مقالات رأي

بين سقف اليمين المتطرف وضوابط واشنطن: أبعاد مناورات نتنياهو التصعيدية وحسابات التجديد النصفي لترامب

 

حسن حردان

يتخندق المشهد السياسي والانتخابي في كيان الاحتلال “الإسرائيلي” خلف متاريس مزمنة من الحسابات الشخصية والحزبية المأزومة، حيث يحاول رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو تسخير جبهات القتال والمواقف الخشنة كورقة أساسية لضمان بقائه السياسي. ويمثل السلوك السياسي لنتنياهو في هذه المرحلة نموذجاً معقداً لتدوير الزوايا بين ضغوط معسكر اليمين المتطرف الحاكم، وسطوة القيود والخطوط الحمراء التي تفرضها إدارة دونالد ترامب الساعية بشتى الطرق لتثبيت الاستقرار الإقليمي، وحماية حساباتها الانتخابية الحساسة.

أولاً: صخب الخطاب الاسترضائي
الهروب إلى المزايدات اليمينية
يعاني نتنياهو من تصدّع داخلي متسارع وضغوط غير مسبوقة من القواعد الحزبية والحريدية الغاضبة، فضلاً عن استحقاقات انتخابات محتدمة. ولتعويض هذا التآكل في شعبيته، يعتمد استراتيجية “التشدّد اللفظي والميداني” الموجهة بالدرجة الأولى لخطب ودّ حلفائه في أقصى اليمين (مثل بن غفير وسموتريش وغيرهم)، عبر رفض الصيغ الدولية للتهدئة والتلويح الدائم بعرقلة أيّ مسارات للانسحاب أو التسوية. هذا الرفع المتعمّد للسقوف السياسية يهدف إلى قطع الطريق على أيّ تفكك ائتلافي محتمل قد يطيح بحكومته قبل وصوله إلى صناديق الاقتراع.

ثانياً: “غض النظر” الترامبي المؤقت
في المقابل، تتعامل إدارة ترامب مع هذه المناورات الصاخبة بقدر عالٍ من البراغماتية، تتجاوز الاعتبارات الإقليمية البحتة لتلامس عمق حسابات التجديد النصفي للكونغرس:
تأمين الدعم المالي والسياسي: يدرك المعسكر الجمهوري الدور المحوري الذي تلعبه شبكات النفوذ والتمويل الضخمة للوبي “الإسرائيلي” في الداخل الأميركي في ضخ الأموال ودعم المرشحين الموالين لخط ترامب. لذلك، فإنّ غضّ الطرف عن صخب نتنياهو يجنّب الإدارة صداماً مبكراً ومكلفاً مع هذه الدوائر الضاغطة عشية الانتخابات.
توحيد الصف الانتخابي: يتيح التغاضي عن مناورات اليمين الإسرائيلي لترامب الحفاظ على تماسك قاعدته الإنجيلية واليمينية الصلبة، وإبقاء المانحين والدوائر المؤيدة لـ “إسرائيل” في صف المعسكر الجمهوري في مواجهة الاستقطاب الحاد مع الحزب الديمقراطي.
وعلى الصعيد الإقليمي، تدرك واشنطن جيداً أن ما يطلقه نتنياهو من تصريحات تصعيدية أو رفض معلن لخطط التسوية هو في جوهره “ديكور انتخابي” استهلاكي. وطالما أنّ هذا الصخب لا ينفلت إلى خطوات ميدانية فوضوية تنسف جوهر الرؤية الأميركية، وتحديداً تلك المتعلقة بالتهدئة في الممرات الاستراتيجية (مثل منطقة مضيق هرمز وخفض التوتر الإقليمي الشامل)، فإنّ الإدارة الأميركية تختار التغاضي المؤقت، مانحةً حليفها هامشاً تكتيكياً محدوداً لتنفيس احتقانه الداخلي.

ثالثاً: معادلة
“سقف الضوابط الأميركية”
لكن هذا الهامش الممنوح لنتنياهو ليس مطلقاً، بل يحكمه سقف صارم ترسمه واشنطن بدقة:
منع الانزلاق المدمّر: ترفض واشنطن قطعياً أن تتحوّل رغبات نتنياهو الحزبية إلى مغامرات عسكرية واسعة تفجر مساعي الاستقرار الإقليمي أو تهدّد خطط الطاقة وأمن الممرات المائية الحيوية، بعد ان وصل خيار القوة العسكرية إلى طريق مسدود في فتح المضيق بالقوة وفشل في اخضاع ايران للشروط الأميركية.
فصل المناورة عن التنفيذ: تشير تقارير استخبارية وإعلامية إلى أنّ تل أبيب قد تبدي اعتراضات علنية، لكنها في الكواليس والخطوات العملية تحيّد نفسها عن الصدام المباشر مع الرغبة الأميركية الملحة لطي صفحات التصعيد المفتوح.
خلاصة القول: يتحرك نتنياهو على حبل دقيق مشدود بين رغبته الجامحة في مغازلة اليمين المتطرف لضمان البقاء السياسي، وبين الإقرار القسري بأنّ مظلة الدعم الأميركي لترامب تظلّ هي طوق النجاة الاستراتيجي الأخير. وبينما يتقن نتنياهو لعبة “الرفض المعلن والالتزام الضمني” مدعوماً بحسابات ترامب الانتخابية المعقدة لتأمين انتخابات التجديد النصفي، تواصل واشنطن إدارة هذا الوعاء المليء بالتناقضات بسياسة احتواء منضبطة، تضمن عدم انفجار جهود التهدئة الإقليمية الكبرى على مذبح الحسابات الحزبية الضيقة لرئيس الوزراء الإسرائيلي الذي يكافح من أجل طوق نجاته السياسي…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى