هندسة حافة الهاوية: كيف أعاد مضيق هرمز ضبط إيقاع نتنياهو في جنوب لبنان؟

حسن حردان
بات واضحاً انه لولا إمساك إيران بورقة مضيق هرمز وتهديدها المباشر لأمن الطاقة، لما وجدت واشنطن نفسها في موقع المجبَر لفرض قيود صارمة على أطماع وسلوكيات رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو العسكرية في لبنان، ولتركت له هامشاً أوسع للمناورة تحت العنوان المزعوم “حق الدفاع عن النفس”. لهذا فإنّ إمساك إيران بمفتاح الملاحة في هرمز هو ما يمكّنها من جعل الرئيس الأميركي دونالد ترامب في وضع القلق على الأسواق وانعكاسها على الداخل الأميركي، ومضطر الى ضبط نتنياهو ومنعه من التسبّب بانفجار في الإقليم وتخريب جهود الوساطة العُمانية مع إيران لفتح مضيق هرمز وانعاش الاقتصاد العالمي.
من هنا يمثل المشهد الإقليمي الراهن لوحة معقدة من التداخلات الاستراتيجية، حيث لم يعد من الممكن فصل الجبهات العسكرية والسياسية بعضها عن بعض. ولعلّ التطور الأبرز الذي يفرض نفسه على سطح الأحداث هو ذلك الارتباط الوثيق بين مفاوضات وميدان جنوب لبنان من جهة، وبين أمن الملاحة في مضيق هرمز ومساعي التهدئة الاقتصادية الأميركية من جهة أخرى. هذا التشابك المعقّد أسفر عن معادلة جديدة تجلّت في اضطراب حسابات رئيس وزراء العدو “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو تحت ضغط أميركي مباشر تقوده إدارة الرئيس دونالد ترامب.
أولاً: ترابط الساحات…
هرمز صمام أمان عكسي
أثبتت التطورات الميدانية والدبلوماسية الأخيرة ـ لا سيما تعثر جولات مفاوضات “روما” واصطدام خطط جيش الاحتلال “الإسرائيلي” بجمود حيال آليات الانسحاب والرقابة في جنوب لبنان ـ أنّ استراتيجية “فصل الجبهات” التي سعت حكومة نتنياهو لتكريسها قد وصلت إلى طريق مسدود.
فحين تحاول حكومة العدو إبقاء الجبهة اللبنانية مشتعلة أو الدفع نحو حافة الانفجار العسكري الواسع، فإنها تصطدم بحقيقة استراتيجية كبرى هي: أنّ طهران تمتلك ورقة ضغط استراتيجية موازية تتمثل في أمن الطاقة ومضيق هرمز.
لقد نجحت إيران في جعل استقرار الملاحة البحرية وحرية تدفق النفط مرتبطاً بمدى التهدئة على سائر الجبهات. هذا الربط لم يكن مجرد شعار سياسي، بل تحوّل إلى أداة ردع اقتصادي كبرى ترفع كلفة أيّ تصعيد “إسرائيلي” شامل بوجه واشنطن لا بوجه تل أبيب وحدها.
ثانياً: ضغوط ترامب لضبط نتنياهو
حسابات الاقتصاد وأمن الطاقة
إنّ حساسية إدارة دونالد ترامب المفرطة تجاه الاقتصاد العالمي، وأسعار الوقود، واستقرار الأسواق المالية، تجعلها في قمة القلق من أيّ اهتزاز في منطقة الخليج ومضيق هرمز.
عندما تتعمّد حكومة العدو الدفع نحو تفجير الوضع في لبنان، فإنّ الارتداد العكسي لذلك يهدّد مباشرة بـإغلاق مضيق هرمز أو تفجير توترات واسعة في الخليج، مما ينسف جهود الوساطة الكبرى (مثل الوساطة العُمانية) التي تقودها واشنطن لإبرام تسويات اقتصادية مع إيران وإنعاش الاقتصاد العالمي.
من هنا، وجد الرئيس الأميركي نفسه مضطراً إلى التدخل وفرض قيود صارمة على سلوك نتنياهو، كابحاً اندفاعه العسكري نحو حرب مفتوحة في لبنان.
بغضّ النظر عن التسميات الدبلوماسية ـ سواء سمّتها واشنطن “إدارة مخاوف استراتيجية وضبطاً للحليف” أو اعتبرها المراقبون “استجابة لشروط تلازم الجبهات” ـ فإنّ المحصّلة العملية واحدة: التهديد الإيراني من بوابة هرمز هو العصا التي أجبرت البيت الأبيض على تقييد حركة نتنياهو ومنعه من جلب الكارثة الاقتصادية والسياسية على الإدارة الأميركية.
ثالثاً: الدلالات الاستراتيجية للمشهد
تحمل هذه التطورات في طياتها دلالات عميقة ترسم ملامح المرحلة المقبلة:
الدلالة الأولى: سقوط الرهان على “الساحات المنفصلة”: سقط رهان نتنياهو على إمكانية فصل الساحات أو توجيه ضربات حاسمة ومستقلة في جبهة دون دفع الأثمان في جبهات أخرى. الميدان أثبت أنّ غرفة العمليات الإقليمية والترابط العضوي بين مسارات الإقليم هما الفاعل الحقيقي.
الدلالة الثانية: حدود التأثير الإسرائيلي على الأجندة الأميركية: أظهر تدخل ترامب لفرملة نتنياهو أنّ المصالح القومية والاقتصادية للولايات المتحدة تعلو على أيّ طموحات سياسية عسكرية إسرائيلية ضيقة، وأنّ واشنطن لن تسمح لرئيس وزراء العدو بأن يكون “المعطل” الذي ينسف استراتيجيتها الكبرى في الخروج من مستنقع حروب المنطقة، التي ورّطتها فيها رهانات نتنياهو الخائبة.
النتيجة الثالثة: نجاح ورقة الردع الاقتصادي: أثبتت التجربة أنّ امتلاك إيران أوراق ضغط نوعية في الممرات المائية الحيوية قادر على صناعة معادلات توازن وتكبيل للخيارات العسكرية الأميركية “الإسرائيلية” الهجومية، وبالتالي محاربة بذلك أيّ نزعة لتوسيع نطاق الحروب.
رابعاً: النتائج المؤكدة
النتيجة الأولى: إلزام نتنياهو بسقف العمليات المحدودة: إنّ الضغط الأميركي يحصر التحركات الإسرائيلية في جنوب لبنان ضمن هوامش ضيقة ومضبوطة، مانعاً إياها من الانزلاق إلى حرب شاملة قد تخرج عن السيطرة.
النتيجة الثانية: إعطاء الأولوية للحلول الدبلوماسية والاقتصادية: بات واضحاً أنّ أيّ تسوية في لبنان باتت مرهونة بالضرورة بمدى التقدّم في مسارات التهدئة الشاملة واستقرار أسواق الطاقة، مما يجعل مسار “روما” والمفاوضات التقنية محكوماً بالديناميكيات الإقليمية الأوسع لا بالمعايير العسكرية الميدانية وحدها.
النتيجة الثالثة: ترسيخ حقيقة تلازم المسارين: النتيجة النهائية المؤكدة هي أنّ أمن الملاحة في هرمز واستقرار لبنان باتا وجهين لعملة واحدة في صراع الإرادات الإقليمية والدولية الراهن.


