ماري حداد… الرئبالة الثائرة على الظلم والفساد في لبنان (٣)

الجزء الثالث
ماجد مهدي*
كانت ماري حدَّاد أَديبةً مُبدِعة يستمدُّ قلمُها مِدادَه من شُعاعاتِ روحها العُلويّ، ويُجسِّدهُ أَنجمًا ساطعة فوق القراطيس! وكانت فنَّانةً مُلهَمة تنسجُ ريشتُها الحالمة أَوجُه الحياة المختلفة، بأَلوانها الزاهية، تُحاكي بها ما أَبدعه اللَّه، ربُّ الخلائق، والفنَّانُ الأَعظم، وذلك إعجابًا منها بصنيع يديه! وكانت مثالاً للبطولة في دفاعها عن الحقّ والحرِّيَّة والعدالة، وفي مجابهة الطُّغاة ودَحْر الطُّغيان! وكانت قلبًا إنسانيًّا ينبضُ بالحبِّ والرحمة والعطف، ويدًا تُبلسمُ جراحَ الفقراءِ والبؤَساءِ والمظلومين والمُضطهَدين!

ماري حدَّاد في أَربعينيَّات القرن العشرين

لوحة فنِّيَّة بريشة ماري حدَّاد تُمثِّلُ بدويَّةً اسمُها

لوحة فنِّيَّة بريشة ماري حدَّاد تُمثِّلُ بدويَّتين تصنعان الخُبز
وتشاءُ لها الأَقدار أَن تتعرَّف إلى الدكتور داهش، رجُل الحقيقة الخالدة، وحامل مشعل الهداية الساطع في الأَرض، وأَن تشاهد المعجزات التي كانت تحدثُ على يديه من أَجل إثبات حقيقة وجود اللَّه، فتنضمُّ على الفور إلى موكب رسالته، وتروحُ تنهلُ من نور تعاليمه ومبادئه، وتقتطفُ من أَزاهير أَدبه وفكره باقاتٍ جميلةً عطِرة تزيِّنُ بها دارتها، وتُقيمُها المقام الأعلى من قلبها وفكرها!…
وتشاءُ شياطينُ الشرِّ المؤبلَسة أَن تقف في وجه الدكتور داهش، وأَن تُنزل به وبرسالته ومُريديه أَقسى ضروب العَسْف والبَغْي والطُّغيان… وإذاها وقد تلبَّسَت صهرَها بشاره الخوري، رئيس الجمهوريَّة اللبنانيَّة (١٩٤٣-١٩٥٢)، وشقيقتَها لور، زوجتَه، وشقيقَها ميشال شيحا، وأَحالتهم أَداةً طيِّعة في أَيديهم!… وكان ما كان من اضطهادهم للدكتور داهش بالاتِّفاق مع رأس الكنيسة الكاثوليكيَّة في لبنان، وتسخيرَهم كافَّة سُلطات الدولة ضدَّه!… وكان ما كان من تجريده من جنسيَّته اللبنانيَّة، ونَفْيه إلى مدينة “أَعزاز” السُّوريَّة القريبة من الحدود السوريَّة التركيَّة، ثمَّ تشريده في أَرض منفاه. فثارت ماري حدَّاد كالرئبالة الجريحة، وراحت تهاجمُهم، وتنشرُ فضائحهم على الملإ. وكان الدكتور داهش قد عاد من منفاه؛ فما لبث أَن انضمَّ إليها، وراح يكتبُ الكتب والمناشير السوداء ضدَّ مُضطهِديه، مالئًا إيَّاها بمخازيهم المُرعبة، جاعلاً من حياتهم جحيمًا لا يُطاق. ونتيجةً لذلك، أَمر رئيسُ الجمهوريَّة، بشاره الخوري، بسَجْن ماري حدَّاد، ثمَّ بنَقلها، بالظُّلم الصارخ، إلى مستشفى المجانين “العصفوريَّة”. فأَمضَت فيه ٧٣ يومًا بين فاقدي نعمة العقل، تعرَّفَت خلالها بنساءٍ ثلاث من آل طربَيْه، هما سيِّدةٌ وابنتاها، وهنَّ مُكتملات العقل. وقد علمَت منهنَّ أَنَّ بشاره الخوري هو الذي زَجَّ بهنَّ في “العصفوريَّة”، بالظُّلم أَيضًا.
الدكتور داهش في شبابه
ولم يُطلَق سراحُ ماري حدَّاد من “العَصفوريَّة” إلاَّ بعد أَن أَصدر الدكتور داهش منشورًا أَسود يطالبُ فيه بإخراجها منه على الفور، مصحوبةً بالسيِّدة طربَيْه وابنتَيْها، تحت طائلة التهديد بنَشْر فضائح تتعلَّقُ بملكة بريطانيا! والسببُ في ذلك هو أَنَّ مبنى مستشفى “العصفوريَّة” كان مقرًّا للجيش الإنكليزيّ، آنذاك، ولأَنَّ مدير المستشفى كان إنكليزيَّ الجنسيَّة، وهو الذي أَصدر تقريرًا كاذبًا اعتبر فيه بأَنَّ ماري حدَّاد مريضةٌ عقليًّا! وقد خرجَت منه في 27 تمُّوز 1945، ولحقَت بها النسوةُ البريئات الثلاث. والجديرُ بالذكر أَنَّ ذاتَ القلم النذل، الخائن للأَمانة، الذي دوَّن في تقريره الأَوَّل بأَنَّ ماري حدَّاد غير مسؤولةٍ عن أَعمالها، وكان السبب في سَجْنها بالظُّلم، هو نفسُه قد عاد فدوَّن في تقريره الثاني بأَنَّها ليست مريضةً عقليًّا، ويجبُ أَن تُعتبَر مسؤولةً عن أَعمالها، وكان السببَ في عودتها إلى الحرِّيَّة! وهذا الأَمرُ، بحدِّ ذاته، قد عُدَّ انتصارًا لماري حدَّاد الصابرة المُحتسِبة التي كانت تحملُ صليبها في كلِّ يوم من أَجل الحقيقة والعدالة ونَيْل رضى اللَّه جلَّ جلالُه!

المنشور الأَسود الذي كتبه الدكتور داهش حول “العصفوريَّة”
أَمَّا موقفُها التاريخيُّ النبيلُ الذي وقفَته حيال النِّسوة الثلاث، فقد أَثبت بأَنَّ دفاعها عن الحرِّيَّات والحقوق لم يكنْ حِكرًا على الدكتور داهش المُضطهَد بالظُّلم، فقط دون سواه، بل شملَ جميع اللبنانيِّين الذين طالَتْهم مظالمُ أَقربائها الحاكمين بأَمرهم، وأَفقرَتهم بفعل السَّمسرات والاحتكارات والسرقات التي كانوا يرتكبونها، والتي ملأَت أَخبارُها معظم الصُّحف اللبنانيَّة، آنذاك، دون أَن تجد لها أُذُنًا صاغية أَو تُحرِّك وترًا واحدًا من مشاعر الإنسانيَّة لدى المسؤولين في البلاد!…
ولم تكتفِ ماري حدَّاد بإرسال العرائض إلى الملوك والرؤساء العرب حول الجريمة التي ارتكبها الرئيس بشاره الخوري بحقِّ الدكتور داهش، وحول جريمة احتجازها التعسُّفيّ في “العصفوريَّة”، بل كانت توصلُ صوتها إلى أَعلى المراجع في العالَم، واضعةً الحكَّام وكبار القادة أَمام مسؤوليَّاتهم الإنسانيَّة والأَخلاقيَّة. ففي 14 آب 1945، وبُعَيد خروجها من “العصفوريَّة”، أَرسلَت عريضةً إلى السيِّد ترومان، رئيس الولايات المُتَّحدة الأَمريكيَّة في واشنطن، وإلى السيِّد أَتلي، رئيس الوزراء البريطانيّ في لندن، تشرحُ لهما فيها أَسباب الاضطهاد الظالم الذي تعرَّض له الدكتور داهش، والدوافع التي تقف خلف إصدارها للكتب والمناشير السوداء، والمقاصد منها، ثمَّ تُبلغهما بأَمر احتجازها في “العصفوريَّة”، قائلةً:
“إنَّ رئيس الجمهوريَّة وشركاءَه هلَعوا مِمَّا قد أُفضي به أَمام المحاكم، فحجزوني في مستشفى المجانين، في “العصفوريَّة” قرب بيروت، للتمويه على الرأي العامّ. هذه هي الحوادث التي تجري في لبنان “المستقلّ” حيثُ نرى أَوَّل مَن يجب عليهم إعطاءَ المثَل الصالح عديمي الشرف والعدالة.”
كما تلفتُ نظرهما في الرسالة إلى مواقف سُفراء الدول الأَجنبيَّة المُتخاذلة من قضيَّة الدكتور داهش، بالقول: “إنَّ جميع ممثِّلي الدول الأَجنبيَّة أُحيطوا علمًا بهذه القضيَّة. ولكنَّنا نظنُّ أَنَّهم لم يُولوها الأَهميَّة التي تستحقُّها، مع أَنَّ الإنسان يعلو شرفًا إذا استخدمَ نفوذه لمناصرة قضيَّةٍ عادلة. لكنَّ الحكومة المحلِّية التي سبَّبَت لنا جميع هذه النكبات تُدلي عن هذه القضيَّة بمعلوماتٍ تُخالفُ الحقيقة التي أَبلغناها إلى البعثات الأَجنبيَّة.” ثمَّ تختمُ عريضتها إليهما بالقول: “سأَكونُ شاكرةً لكم إذا أَعَرتم هذه الصفحات انتباهكم… إنَّنا نعتمدُ على إخاءٍ عامّ يضمُّ الجنس البشريَّ بأَسره… ونَهتدي ببُوصلةٍ لا تنحرفُ عن اتِّجاه الحقيقة والعدالة!”
والجدير بالذكر أَنَّه، بعد أَن أُطلقَ سراحُها من “العصفوريَّة”، لم تُوفِّر ماري حدَّاد أَحدًا من الظالمين والفاسدين في البلاد، مهما علَت مقاماتُهم، من ضربات قلمها المُزلزِلة، وفي مقدَّمهم أَقربُ المقرَّبين إليها. فهي لا تعترفُ بشقيقٍ أَو شقيقة أَو صِهرٍ أَو قريبٍ أَو صديق إذا ما ظَلموا الأَبرياء، واعتدوا على الضُّعفاء، وولَغُوا في دمائهم، واستباحوا حقوقهم، ونَهبُوا أَموالهم، وتكبَّروا وتجبَّروا، ولم يسيروا في نور العدالة وهَدْي الحقّ. وهذا الموقفُ النبيل جعل منها مثالاً للثائرين الأَحرار يُحتذى به على مرِّ العصور، ونَجمةً يُستضاءُ بنورها في مُدلَهمَّات الأَيَّام.

ففي رسالةٍ بعثَت بها إلى شقيقها ميشال شيحا بتاريخ 29 كانون الثاني 1945، بُعيد انتحار ابنتها ماجدا، وتحت عنوان “يا ميشال شيحا إنَّ الشيخ زُنكل قد دفنَّاه معًا“، تُحمِّلُه ومَن معه مسؤوليَّة موتها، قائلةً له: “إلى الدسَّاس ميشال شيحا:
إنَّ أَطهرَ فتاةٍ في هذه الأَرض انتحرَت احتجاجًا على جرائمكم. لقد تآمرتم على رجُلٍ بريء حتَّى جعلتموه يذوقُ من العذاب جُلجُلةً ثانية، وذلك طوال أَشهرٍ مُتعدِّدة؛ وهو ما يزالُ الآن يتأَلَّم. فمن خيانةٍ، إلى سَجْنٍ، إلى ضَرْبٍ، إلى جوعٍ وعطش، إلى عذاباتٍ نفسيَّةٍ وجسديَّة، وهو بدون ملجإٍ، وبدون وطن، مُطارد في كلِّ مكان… بينما والدتُه تتلهَّف، وأُختُه تتعذَّب، وأَصدقاؤه يتأَلَّمون، ويلومون أَنفسهم لأَنَّهم لم يعملوا شيئًا من أَجله ضدَّكم. إنَّ تلك الفتاة العزيزة أَعطَتهم أُمثولة العظَمة والبطولة. فأَنتم، إذًا، سببُ موتها. وها إنَّ دمها يصرخُ ضدَّكم… وفي تخيُّلاتكم الخسيسة الدنيئة، تصوَّرتم عنها تصوُّراتٍ رهيبة. فيا لَعاركم وذُلِّكم! إنَّ أَفكاركم لا تستطيعُ أَن تَبلغَ إلى معرفة سموِّ روح داهش، هذه الروح التي ليست من هذا العالَم؛ ولذلك تجهلونها.
“فباسم موت ابنتي المتوفَّاة بالأَمس، وباسم آلام والدةٍ أَمام التضحية الكاملة التي قدَّمَتْها ابنتُها، إنَّني أُعطيكَ، هذه المرَّة أَيضًا، فرصةً لكي تُتمِّم واجبكَ المقدَّس، وهو أَن تُعوِّض عن جريمةٍ رهيبة ستندمون بسببها ندامةً هائلة، إنْ لم تتداركوها قبل فوات الأَوان… إنَّ اللَّه حيّ؛ إنَّه إلهُ الانتقام من الظالمين للمظلومين. فإنْ لم ترعَووا عن غيِّكم وتَعدلوا اليوم، فلا فائدة من ندامتكم بعد أَن يَحلَّ الجزاءُ الرهيبُ عليكم…”
وفي 18 شباط 1947، بعثَت إليه برسالةٍ تواجهُه فيها بارتكاباته الدنيئة بحقِّ أَبناءِ الوطن. وقد بدَت في رسالتها وكأَنَّها صوتٌ هابطٌ من السماء يُقرِّعُه على ما اقترَفه وشركاؤه في الفساد؛ صوتٌ هادرٌ لا يُقيمُ وزنًا لغير الحقّ؛ فالحقُّ عنده أَحقُّ أَن يُتَّبع!
“أَكتبُ إليكَ لتكون هذه الرسالة شهادةً علنيَّةً بيني وبينك!”…
بهذه العبارة افتتحَت خطابها إليه، قائلةً: “… أَتُريدُ أَن تعمل للخير العامّ بدل أَن تطعنَ أُناسًا شُرفاءَ في ظُهورهم؟ أَلا اذهبْ وانظُرْ ماذا يعملُ شركاؤكَ وأَهلُكَ [بأَموال تبرُّعات] “قرش الفقير” من أَجل مصلحتكم جميعًا. اذهَبْ وانظُرْ لماذا باعوا الپنسلين بأَسعارٍ لا تَرحم؛ وكيف كادوا يحتكرون الأَجهزة النادرة على حساب التجارة اللبنانيَّة؛ وكيف لجأُوا إلى تدابير شائنة فشاركوا تجَّارًا جشِعين من أَثرياء الحرب الجُدُد ليرفعوا الأَسعار، جاعلين الحياة لا تُطاق لدى الطبقات الفقيرة؛ وكيف يُثرونَ بتهريب “الحشيشة” والأَسلحة…
أَتريدُ أَن تعملَ من أَجل المصلحة العامَّة؟ إذنْ اذهَبْ وانظُرْ إلى أَيَّة جيوبٍ تذهبُ ملايينُ الليرات من صناديق الدولة. أَيُمكنُ، بعد ذلك، أَن يُطلبَ إلى الموظَّفين الصغار أَن يُمارسوا وظائفهم مُمارسةً شريفة، وإلى رجال الشُّرطة والدرك أَن يسهروا على أَمن الشعب مُخاطرين بحياتهم أَحيانًا، بينما هم شُهودٌ للانحرافات والفساد عند الكبار؟ إنَّ بلدهم التاعس لا يُتيحُ لهم غالبًا أَن يؤمِّنوا ضرورات العيش، إذا كان لديهم عائلة، أَو أَن يُرسلوا أَولادهم إلى المدارس… وفضائحُ الإغاثة، والأَراضي المُستملَكة، والكتابات المُزوَّرة في المصالح العقاريَّة، والسرقاتُ الضخمة في دوائر البريد؟… وفضائحُ التُّرابة، وخيوطُ النسيج، والطحين، والسيَّارات، ومكاسبُ الحرب… ماذا أَقول؟ ماذا أَقول؟ من عرَق الطبقات البائسة أَثرَت عصابةٌ (أَنتَ واحدٌ مُتستِّرٌ منها). إنَّ المالَ المُغتصَب يُنفَقُ أَيضًا على الجولات الرئاسيَّة التهريجيَّة، وحَشْد المُصفِّقين، والمُلصَقات، والصُّور، والدعاية الصحافيَّة. كما يُنفَقُ على ابتياع الضمائر… والعدالة؟ باستثناءِ بعض القُضاة المُستقلِّين الشُّرفاء، كم من قُضاةٍ عبيد يرتكبون المظالم عند تهديدهم بالصَّرف! لم تكن الجريمةُ يومًا في لبنان بهذه الكثرة، ولا السرقاتُ بهذا العدد، ولا اختلالُ الأَمن في مثل هذا الشمول، ولا الفسادُ في مثل هذا الانتشار!…”
وفي الرسالة نفسها، تشهرُ ماري حدَّاد قلمها في وجه مواعظ شقيقها الباطلة في موضوع وحدة الأَحزاب والطوائف، متَّهمةً إيَّاه بالعمل على التفرقة بين الأَحزاب، وبإيقاظ الفتنة الطائفيَّة من خلال تعزيز الطوائف على حساب الطائفة الأَكثر عددًا، قائلةً له:
“إنَّك تَعظُ على الدوام بالوحدة بين الأَحزاب جميعًا كما بين الطوائف طُرًّا؛ تَعظُ بحرِّيَّة المعتقد… لكنَّ التباغض بين الأَحزاب لم يكنْ يومًا عنيفًا مثلما هو اليوم. مثالُه: فُصلَ موظَّفون ذوو مناصبَ عالية من الخدمة، لأَنَّهم توجَّهوا إلى المطار للسلام على إميل إدِّه، لدى عودته من أُوروبا، منذ بضعة أَشهر، والسببُ في ذلك أَنَّ إميل إدِّه هو رئيسُ حزبٍ مُناوئ لحزب بشاره الخوري. كذلك فالتعصُّبُ الدينيُّ لم يبلغْ من الحدَّة في يومٍ من الأَيَّام ما بلغَه اليوم. وأَنتم آخذون في تأجيج ناره بصورةٍ مُنتظمة، وذلك بتمييز بعض الطوائف على طائفةٍ معيَّنة، مع أَنَّها تشكِّلُ الأَكثريَّة!..”

وفي رسالةٍ أُخرى بعثت بها إليه في عام 1948، في معرض دفاعها عن الدكتور داهش، وتحت عنوان “كتابٌ مفتوح إلى الذي كان أَخي… ميشال شيحا“، تخاطبُه قائلةً:
“لقد اضطهَدتَ رجُلاً صالحًا بريئًا ونحن دافَعنا عنه… وحاولتَ بمختلف الأَساليب أَن تُقنعَ القُضاة بأَن يَحكموا عليَّ بأَن أَقضيَ في السِّجن عدَّة سنواتٍ، لأَنَّني نشرتُ بإمضائي عدَّة كتب عن القضيَّة الداهشيَّة مُدافعةً فيها عن الحقِّ والحرِّيَّة. وجميعُ الناس يعلمون هذا الأَمر، وهم يلعنونَك. هذه هي أَعمالُك. هذا هو تنفيذُكََ لمبادئ المحبَّة والعدالة الإنجيليَّة، تلك المبادئ التي تُردِّدُها كلَّ يومٍ، وتُوزِّعُها بسخاءٍ من على منبر جريدتكَ ’له جور‘.”
وعن علاقة لبنان بالسوريِّين التي كانت موضوع مقالةٍ له، لم تتورَّع عن الردِّ عليه في الرسالة نفسها، متَّهمةً إيَّاه بالمراوغة في كلامه، وبإطلاق الادِّعاءَات الفارغة حول الحرِّيَّات في لبنان، وبالإثراء غير المشروع على حساب الفقراء والمُعوَزين، مخاطبةً إيَّاه بالقول:
“في العدد المؤرَّخ في 10/2/1948 من صحيفتك، كتبتَ عن إخواننا السوريِّين قائلاً: ’إنَّ روح الأُخوَّة يجب أَن تَرعى حياتنا اليوميَّة… وعليهم أَن يعرفوا أَنَّنا نُحبُّ الاستقلال بقدر ما نُحبُّهم، وأَنَّ لبنان هو بلدُ الحرِّيَّات بقدر ما هي البلدانُ الأُخرى بل بأَكثر ما هي…‘ هذا ما يُسمَّى خداعًا بالكلام. أَمَّا أَنا فإنِّي أَصدعُ عاليًا بما يقولُه الآخرون أَو يكتُمونه حسب أَمزجتهم. إنَّك لا تنظر إلاَّ لمصالحك الشخصيَّة على حساب الفقراء اللبنانيِّين حتَّى لو كان العوَز سيُودي بهم لا محالة. فأَنتَ تمتدحُ الاستقلال، لكنَّه لا يُفيدُ إلاَّ فئةً تَعرفُ استخدامه لتأمين مصالحها الخاصَّة فقط. لا، إنَّ لبنان ليس بلد “الحرِّيَّات”، وهذا اليقين بلَغتُه بما بذَلتُه من تجاربي أَنا وآخرون كثيرون. كيف جرؤَتْ يدُك على كتابة كلمة “الحرِّيَّات”، في حين أَنَّكَ، نفسَك، بتعصُّبكَ الدينيّ، تعتدي حتَّى على حرِّيَّة المُعتقد التي تُحتَرم في جميع البلدان المتحضِّرة؟! كيف يحقُّ لكَ أَن تنصحَ الناس بأَن يتَّبعوا تعاليمَ الإنجيل، وأَفعالُكَ تُناقضُ ما تَعظُ به علنًا؟! كيف يحقُّ لكَ أَن تتكلَّمَ على المحبَّة والرحمة، وأَنتَ تُدمي، بقلبٍ فَرِح، قلوبَ أُسرٍ كثيرة؟!…”
وفي الرسالة نفسها، لم تبخلْ عليه بالمزيد من عبارات التقريع؛ كلُّ عبارةٍ فيها كانت تضعُه وجهًا لوجه أَمام وِزْرٍ من أَوزاره الكثيرة، وتُثقلُ كاهله بمزيدٍ من أَعباءِ المسؤوليَّة الروحيَّة التي ستترتَّبُ على أَعماله الظالمة ومفاسده. لكنَّها ما لبثَت أَن أَتبعَتها بحُكمٍ عادلٍ صارم أَصدرَته بحقِّه، وبحقِّ مَنْ معه من الظَّلَمة؛ حُكمٍ لا يُجاريه أَيُّ حُكمٍ في الدُّنيا، مهما بلغَ من القسوة والشِّدَّة! وقد نطقَت به بالفَم الملآن، قائلةً:
“لقد تلوَّثتم إلى الأَبد، ولا شيءَ يُمكنُه أَن يُطهِّركم؛ حتَّى لو صُلبَ السيِّدُ المسيح ثانيةً، لَما استطاع أَن يغسلَ عاركم!“… (للمقالة تتمَّة)
* كاتبٌ لبنانيّ مُقيم في كندا


