لبنان تحت حصار الانهيار البيئي(1) من الجبل إلى البحر… ضغوط تتجاوز القدرة الاستيعابية

د. علي فاعور: رئيس مركز السكان والتنمية، وعضو المجلس الوطني للبحوث العلمية
مقدمة
تحوّلت الأزمة البيئية في لبنان إلى أحد أخطر وجوه الانهيار الوطني، بعدما تجاوزت آثارها تلوث الهواء والأنهار وانتشار النفايات، لتكشف اختلالاً متزايداً بين الموارد الطبيعية والضغوط السكانية والعمرانية والاقتصادية المتراكمة.
فالمجال الطبيعي، الذي شكّل لعقود أحد أبرز عناصر قوة لبنان، يفقد تدريجياً توازنه البيئي تحت ضغط التوسع العمراني العشوائي، واستنزاف الموارد، وتراجع قدرة الدولة على إدارة هذا الإرث الطبيعي وحمايته.
- ارتفاع الكثافة السكانية… لبنان عند حدود الاختناق
لم يعد التحدي البيئي في لبنان يقتصر على تراجع نوعية الموارد الطبيعية، بل أصبح يعكس اختلالاً متزايداً بين القدرة الاستيعابية للمجال الجغرافي وحجم الضغوط السكانية والعمرانية التي تراكمت خلال السنوات الأخيرة. فعلى مساحة لا تتجاوز 10.452 كيلومتراً مربعاً، يقيم اليوم ما بين 7.5 و8 ملايين نسمة من لبنانيين ونازحين سوريين ولاجئين فلسطينيين وعمال عرب وأجانب، ما رفع الكثافة السكانية الفعلية إلى مستويات غير مسبوقة، وجعل لبنان من أكثر البلدان ضغطاً على موارده الطبيعية قياساً إلى مساحته.
غير أن هذا الضغط لا يتوزع بصورة متوازنة، بل يتركز في المدن الكبرى والمجالات العمرانية الساحلية. وتُظهر خرائط الكثافة السكانية أن محافظة بيروت تسجل نحو 20 ألف نسمة في الكيلومتر المربع، فيما تتجاوز الكثافة في مدينة طرابلس 24 ألف نسمة في الكيلومتر المربع، مع ارتفاع ملحوظ في المتن وبعبدا وكسروان وجبل لبنان، حيث تتمركز الكتلة العمرانية الأكبر في البلاد.
وفي المقابل، تكشف خرائط توزع النازحين أن البقاع تحوّل خلال السنوات الماضية إلى إحدى أبرز مناطق الضغط السكاني، مع انتشار واسع للمخيمات والتجمعات السكنية فوق الأراضي الزراعية وعلى امتداد الأحواض المائية، في ظل بنية تحتية محدودة أصلاً.
ويتجاوز الضرر الجانب الديموغرافي، ليشمل مختلف عناصر البيئة. فارتفاع عدد السكان يعني زيادة الطلب على المياه والطاقة، وتوسع العمران على حساب الأراضي الزراعية، وارتفاع إنتاج النفايات ومياه الصرف الصحي، وتزايد حركة النقل والانبعاثات، بما يفرض ضغوطاً متراكمة على الأنهار والمياه الجوفية والساحل والهواء..

2- الجبال تستنزفها الكسارات… والساحل يفقد وجهه الطبيعي
إذا كان الضغط السكاني والعمراني قد تجاوز قدرة المدن والخدمات على الاستيعاب، فإن نتائجه الأشد وضوحاً تظهر في التحول العميق الذي أصاب المشهد الطبيعي. فمن قمم الجبال وسفوحها إلى الشريط الساحلي، تتراجع المساحات الخضراء وتتوسع الكتل الإسمنتية، فيما تُستخرج الصخور والرمال وتُستهلك الأراضي بوتيرة تفوق قدرة الطبيعة على التعافي.
وتكشف المسوحات الوطنية ضخامة التدهور في المناطق الجبلية؛ فقد جرى توثيق أكثر من 1230 مقلعاً وكسارة وموقع استخراج، واستُخرج من هذه المواقع ما يقارب 196.9 مليون متر مكعب من الصخور والرمال والحصى. ولا تقتصر الخسارة على تشويه المشهد، بل تشمل إزالة الغطاء النباتي والتربة، وتقطيع المنحدرات، وزيادة الغبار، والإضرار بالموائل الطبيعية والموارد المائية. وقد قُدرت مستحقات الخزينة والتعويضات البيئية وإعادة التأهيل المرتبطة بسوء إدارة القطاع بنحو 2.39 مليار دولار على الأقل، بما يكشف ضخامة الضرر المتراكم.
ويتزامن تآكل المرتفعات مع تراجع الغابات وتجزئة الأراضي الزراعية تحت ضغط الحرائق والقطع وشق الطرق والتوسع العمراني. وعلى الساحل فقد ارتفعت نسبة التعديات من نحو 13% عام 1962 إلى 41% عام 2003، بينما قدّر تحليل أحدث أن نحو 63% من المناطق الساحلية بات متأثراً بالمنشآت والتدخلات البشرية، حيث تضم المحافظات الساحلية الخمس نحو 75% من سكان لبنان.
ولا تنحصر الخسائر في تشويه الطبيعة، حيث سجلت خسائر اقتصادية ضخمة. فقد قُدرت كلفة التدهور البيئي في المنطقة الساحلية بنحو 84.6 مليون دولار، تشمل: النفايات الملقاة في البحر وكلفتها (45.3 مليون دولار)، تلتها خسائر الحد من الوصول إلى الشاطئ (24 مليون دولار)، ثم التآكل والردميات البحرية (11 مليون دولار)، إضافة إلى تدهور الثروة السمكية (3.1 ملايين دولار).
وهكذا يتعرض لبنان لخسارة مزدوجة: جبال تُستنزف صخورها وتربتها وغطاؤها النباتي، وساحل تتراجع فيه المساحات الطبيعية والمفتوحة.
3- بلد المياه يدخل زمن العطش… أزمة ادارة قبل ان تكون أزمة موارد
يتلقى لبنان معدلات هطول سنوية تقارب 823 ملم، وهي من بين الأعلى في المشرق، لكنه لا يستفيد إلا من نحو 45% من موارده المائية المتاحة، نتيجة ضعف التخزين، والتسرب، والهدر، وسوء الإدارة. ولم تعد المشكلة تقتصر على ضياع جزء كبير من الموارد، بل تتفاقم مع اتساع رقعة التلوث، إذ تُظهر خرائط الرصد البيئي تراجعاً واسعاً في نوعية المياه في الأنهار الداخلية والساحلية، ما يحول جزءاً متزايداً من الموارد المائية إلى موارد غير صالحة للاستخدام من دون معالجة.
ويختصر حوض الليطاني حجم هذا التحول. فبحسب المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، يتدفق إلى النهر ويتسرب إلى المياه الجوفية نحو 46 مليون متر مكعب سنوياً من مياه الصرف الصحي غير المعالجة، فيما تصرف 69بلدة في الحوض الأعلى مياهها المبتذلة إلى الأراضي المكشوفة أو مباشرة إلى مجرى النهر. ورغم إنشاء 10 محطات لمعالجة الصرف الصحي، فإن ثلاثاً منها لا تزال قيد الاستكمال، بينما تعمل المحطات السبع الأخرى دون طاقتها التصميمية، نتيجة عدم اكتمال شبكات التجميع والتشغيل.
ولا تتوقف آثار التلوث عند مجرى النهر، بل تمتد إلى الزراعة والأمن الغذائي. إذ تقع نحو 8396 هكتاراً من الأراضي الزراعية ضمن نطاق كيلومترين من ضفتي الليطاني، ويُروى أكثر من 1000 هكتار خلال فصل الصيف بمياه شديدة التلوث، فيما توقف مشروع ري كان يغذي نحو 2000هكتار من بحيرة القرعون، حمايةً للإنتاج الزراعي وصحة المستهلكين، وتجنب المخاطر الناتجة عن اختلاط الصرف الصحي بالموارد المائية.
ويمتد التدهور إلى الأنهار الساحلية التي تنقل مياه الصرف والرواسب والملوثات إلى البحر. وقد أظهرت دراسة شملت عشرة أنهار لبنانية أن 60% منها تجاوزت الحدود المقبولة للتلوث البكتيري، ما يؤكد أن أزمة المياه في لبنان لم تعد أزمة كمية فحسب، بل أزمة نوعية وإدارة تمتد من الأحواض الداخلية إلى الساحل.
ولا تقتصر كلفة هذا التدهور على البيئة والصحة العامة، بل تمتد إلى الاقتصاد أيضاً؛ إذ قُدرت الخسائر الناجمة عن تلوّث المياه بنحو 722.5 مليون دولار، ما يؤكد أن سوء إدارة الموارد المائية لم يعد قضية بيئية فحسب، بل أصبح عبئاً تنموياً واقتصادياً واسع النطاق.
4- النفايات والصرف الصحي… التلوّث يهدد الطبيعة والإنسان
تختصر أزمة النفايات والصرف الصحي أحد أخطر أوجه الانهيار البيئي في لبنان، لأن آثارها لا تبقى محصورة في موقع المكب أو قناة التصريف، بل تنتقل عبر الهواء والتربة والمياه، حتى تصل إلى الأنهار والبحر والغذاء وصحة السكان. وقد وثّق المسح الوطني للمكبات العشوائية وجود 941 مكباً للنفايات المنزلية ومخلفات البناء والهدم، في مؤشر يكشف اتساع انتشار الخطر من الأودية ومجاري الأنهار إلى أطراف المدن والبلدات والساحل.
ويتجاوز الضرر تراكم النفايات، ليشمل أيضاً الحرق المكشوف ثم تلوّث التربة والمياه الجوفية. حيث تتسرب الملوثات نحو الآبار والمجاري السطحية والأراضي الزراعية.
وتكشف الكلفة الاقتصادية الضخمة حجم الفشل في إدارة القطاع؛ فقد قدّر البنك الدولي كلفة التدهور البيئي المرتبط بالنفايات في لبنان بنحو 200 مليون دولار سنوياً، في حين بلغت كلفة إدارة القطاع على الخزينة المركزية قرابة 180 مليون دولار عام 2018. وهذا يعني أن لبنان يدفع كلفة مرتفعة لجمع النفايات ومعالجتها، ثم يدفع كلفة إضافية نتيجة الأضرار البيئية والصحية التي تخلّفها السياسات المعتمدة.
ويستقبل البحر جزءاً كبيراً من تسرب التلوّث، مع تدفق مياه الصرف والأنهار الملوثة والنفايات البلاستيكية نحو الساحل. حيث يتابع المركز الوطني لعلوم البحار نوعية المياه شهرياً في 38 موقعاً، إلى جانب قياس المعادن والملوثات العضوية في المياه والكائنات البحرية.
ومع إطلاق منصة وطنية لنظم المعلومات الجغرافية عام 2026 وتوافر الخرائط والبيانات حول المنشآت ومواقع الخطر، لم تعد المشكلة الأساسية في نقص المعرفة، بل في ضعف التنفيذ والمساءلة.
خاتمة
لم تعد البيئة في لبنان ملفاً يخص وزارة أو قطاعاً بعينه، بل أصبحت مقياساً لقدرة الدولة على حماية الإنسان والموارد الطبيعية معاً. ذلك أن الضغوط السكانية، واستنزاف الجبال، وتلوث المياه، وانتشار النفايات، ليست أزمات منفصلة، بل حلقات مترابطة في مسار واحد يهدد التوازن البيئي ويقوّض قدرة البلاد على الاستمرار.
ويعني استمرار هذا الواقع، تضاعف كلفة الأزمة، وتراجعاً في نوعية الحياة، وتآكلاً للموارد التي يعتمد عليها الجيل الحاضر والأجيال المقبلة. إن حماية البيئة اللبنانية لا تعني صون الجبال والأنهار والساحل فحسب، بل حماية حق السكان في الماء النظيف، والهواء السليم، والغذاء الآمن، وفي مستقبل أكثر استدامة.
يتبع مقالة ثانية تتناول المخاطر الصحية للأزمة: كيف تحوّل التلوث البيئي إلى عبء صحي متزايد يظهر في انتشار الأمراض، والوفاة المبكرة، وتراجع مؤشرات جودة الحياة.




