل إلى مذكرة تفاهم مع إيران وفتح مضيق هرمز، ولأن القيادة الإيرانية تُصرّ على إتمام الاتفاق بوقف إطلاق النار في الساحة اللبنانية أيضا. أما السبب الثاني الذي يُجبرنا على الانصياع لأوامر واشنطن، فهو التبعية السياسية والعسكرية واللوجستية للولايات المتحدة التي عززها نتنياهو، والعزلة الدولية التي تجد دولة إسرائيل نفسها فيها.
السبب الثالث هو وضع سكان الشمال، الذين يُجبرون، بعد أكثر من عامين من الحرب، على العيش تحت وابلٍ من الصواريخ والطائرات المسيّرة، وأصبحوا لاجيئين في منازلهم، دون أي أمل في نهاية قريبة. فإذا توقف حزب الله، نتيجةً لوقف إطلاق النار، عن إطلاق النار عبر الحدود، فإن وضع سكان الجليل سيتحسن، ولو مؤقتا. سيتحمل الجيش الإسرائيلي وطأة حرب الاستنزاف على الأراضي اللبنانية لفترة غير محددة، دون إيجاد حلٍ للطائرات المسيّرة المتفجرة الموجهة بالألياف الضوئية. وبالنسبة للجيش الإسرائيلي، فإن بنود وقف إطلاق النار غامضة. ليس من المعروف ما إذا كانت وُضعت بنود واضحة خلال المحادثة الصاخبة والمُسيئة بين ترامب ونتنياهو. الواضح هو أن الجيش الإسرائيلي سيبقى ضمن خطوطه الحالية، ومن المرجح أن يتمكن من تنفيذ مناورة برية محدودة النطاق هنا وهناك، أو قصف جوي مُوجّه لإسكات مصادر إطلاق النار إذا استمر حزب الله في استهداف قواتنا على الأرض.
أصبحت أنشطة الجيش الإسرائيلي البرية والجوية الآن محدودة جغرافياً، كما كانت قبل ثلاثة أسابيع، في أراضي جنوب لبنان على جانبي الخط الأصفر، كما أن قصف مواقع حزب الله في البقاع اللبناني أمر وارد. لكن، لا مجال للحديث عن قصف الضاحية في الوقت الراهن. هذا يعني أن إسرائيل والجيش الإسرائيلي قد فقدا مؤقتاً أداة نفوذ مهمة على حزب الله والحكومة اللبنانية. ورغم أن معظم قيادات حزب الله قد فرّت منذ فترة طويلة من الحي الشيعي الكبير في جنوب بيروت، إلا أن غالبية الشيعة، من أئمة بارزين ونخبة مثقفة وثريّة، ما زالوا يعيشون هناك، إلى جانب آلاف العائلات التي نزحت من القرى الشيعية في الجنوب.
لذلك، ورغم أن الضاحية لم تعد تضم أهدافاً عالية الجودة ومستودعات أسلحة ضخمة للتدمير، كما كان الحال قبل أكثر من عامين خلال عملية سهام الشمال، فإن أي تدمير كبير في الضاحية سيوجه ضربة قوية للشيعة عموماً ولحزب الله خصوصاً.
العمل أولا ثم التهديد:
لا عجب أن حزب الله خائف جدا اليوم. فوضعه أسوأ بكثير مما كان عليه قبل عشرين عاما. لن يُضطّر عشرات الآلاف من المواطنين الأثرياء وذوي النفوذ من الطائفة الشيعية للاختيار بين الفرار والموت فحسب، بل قد يؤدي ذلك إلى فقدان الطائفة الشيعية سيطرتها على العاصمة الاقتصادية والسياسية للبنان، حيث يقع مطار لبنان وميناء الشحن الدولي.
هذا في حين أن مئات الآلاف من الشيعة (من أصل أكثر من مليون) الذين فروا من قرى الجنوب متفرقون في الشوارع، لاجئين في وطنهم. إيران، التي يعاني اقتصادها من الانهيار وقواتها الأمنية من الفوضى، لن تستطيع تقديم الكثير من المساعدة لهم حتى لو وقّع ترامب اتفاقية ترفع العقوبات. يضاف إلى ذلك، أن الطوائف الأخرى في لبنان، تعارضهم فضلاً عن شريحة كبيرة من الشيعة، بسبب الحرب العبثية التي يشنونها ضد إسرائيل، والحكومة اللبنانية تُنكر عليهم في المفاوضات التي تُجريها مع إسرائيل، الشرعية التي ادّعوها بأنهم “حامي لبنان من إسرائيل”. والأهم من ذلك، أن حزب الله سيواجه صعوبةً في تهديد الطوائف الأخرى والحكومة بحرب أهلية في حين أن معظم أتباعه خارج العاصمة. لذلك، إذا قامت إسرائيل بتدمير المباني في الضاحية واحدةً تلو الأخرى، كما فعلت عام 2006، فسيُجبر الحزب على مواجهة ضغوط داخلية وخارجية يصعب عليه تحمّلها.
لذا، كان نتنياهو مُحقاً عندما وافق على طلب رئيس الأركان وكبار المسؤولين الأمنيين وأذن بقصف الضاحية. لكن بدلاً من التهديد والإعلان المسبق، كان ينبغي السماح لسلاح الجو الإسرائيلي أولاً بتنفيذ ما يسميه الجيش الإسرائيلي “استعراضاً للهدف”. أي قصف مبنيين أو ثلاثة مبانٍ مهمة كي يتضح لحزب الله والحكومة اللبنانية والشيعة ما ينتظرهم، ثم شرح الأمر لترامب لاحقاً بأنه لم يكن هناك خيار آخر أمام النيران التي يشنها حزب الله على إسرائيل. ربما لم يكن ذلك سيمنع ترامب من الغضب الشديد، والصراخ في وجه نتنياهو وإذلاله، وتسريب ذلك إلى وسائل الإعلام العالمية لإرضاء الإيرانيين ومواصلة المفاوضات معهم، كما فعل بالأمس. لكن على الأقل كانت هناك فرصة لأن يبادر حزب الله وداعموه الإيرانيون إلى إخماد النيران في الساحة اللبنانية حتى لا يواصل سلاح الجو الإسرائيلي قصف المباني في الضاحية.
لو نفّذت إيران تهديدات قادتها العسكريين بشن غارات على شمال إسرائيل لمساعدة حزب الله، لكان سلاح الجو قد جدد هجماته على إيران أيضاً، كما يريد الجيش الإسرائيلي وهو مستعد للقيام بذلك. لكن نتنياهو أفسد مرة أخرى خطوةً جيدة كان قد خطط لها، لأنه كان مُتسرعا في إبلاغ رجاله. كان عليه أن يُنفذ الأمر أولا ثم يُهدد، بدلا من التهديد ثم التراجع. والآن، يبقى أن نرى كيف سنخرج من هذا المأزق بأقل قدر من الضرر.
ماذا نفعل الآن..؟
المعنى العملي للامتثال لإملاءات واشنطن هو وقف جزئي لإطلاق النار، هدفه الرئيسي – إذا التزم حزب الله به – هو تخفيف الضغط عن المدنيين غير المتورطين على جانبي الحدود. وهذا ليس قليلا، بل هو أمر مرغوب فيه. فوقف إطلاق النار “المدني” سيمنح سكان شمال إسرائيل راحة من الضغط الجسدي والنفسي المستمر الذي يتعرضون له.
سيكون لدى المؤسسة الدفاعية حرية أكبر للتركيز على تطوير وإنتاج حلول من شأنها تحييد أو على الأقل تخفيف الخسائر البشرية التي تتكبدها قوات الجيش الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية جراء طائرات الدرون المزودة بألياف بصرية. يكمن الخطر في مثل هذا الوضع في أنه إذا استمر لأشهر عديدة، فقد يترسخ ويتحول إلى نسخة ثانية من حرب الاستنزاف في المنطقة الأمنية اللبنانية، وهو وضع مشابه لما شهدناه لمدة 18 عاما حتى مايو/أيار 2000.
ثمة احتمال آخر يتمثل في أن حزب الله سيخرق وقف إطلاق النار في الأيام المقبلة. حينها سيواجه نتنياهو معضلة قاسية: هل يبرر الوضع – وبالتحديد عدد الضحايا والغضب الشعبي الإسرائيلي – قراراً بعصيان ترامب، ونسف المفاوضات الدبلوماسية مع الحكومة اللبنانية، والمخاطرة برد إيراني، والشروع في تحرك عسكري كبير يغير الواقع في لبنان، أم أن يصبر وينتظر انتهاء المفاوضات مع إيران ثم يعيد النظر في كيفية التصرف في لبنان..؟
يجب التوضيح، بأن أي تحرك عسكري كبير في لبنان يهدف إلى إزالة تهديد حزب الله للشمال وقواتنا لفترة تتراوح بين أشهر وسنة على الأقل. ولذلك، ينبغي أن يشمل هذا التحرك مناورة برية واسعة وسريعة ودقيقة، على الأقل حتى نهر الزهراني في جنوب لبنان، وقصفاً مكثفاً في بيروت وصيدا والبقاع. يجب تنفيذ مثل هذه الخطوة بدعم من واشنطن، أو على الأقل بالتنسيق معها، لأنها قد تمتد إلى إيران وتُهدد مخزون الجيش الإسرائيلي من الأسلحة وقطع الغيار. إنها معضلة مُعقدة عموماً، ولا سيما بالنسبة لبلد مُقبل على انتخابات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى