الصحف

هل نحن الأكثر ذكاء في السوق..؟ خطأ اسرائيل التاريخي الفادح على الحدود الشمالية

الاعلام العبري:
صحيفة “يسرائيل ها يوم”:

 

تسفي هاوزر

لو كانت دولة إسرائيل، دار نشر، لكانت تبيع سيلاً من كتب الحرب والتجسس الجديدة في معرض أسبوع الكتاب لعام ٢٠٢٦. وعلى النقيض من قصص المعجزات والعجائب الإسرائيلية، لكان الجناح التركي القطري يعرض كتاباً واحداً فقط، وهو أطلس الشرق الأوسط في طبعة جديدة ومُحدّثة.
أحياناً، لا بد من العودة إلى أسبوع الكتاب لفهم حجم الفجوة بين تركيز الجهود الإسرائيلية وتركيز جهود أعدائها في الشرق الأوسط. كنا نظن أننا الأذكى في السوق، لكن الشك بدأ يتسلل إلينا اليوم. لقد غيّرت إسرائيل وجهها مؤخراً. غيّرت أحداث السابع من أكتوبر نمط تفكير نتنياهو، ومعه أنماط تفكير المؤسسة العسكرية والإعلامية. فبدلاً من استراتيجية وطنية خالية من الشك والسلبية والمماطلة، تبنت إسرائيل سياسة الاحتكاك والمبادرة. تغييرٌ بدأ ليلة عملية تفجير”اجهزة البيجر” في لبنان، وتُوِّج بشنّ ضربات على إيران.
ما كان ينبغي على نتنياهو فعله منذ عام ٢٠١٤، فعله بتأخير عقد من الزمن وبثمنٍ باهظ لم يتوقعه هو ولا غيره في المؤسسة العسكرية. كان ينبغي أن تُشكّل إنجازات الاحتكاك والمبادرة الهجومية “طبقًا من ذهب” لتبنّي وتطبيق مفهوم جيوسياسي يليق بقوةٍ إقليمية. كان على إسرائيل أن تُركّز على الأمر الوحيد المهم في منطقتنا، وهو شكل خرائط الأطلس المُحدَّثة للمنطقة. هذه هي المنافسة الحقيقية الوحيدة القائمة، وهذا هو الشيء الوحيد الذي سيبقى بعد أن ينقشع غبار المعارك.
في هذه المنافسة، تخسر إسرائيل رغم الظروف الممتازة التي كانت مُتاحة لها في البداية: الإرادة الجماعية للمجتمع الإسرائيلي، والتفوّق التكنولوجي، والانتصارات التكتيكية البارعة، والدعم الأمريكي غير المسبوق.
إنّ اقتراح ترامب الأخير، بان يتولى أحمد الشرع معالجة موضوع حزب الله في لبنان، هو نتيجةٌ ساخرةٌ مباشرةٌ لفشل إسرائيل في وضع خرائطٍ شاملة للمنطقة. سوريا الجديدة هي واحدة من الأخطاء السبعة للقيادة الإسرائيلية الحالية: لم تُدرك إسرائيل تماما أهمية تشكل وكيل تركي على حدود الجولان بدعم أمريكي. لم تُدرك إسرائيل في حينه أن سوريا كدولة موحدة ومستقرة تُمثل تهديدا استراتيجيا لها، وسمحت للنظام السوري الجديد بتأسيس نفسه دون قيد أو شرط، وبالأخص دون مطالبة صريحة بالتنازل عن الجولان، ولم تُجرِ أي نقاش مع الأمريكيين لإدراج هذا الشرط ضمن اعترافها بالنظام الجديد. لم تُراعِ إسرائيل أن وجود نظام مُستقر في سوريا يعني إمكانية عرقلة “طريق السلام” الذي يُفترض أن ينقل الطاقة والاتصالات من الهند إلى أوروبا عبر إسرائيل، ولم تُنشئ ممرا بريا إلى منطقة جبل الشيخ الدرزي، يسمح بإقامة حكم ذاتي للدروز في سوريا. لقد استُنفدت فرصة سوريا بعد سيطرتنا على جبل الشيخ والمنطقة العازلة، وهي سيطرة مؤقتة نُفذت من منظور عسكري تكتيكي، ووفقا للتطورات الأخيرة، ستظل هذه المسألة مطروحة على طاولة المفاوضات. لم يجرؤ أحد على التفكير أبعد من هدف الدبابة. إنجاز حزب الله:
لا تزال إسرائيل عاجزة حتى الآن عن إدراك أن موجة التسونامي التركي القطري لن تغيب عن مرتفعات الجولان. لم تبذل إسرائيل أي جهد لإشراك دول أخرى، كالأرجنتين والمجر، في الاعتراف بالجولان الإسرائيلي، إلى جانب اعترافها بالنظام السوري الجديد. لن نتفاجأ إذا انقلب الأمريكيون علينا، وأعادوا الجولان عاجلاً أم آجلاً إلى طاولة المفاوضات، بينما يُعدّ الأتراك والقطريون والسعوديون في الخفاء، ما سيُطلب منا قبوله. وحينها فقط، ستدرك القيادة الإسرائيلية أنها كان عليها مضاعفة المستوطنات في الجولان، ثلاثة أضعاف، ما دام ذلك ممكناً لمنع أي انسحاب مُحتمل. دعونا نأمل ألا يكون الوقت قد فات.
وفي لبنان أيضاً، لم تستوعب إسرائيل بعد أهمية الإنجاز الاستراتيجي لحزب الله، رغم آلاف الضحايا الذين تكبدتهم. هذا التنظيم الإرهابي هو الجهة الوحيدة في تاريخ إسرائيل التي نجحت في تقليص عدد سكان منطقة بأكملها وإفراغ بلدات من سكانها. لقد حوّل حزب الله بلدات المطلة وكريات شمونة وشلومي إلى مدن أشباح. صحيح أنه لم يحقق نصرًا في ساحة المعركة، إلا أنه وضع علامة استفهام حقيقية على قدرة إسرائيل على التمسك بمنطقة الشمال. إنه الجهة العربية الوحيدة التي نجحت في تغيير التركيبة السكانية لإسرائيل.
لا يكون الرد على مثل هذا الإنجاز العدائي، بهجوم عسكري فحسب، بل بتغيير قواعد اللعبة. كان على حزب الله، وأعداء إسرائيل المستقبليين، أن يدركوا أن العدوان على السكان المدنيين الإسرائيليين سيكلفهم ثمنا دائما، لا مؤقتا، من أراضيهم. هذا هو الجساب الوحيد المفهوم في الشرق الأوسط، وهو الأداة الوحيدة التي تُحقق الردع من جهة، والاحترام من جهة أخرى. ليس إسقاط الأبراج في الضاحية، ولا القضاء على القيادة.
ترفض إسرائيل الاعتراف بعجزها عن حماية سكانها على طول الحدود القائمة. فهي تُنفّذ “عمليات في مجال الوعي والتأثير، وكأن الوضع في الشمال تحت السيطرة. وتروي قصة مفادها أن السلام مع لبنان ممكن، بما في ذلك تفكيك حزب الله من قِبل الحكومة اللبنانية.
لم تكن إسرائيل حكيمة بما يكفي لإجراء حوار مع الأمريكيين منذ البداية بشأن التعديلات الحدودية الضرورية والبسيطة في جنوب لبنان: التلال المُسيطرة، ونقاط المراقبة، والمساحات الطبوغرافية، وخطوط السيطرة التي بدونها يفقد مصطلح “أمن سكان الشمال” معناه الحقيقي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى