موقع “زمان اسرائيل”: إسرائيل تُضيّع من جدبد فرصة دبلوماسية.. وإيران سارعت للدفاع عن حزب الله وحققت نصراً استراتيجياً

رصد الاعلام العبري: 9 / 6
أمير بار شالوم
كان واضحا صباح أمس (الاثنين) بتوقيت واشنطن، أن جولة القتال الحالية بين إسرائيل وإيران، انتهت. فخلف تغريدة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي دعا فيها الجانبين إلى وقف إطلاق النار فوراً – كما لو كان مُعلّماً في روضة أطفال يُحاول إحلال السلام بين أطفال يتشاجرون – كانت هناك محاولات محمومة تجري خلف الكواليس للتوصل إلى صيغة مُتفق عليها لوقف إطلاق النار، وصيغة تُتيح لكلا الجانبين فرصة للنزول من على الشجرة.
سارع الإيرانيون، الذين نشروا الإعلان أولا، إلى التأكيد على الدرس الذي زعموا أن إسرائيل قد استخلصته من “توحيد الساحات”. وبعد ساعات قليلة، أصدر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو رسالة مُسجّلة، هي الأولى منذ بدء جولة القتال الحالية، كان جوهرها سياسياً أكثر منه دبلوماسياً.
قال نتنياهو: “حزب الله يُفكك. لقد قضينا على حسن نصر الله. حاولوا فرض معادلة جديدة. لكن هذا لن يحدث في عهدي”. هذه كلمات تحمل طابعا سياسيا أكثر من كونها بيانا دبلوماسيا من قائد يمر بأزمة وطنية، قائد يجد صعوبة في شرح هزيمته في معركة للجمهور. ويجب التأكيد على أنها هزيمة في معركة، وليست هزيمة في الحرب بأكملها.
في هذه الجولة، ربما تأكدت إيران من ضعفها العسكري أمام موجات هجمات سلاح الجو الإسرائيلي، لكنها انتصرت على المستوى الاستراتيجي. وقد حظيت مظلة الحماية التي وفرتها ايران لحزب الله باعتراف البيت الأبيض. ولا تزال معادلة “حكم بيروت كحكم طهران” سارية. وقد واجه نتنياهو صعوبة بالغة في شرح هذه الحقيقة أمس، ولذلك يبدو أنه تم الاكتفاء برسالة مسجلة. ومع ذلك، فقد سُجل إنجاز تكتيكي واحد أمس يُحسب لإسرائيل.
فور إعلان إيران وقف إطلاق النار، والذي تضمن تهديدا بإطلاق صواريخ على إسرائيل ردا على أي تحرك في لبنان، بما في ذلك جنوب البلاد، وجدت إسرائيل نفسها في موقف حرج. كان التفاهم السائد في القدس أن الصمت الإسرائيلي، بل والأسوأ من ذلك، ضبط النفس العملياتي، كفيل بفرض قواعد جديدة للعبة. ومن شأن هذا الوضع أن يوسع نطاق النفوذ الإيراني ليشمل جنوب لبنان، وهي منطقة تتمركز فيها حاليا فرقتان من الجيش الإسرائيلي مع آلاف المقاتلين.
لم يتأخر الرد الإسرائيلي، إذ جاء على الفور، في صورة سلسلة من الهجمات في جنوب لبنان ورسالة واضحة: العودة إلى مبدأ “بيروت مقابل الجليل”، وليس “لبنان كله مقابل الجليل”. وفي هذا السياق، شكل رد حزب الله بإطلاق النار على قوات الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان تأكيدا ضمنيا على عودتهم إلى الصيغة القديمة – صراع يقتصر على المناطق الواقعة داخل “الخط الأصفر” فقط.
مع ذلك، أظهرت إيران في هذه الجولة من القتال استعدادها للذهاب إلى أبعد مما كانت عليه في الماضي (مقارنةً بفترة المرشد الأعلى السابق، علي خامنئي، الذي كان غالبا ما يكبح جماح المطالب المتطرفة للحرس الثوري). لكن عمليا، قد ينقلب توسيع الدعم الإيراني الكامل لحزب الله، ضد طهران لاحقا.
تأسس حزب الله في الأصل ليكون بمثابة “فرقة إيرانية” على الحدود الإسرائيلية، يتم تفعيلها يوم تتعرض إيران للهجوم. لكن يوم صدور الأمر، مع انطلاق عملية “عام كلافي” في يونيو 2025، كان حزب الله بالكاد نشطا. كانت المنظمة آنذاك في أضعف حالاتها على الإطلاق، بعد أن استنزفها الجيش الإسرائيلي عسكريا لمدة عام ونصف، وتلقت ضربة معنوية قاسية جراء عملية “البيجر” واغتيال نصر الله.
في الصراع الحالي، انقلبت الموازين: فبدلا من أن يُقدم حزب الله العون لإيران، أصبحت إيران هي من تُقدم العون. وعلى المدى القريب، قد يُنظر إلى هذه الخطوة على أنها استعراض للقوة الإقليمية من جانب طهران، لكنها تشكل على المدى البعيد مخاطرةً قد تُكلّفها غالياً، لا سيما في ظل ضعفها العسكري والاقتصادي والداخلي.
من وجهة نظر إسرائيل، فإن إغلاق نافذة العمليات (إجلاء السكان وهدم المباني الشاهقة في الضاحية) من شأنه أن يُسرّع نوعا آخر من الجهود: تحرّك سياسي ضد الحكومة اللبنانية. هكذا ينبغي أن تتصرّف قيادة سياسية تضع لنفسها هدفاً، وتسعى إلى تفكيك ما يُسمّى بحزب الله بكل الوسائل الممكنة، وليس فقط عبر العمل العسكري.
بالنظر إلى الماضي، نجد أن هذا هو العنصر المفقود تحديدا في سلوك الحكومة الحالية خلال جميع الصراعات التي شهدتها السنوات الثلاث الماضية: عدم الرغبة، بدافع سياسي، في اتخاذ إجراء سياسي حاسم.
ففي قطاع غزة، على سبيل المثال، كان من الضروري اتخاذ مثل هذه الخطوة مع قيام السلطة الفلسطينية أو أي قوة معتدلة مماثلة على أنقاض حماس. أما في لبنان، فالأمر يتعلق بضياع وقت ثمين منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
في الوقت نفسه، كان حزب الله يمرّ بأدنى مستوياته. مع ذلك، فضّلت إسرائيل التركيز على المزيد من الاغتيالات والتفجيرات، دون السعي إلى حل مشترك مع الحكومة اللبنانية. فما كان يُمكن انتزاعه من حزب الله آنذاك، بات اليوم أكثر صعوبة في ظلّ الدعم الإيراني المُتجدد.
من المُقرّر استئناف المحادثات بين إسرائيل والحكومة اللبنانية في واشنطن خلال الأسبوعين القادمين. يرى حزب الله في هذه المحادثات أحد أكبر التهديدات التي واجهها على الإطلاق، وفرصةً ذهبيةً لإسرائيل والحكومة اللبنانية. وللمرة الأولى، لا تُهدّد قوةٌ عسكرية حزب الله – أقوى تنظيمٍ عسكري في لبنان – بل كماشة سياسية تُطبق عليه تحت رعاية دولية.
سيجد الإيرانيون، الذين فازوا بالنقاط في هذه الجولة، صعوبة وتعقيدا أكبر في التأثير على هذا المسار المُلتفّ، الذي يحظى أيضاً بدعم ضمني من الدول العربية المُعتدلة.

