الصحف

موقع “زمان إسرائيل” أسود من ورق

رصد الاعلام العبري: 17 / 7
ستيف بالحسن
لن يُفضي التوقيع في واشنطن إلى نزع السلاح على الأرض، ولن يُسدّ هذا الفراغ بالجيش اللبناني الضعيف أو بـ”حل” سوري. في أواخر يونيو/حزيران، وُقّع اتفاق إطاري بين إسرائيل ولبنان في واشنطن، وعقب ذلك مباشرةً، سُمعت تصريحات النصر على جانبي الحدود. هناك بالتأكيد ما يستحق التهنئة، فهذه هي المرة الأولى منذ عقود التي تُوقّع فيها الحكومة اللبنانية وثيقةً تُقرّ فيها بمسؤوليتها عمّا يحدث على أراضيها، وتلتزم بتفكيك جميع المنظمات المسلحة غير الحكومية – وهي صياغة دبلوماسية مُهذّبة تشمل تفكيك حزب الله. لكن ثمة فجوة كبيرة بين إعلان النوايا والواقع على الأرض، وعلينا، كمواطنين إسرائيليين نعيش تبعات هذه النتيجة، ألا نتوهم أن هذه الوثيقة ستحوّل الجيش اللبناني غدا إلى قوة تنزع سلاح حزب الله.
المشكلة ليست في الإرادة، بل في القدرات. من الممكن أن تكون هناك في بيروت، ولأول مرة منذ زمن طويل، قيادة ترغب حقا في تحرير البلاد من عبودية حزب الله وإيران. الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء سلام يصفان الاتفاق بأنه إنجاز دبلوماسي، والرأي العام العلماني والمسيحي في لبنان منهكٌ أيضا من حرب لم يخترها. لكن الإرادة السياسية لا تعني بالضرورة القدرة العملياتية. فالجيش اللبناني، كما تحذر منه بوضوح مراكز الأبحاث الإسرائيلية، أقل شأنا من حزب الله حتى في وضعه الحالي الضعيف. هذا جيش عمل لسنوات طويلة جنبا إلى جنب مع حزب الله أو غض الطرف عندما رسّخ الحزب وجوده في جنوب البلاد، مع وجود بعض أفراد الجيش اللبناني غير الموالين للحكومة اللبنانية والمتعاونين مع حزب الله. مطالبة هذا الجيش بتفكيك منظمة تسيطر على نحو 15-20% من مقاعد البرلمان، وتحظى بدعم واسع في المجتمع الشيعي، وتمتلك قدرات عسكرية مستقلة، ليس مجرد طلب تقني، بل هو طلب قد يُفضي إلى حرب أهلية، وقد لوّح حزب الله بذلك علنا.
هذا ليس مجرد كلام، بل هو إعلان نوايا من منظمة إرهابية تُدرك أنها بمجرد نزع سلاحها، ستفقد مصدر قوتها الحقيقي، ليس فقط ضد إسرائيل، بل ضد المجتمع اللبناني بأسره. لذا، فإن الاتفاقية، مهما كانت صياغتها جيدة، تقوم على فرضية إشكالية، وهي أن حكومة ضعيفة ستُجبر تنظيما مسلحا أقوى على التخلي طواعية عن أسلحته.
في رأيي المتواضع، فإن مشروعا تجريبيا في منطقتين، كما تكشف تفاصيل الاتفاقية، غير كافٍ، وسيكون الإنجاز محدودا. من المقرر أن يُنفذ هذا المشروع التجريبي في منطقة النبطية، بعد أن يُنهي الجيش الإسرائيلي بالفعل التعامل مع بنية حزب الله التحتية، وينقل المسؤولية إلى الجيش اللبناني تحت إشراف أمريكي.
تؤكد إسرائيل بوضوح أنها ستبقى على “الخط الأصفر” وفي المنطقة الأمنية حتى يثبت عمليا، لا بالتصريحات، أن حزب الله لا يعيد بناء نفسه. كما يُقرّ مسؤولون إسرائيليون كبار صراحةً بأنه في حال فشل المشروع التجريبي في الخليتين الميدانيتين الأوليين، فلن يكون هناك انتقال إلى المرحلة التالية. هذه ليست خارطة طريق لتفكيك حزب الله بشكل كامل، بل هي دراسة جدوى دقيقة ومدروسة، تعتمد في كل مرحلة على التحقق الأمريكي الإسرائيلي، وليس على إعلان لبناني.
تحذر معاهد الأبحاث الإسرائيلية أيضا من أنه بدون آلية فعّالة للتغلب على المقاومة السياسية والعسكرية لحزب الله، من المرجح أن يبقى الاتفاق مجرد وثيقة طموحة على الورق، وليس واقعا عمليا.
ماذا عن الحل السوري..؟ هو ليس حلاً، بل مقامرة خطيرة. ومع ذلك، ومن رحم هذا الإحباط، برزت فكرة أخرى في الأسابيع الأخيرة، هذه المرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أعرب عن خيبة أمله من عجز إسرائيل عن إزاحة حزب الله، وزعم أنه على وشك “تسليمه لسوريا”، أي السماح للرئيس السوري أحمد الشرع، المعروف سابقا باسم الجولاني، زعيم حركة الجهاد السلفي، بدخول جنوب لبنان ومحاربة حزب الله. تكمن المشكلة في أن أحدًا لم يطلب من الشرع تقديم هذا الحل، بل إنه رفض العرض علنا، أكثر من مرة. وأوضح أن تصريحات ترامب “أُسيء فهمها”، وأن سوريا لا تنوي “غزو لبنان غدا صباحا”، وأن دورها سيقتصر في أقصى الأحوال على تقديم المساعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، عبر المؤسسات اللبنانية، وليس من خلال التدخل العسكري.
وحتى لو أراد الشرع ذلك، يبقى السؤال مطروحا حول قدرته على ذلك. فالجيش السوري الجديد لا يزال قيد الإنشاء، ويعاني من انقسامات داخلية وطائفية عميقة، وغير مُستعد لعملية عسكرية معقدة خارج حدوده. وصف مسؤولون إسرائيليون، ممن هم على دراية بالوضع من الجانب الآخر للحدود، الفكرة بأنها “واقع افتراضي” – فحزب الله يكاد يكون معدوما في سوريا نفسها، ودخول سوريا إلى لبنان قد يجر دمشق إلى مستنقع، ويزيد من حدة التوترات الطائفية، بل ويمنح إيران وحزب الله سردية جديدة عن “الاحتلال السني”، مما سيقويهما بدلا من إضعافهما.
باختصار: سوريا ليست حلا، بل هي مراهنة على بلد بدأ للتو في التعافي، وقد تنفجر في وجه جميع الأطراف – بما في ذلك إسرائيل. في الختام، مع قليل من الأوهام ومزيد من الصبر، يُعد الاتفاق مع لبنان إنجازا حقيقيا – ولكنه إنجاز دبلوماسي، وليس أمنيا. نزع سلاح حزب الله، إن حدث، لن يتم بمجرد التوقيع على ورقة في واشنطن، ولن يتم بتسليم الملف لجيش أجنبي يرفض توليه أصلاً. بل سيحدث عبر عملية بطيئة، مؤلمة، وتدريجية، تحافظ فيها إسرائيل على حرية تحركها الحقيقية على الأرض، وتواصل الولايات المتحدة الضغط والتحقق من كل خطوة، ويبني الجيش اللبناني تدريجياً، بحرص وتحت إشراف، القدرة والشرعية اللازمتين للقيام بما عجز عنه لعشرين عاماً. من يتوقع نتيجة سريعة – سواء من اتفاق، أو من سوريا، أو من أي طريق مختصر آخر – سيُصاب بخيبة أمل. وكل من يعيش على الحدود الشمالية لبلادنا يعلم أن ثمن الوهم في السياسة أقل وطأة منه على أرض الواقع، لكن في النهاية يُدفع الثمن نفسه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى