الصحف

صحيفة يديعوت احرونوت: مفاوضات بأدوات متشابكة

دورون هدار
قبل أكثر من ألف يوم، وقع هجوم 7 أكتوبر. هدفت خطة يحيى السنوار، “طوفان الأقصى”، إلى توحيد جميع جبهات “محور الشر” بهدف تدمير إسرائيل وإطلاق سراح جميع الأسرى الفلسطينيين. كان السنوار، الذي قُتل لاحقًا – ولحسن الحظ – يأمل في توحيد جميع الجبهات: غزة، لبنان، إيران، وعرب إسرائيل. كان يعتقد أن توحيد القوات في هجوم متزامن سيُخضع إسرائيل ويحقق الأهداف المنشودة.
فشلت خطة توحيد الجبهات. حزب الله في لبنان، بقيادة حسن نصر الله، الذي قُتل لاحقا، لم يدخل الحملة بكامل قوته فعليا إلا بعد ثلاثة أيام، واكتفى بنيران المدفعية المضادة للدبابات من ارتفاعات عالية. لم تُفعّل قوات رضوان خطة الغزو البري التي كانت مُعدة لسنوات. ولم يشارك العرب في إسرائيل، الذين سبق لهم المشاركة في الصراع في المدن المعنية خلال عملية “حارس الجدران”. كما خشيت إيران، بقيادة المرشد الأعلى علي خامنئي الذي أُطيح به أيضاً، من التدخل في العملية، على ما يبدو بسبب حاملات الطائرات والغواصات التي أرسلها الرئيس بايدن إلى المنطقة، وأيضاً بعد خطاب “لا” الذي حذّر فيه من أن دخول إيران في العملية سيثير رداً أمريكياً قاسياً.
بعد ثلاث سنوات، وبعد قتال عنيف خاضه الجيش الإسرائيلي في القطاعات الثلاثة المذكورة آنفاً، والقضاء على معظم القادة وصنّاع القرار، تجد إسرائيل نفسها في مواجهة قادة جدد، تولوا زمام الأمور، وفي مواجهة منظمات نجت: حماس، وحزب الله، والحرس الثوري. ترى هذه المنظمات في بقائها إنجازا، وقد ازدادت رغبتها في الانتقام، ويُعترف بها جميعاً كطرف يتفاوض مباشرة مع الوسيط الرئيسي، الولايات المتحدة. وهكذا حققت خطة سنوار أحد أهدافها الرئيسية، وهو توحيد الساحات. ويتم ذلك من خلال المفاوضات التي تُجرى بالتزامن مع المنظمات الثلاث من قِبل الولايات المتحدة وبمشاركة قطر، الممول الرئيسي لـ”محور الشر”.
تُجرى المفاوضات وفقًا لمبدأ الأدوات المشتركة، ويمكن ملاحظة وجود صلة بين غرف المفاوضات. ورغم أن الاتفاق الإطاري، أو وثيقة التفاهم المكونة من 14 بندا التي ترأسها نائب الرئيس الأمريكي جيه. دي. فانس مع إيران، لا يُشير صراحةً إلى حزب الله أو لبنان، إلا أنه يتضمن بيانا يُشير إلى وقف إطلاق النار في جميع الساحات. أما في الاتفاق الإطاري، الذي ترأسها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، بين إسرائيل ولبنان، لا يُشير الاتفاق إلى إيران أو حزب الله. ومع ذلك، يتضمن بيانا عاما بشأن نزع سلاح جميع القوات المسلحة في لبنان. هذا التعبير الحذر، لم يكن عبثا، بل كان الهدف منه عدم تقويض المحادثات النووية في سويسرا.
لا يتطرق الاتفاق المكون من عشرين بندا مع حماس إلى ساحات أخرى، ومع ذلك، لا يوجد أي إشارة إلى المحور الذي يموّل حماس، وهو في هذه الحالة قطر وإيران. عمليا، تتجاهل الاتفاقات الصلة بين هذه الساحات، ولهذا السبب تحديدا، تسمح ببقاء الوضع الراهن على حاله، وهو وضع يمكّن “محور الشر” من مواصلة مخططاته الخبيثة، بينما تجري المفاوضات بشأن الاتفاقات الكاملة بشكل متقطع وبطيء، على الرغم من الواقع على الأرض.
يعمل الواقع على الأرض كأدوات متشابكة: عملية تصفية في غزة، تؤدي إلى تصعيد في لبنان، والتصعيد في لبنان يؤدي إلى رد إيراني، والتوترات في إيران تؤدي إلى إطلاق نار من لبنان.
عمليا، لا تزال الساحات مترابطة، ولا يزال “محور الشر” موجودا ويعمل على استعادة نفوذه المتآكل. ويستغل الطرف الآخر الوساطة المشتركة للولايات المتحدة وقطر لتحسين مواقفه على طاولة المفاوضات، مما يخلق له نفوذا في غرفة المفاوضات. بدأ الصراع في جميع القطاعات من غزة، ويجب أن ينتهي فيها.
أولا، من الأجدر بإسرائيل أن تُسرع في تشكيل قوة الاستقرار الدولية، وأن تبدأ بالسيطرة على القطاع وفقا لتقسيمه إلى مناطق، وأن تتعاون في المرحلة الأولى مع السلطة الفلسطينية، وأن تُدخل قواتها إلى رفح، ومنها إلى باقي القطاع. وللتحرك في غزة، تحتاج إسرائيل إلى ربط الدول السنّية المعتدلة، وبالتالي تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة.
بعد التحرك في غزة، تحتاج إسرائيل إلى اتباع نمط العمل في لبنان أيضا، ومن ثم، من خلال “تأثير الدومينو”، تفكيك الحلقة الإيرانية التي بُنيت حولنا لعقود. لا ينبغي أن نكتفي بالسيطرة الحالية على الأراضي في غزة ولبنان. قد تحاول حماس إشعال جولة قتالية بهدف التأثير على جميع غرف المفاوضات التي يديرها الأمريكيون، مما قد يؤدي إلى مطالبة أمريكية بانسحاب قوات الجيش الإسرائيلي من الأراضي التي سيطرت عليها، وهي أراضٍ لا تظهر على خرائط خطة النقاط العشرين.

مسرحية نفاق في أنقرة
ناداف إيال
ما يحدث في تركيا، هو قبل كل شيء، مسرحية نفاق. تركيا يقودها زعيم استبدادي ذو توجه إسلامي واضح. قبل الحرب العالمية الأولى، كانت الإمبراطورية العثمانية تُلقب بـ”الرجل المريض.” أما الآن، فيمكن وصفها باللاعب المُتطرف الجامح على الخريطة الإقليمية. من جهة أخرى، هذا هو المنظور الإسرائيلي. ففي نهاية المطاف، الأتراك هم من ساهموا في إنهاء الحرب في غزة، وهم من ضغطوا لإنهاء الحرب في إيران. صحيح أن لديهم مصالح إمبريالية في سوريا، وربما في لبنان، لكن أليسوا أفضل حالا من إيران..؟ ويقول كثيرون في أوروبا: إنهم أفضل من الحكومة الإسرائيلية الحالية.
القصة الرئيسية لا تقتصر على طائرات إف-35 فحسب، ففيها يحصل الأتراك على منحة لا يستحقونها. لقد كانوا جزءا من هذا المشروع، إلى أن قرر أردوغان، في إحدى نوباته المعهودة، أن الغرب شارك في انقلاب ضده. انتهك بشكل صارخ الاتفاقية المتعلقة بالطائرة المقاتلة، وأمر بشراء أنظمة دفاع روسية. وهكذا، وجدت تركيا نفسها في موقف بالغ التعقيد، وفخ ناتج عن الحماقة: قوة جوية مُنسقة مع حلف الناتو ومع طائرات غربية، لكنها تفتقر إلى الوصول الكامل إلى قطع الغيار والطائرات المقاتلة الأمريكية.
كان من الممكن استغلال هذا الفخ لإجبار أردوغان على التصرف بعقلانية أكبر، لا سيما فيما يتعلق بإسرائيل. لكن هنا يبرز النفوذ التركي في العواصم الغربية، بما فيها واشنطن، وهو نفوذ بالغ الأهمية. فاليوم، تتمتع أنقرة بنفوذ قوي لدى بعض المسؤولين الحكوميين، يُضاهي نفوذ إسرائيل، بل ربما يفوقه.
تعاونت إسرائيل ومؤسستها الدفاعية بشكل وثيق مع المؤسسة الأمنية التركية. عالمٌ من النفاق والخداع. ظاهريا: خطابات متطرفة من أردوغان ومساعديه، كان آخرهم وزير الخارجية النافذ – وربما خليفته – الذي تحدث بعبارات معادية للسامية بشكل صريح. لكن في الخفاء، على الأقل حتى قبل عام ونصف، كان هناك تعاون وثيق وسري بين المسؤولين الأمنيين في أنقرة و”القدس”، وكل ذلك بموافقة أردوغان.
لكن هذا السد، رغم صموده، انهار تماما. العلاقات بين البلدين تتدهور. ما كان قائماً – تعاون سري مقابل تصريحات تركية عدائية – انتهى. وكان اعتراف إسرائيل بالإبادة الجماعية للأرمن بمثابة الضربة القاضية. وفي الحقيقة، هذه ليست قصة ضد تركيا، بل ضد الولايات المتحدة. فقد استنفدت إسرائيل كل رصيدها في الحرب على إيران. لكن قدرتها على إقناع الولايات المتحدة بضرورة الحفاظ على تفوقها النوعي – لا سيما في مواجهة حليف رئيسي في الناتو، أنتهت تقريبا. وكل من ظن أن الحرب على إيران ستغير الشرق الأوسط كان مخطئاً. فقد نجحت ايران في ضرب عوامل التنسيق وصبر اسرائيل وقدرتها على المناورة في واشنطن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى