استراتيجيات وتقارير

وجود الدولة اليهودية بحد ذاته هو المشكلة في نظر البعض

زلمان شوفال
يقول المثل المعروف: “المصائب تأتي تباعا”، وتراجع الدعم لإسرائيل في بعض أطياف النظام السياسي والعام في الولايات المتحدة، وتصاعد موجة معاداة السامية هناك، أمثلة مُقلقة على ذلك. هناك، بالطبع، عوامل أخرى تؤثر في الأمر بشكل مباشر أو غير مباشر، مثل حقيقة أن العديد من الشباب في أمريكا لا ينكرون جوانب معينة من الفاشية، وأن نسبة مماثلة منهم تُبدي آراءً إيجابية تجاه الشيوعية، وكلاهما معاد للسامية ومعادٍ لإسرائيل.
لقد منح قيام دولة إسرائيل، اليهود في الولايات المتحدة، مكانةً اجتماعية. وفي ذلك الوقت، سمعتُ أحد كبار المسؤولين اليهود في إدارة الرئيس بيل كلينتون يقول في نقاش مُغلق مع نشطاء يهود في واشنطن: “لقد بلغ وضعنا كيهود في أمريكا مستويات إيجابية غير مسبوقة، لكن ذلك بدأ أساسا مع قيام دولة إسرائيل، وإذا حدث مكروه لإسرائيل، فسيعود وضعنا إلى ما كان عليه سابقا”.
حدث هذا في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. حتى قبل عملية الجيش الإسرائيلي في غزة، وبدلا من موجة تعاطف وتضامن مع إسرائيل، تجتاح الرأي العام الأمريكي، سُمعت أصوات تُلقي باللوم على إسرائيل وتُبرر فظائع حماس باعتبارها ردا على ما يُزعم من اضطهاد الفلسطينيين. وزعم آخرون، كما زعموا بعد الهجوم الإرهابي على برجي مركز التجارة العالمي، أن الموساد الإسرائيلي كان وراءه.
معاداة السامية هي السبب الرئيسي للعداء تجاه إسرائيل. لا يؤثر الطابع السياسي للحكومة في إسرائيل وسياساتها بشكل حاسم على هذا الأمر. فوجود الدولة اليهودية بحد ذاته، بغض النظر عن قيادتها، هو المشكلة في نظر البعض.
تحاول الحكومة الإسرائيلية، متأخرةً، معالجة تراجع الدعم من كلا الجانبين السياسيين في الولايات المتحدة، وقد استعانت بكوادر متخصصة لهذا الغرض. والشخص الذي ينبغي أن يوجههم بشأن الرسالة هو وزير الخارجية أو السفير الإسرائيلي، وفي الوقت الراهن لا يوجد أحد. فالنضال من أجل إسرائيل، هو الوجه الآخر للنضال ضد معاداة السامية، ويجب التعامل معه على هذا الأساس.
قبل نحو عامين، نشرت مجلة “ذا أتلانتيك” الأمريكية المرموقة مقالا للصحفي والكاتب اليهودي البارز فرانكلين فوير، بعنوان “انتهى العصر الذهبي لليهودية الأمريكية.”. بحسب قوله، فإن معاداة السامية من اليمين واليسار على حد سواء تُهدد بإنهاء عهد الأمن والازدهار لليهود الأمريكيين، وتدمير النظام الليبرالي الذي ساهموا في تأسيسه. رافق هذا المقال مقالات مماثلة وتصريحات صريحة من شخصيات يهودية في مجالي الاقتصاد والثقافة، شككوا في مستقبل اليهود في الولايات المتحدة، إلاّ أن مقال فوير كان مؤثراً وذا دلالة خاصة. فقد تحدث عن أعمال عنف ضد الطلاب اليهود وهجمات معادية للسامية على الجامعات. وقال فوير، وهو ديمقراطي ليبرالي، صراحة إن معاداة الصهيونية التي تزدهر في اليسار الأمريكي “لا تقتصر على المطالبة بإنهاء احتلال الضفة الغربية، بل تبنت شغفاً جامحاً للقضاء على الدولة الوحيدة في العالم ذات الأغلبية اليهودية، وتدعم الحملة الدموية ضد وجودها. ينضم هذا الجناح اليساري إلى سلسلة مروعة من محاولات طمس اليهودية، مما يُثير مخاوف وجودية قديمة وحديثة”.
بعد استعراض تاريخ يهود أمريكا، وجوانبه الإيجابية في العقود الأخيرة، خلص فوير إلى أن “هذا العصر يشارف على الانتهاء. فالحركات السياسية الصاعدة – الترامبيون من جهة، واليسار غير الليبرالي من جهة أخرى – ستُدمّر آخر ركائز التوافق الذي ساهم اليهود في ترسيخه. لقد ولّى العصر الذهبي ليهود أمريكا، وحلّ محله عصر ذهبي من المؤامرات والمبالغات غير المسؤولة والعنف السياسي.”.
لا يمكن قراءة هذا الكلام اليوم، دون الإشارة إلى الدور الذي يجب أن تلعبه إسرائيل في العملية التي يمر بها يهود أمريكا. فهم لم يحزموا أمتعتهم بعد (مع أن عدداً لا بأس به منهم تقدم بطلبات للحصول على جوازات سفر أجنبية)، لكن على إسرائيل أن تقضي فوراً على التمييز المؤسسي ضد الأغلبية من يهود أمريكا، والذي يتناقض مع أبسط القيم اليهودية والصهيونية. هذا ليس واجبها كدولة قومية يهودية فحسب، بل هو أيضا مصلحة حيوية لها. معظم اليهود في الولايات المتحدة، باستثناء الفئة المتطرفة من اليهود الأرثوذكس المتشددين، اعتنقوا الصهيونية باعتبارها الروح الوطنية والروحية الموحدة للجميع، وهذا يجب ألاّ يتغير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى