الصحف

صحيفة معاريف: ماذا خلف كواليس الصفقة الضخمة ولماذا سارع رئيس الوزراء إلى واشنطن..؟ الدكتورة عنات هوخبرغ-ماروم: متخصصة في الجغرافيا السياسية والأزمات الدولية والإرهاب العالمي.

يُعدّ الاتفاق النووي المدني المُوقّع بين الولايات المتحدة والسعودية، حدثا تاريخيا هاما في الشرق الأوسط، يُثير قلقا بالغا في إسرائيل، كونه سيسمح للرياض ببناء محطات طاقة نووية، بل وتخصيب اليورانيوم على أراضيها. ورغم تأكيدات مسؤولي إدارة ترامب بأنّ عمليات التفتيش الأمريكية ستمنع أي تحوّل لأغراض عسكرية، فإن الاتفاق لا يُلزم السعودية بتبنّي “البروتوكول الإضافي” للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ترى إسرائيل أن هذه الخطوة تنطوي على تداعيات استراتيجية وأمنية خطيرة وبعيدة المدى. فمن منظور استراتيجي أوسع، يُغيّر الاتفاق ميزان الردع الإقليمي، ويتناول قضايا جوهرية: تآكل معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، والشرعية لتخصيب اليورانيوم في المجال المدني، وتسارع سباق التسلح.
لا يكمن القلق الرئيسي في إسرائيل في البرنامج المدني بحد ذاته، بل في السابقة التي يُرسيها. فموافقة الولايات المتحدة على تخصيب اليورانيوم على الأراضي السعودية – رغم نفي ترامب وتصريحه بأن هذه الخطوة مشروطة بانضمام المملكة إلى اتفاقيات أبراهام – تُخفّض مستوى الرقابة الدولية، في وقت تُبذل فيه جهود لوقف البرنامج النووي الإيراني. والرسالة الضمنية هي أن تخصيب اليورانيوم أداة مدنية مشروعة، ما قد يدفع دولا أخرى في المنطقة، ولا سيما تركيا ومصر، للمطالبة بقدرات مستقلة مماثلة.
المفارقة الترامبية:
من وجهة نظر إدارة ترامب، فإن “اتفاق 123” – الذي تُقدّر قيمته بعشرات المليارات من الدولارات، مُصمّم لتطوير البنية التحتية للطاقة ومحركات النمو في السعودية تحت رعاية أمريكية، والحد من نفوذ الصين وروسيا، وتعزيز النفوذ الأمريكي في الخليج، وتوطيد الشراكة الاستراتيجية بين واشنطن والرياض. لكن، من المفارقات أن اتفاقا يُقدَّم على أنه خطوة تجارية تهدف إلى استقرار قطاع الطاقة والأمن والحفاظ على الهيمنة الإقليمية للولايات المتحدة، قد يسمح للسعودية بتطوير قدرات ذات إمكانات عسكرية كبيرة، لا سيما تخصيب اليورانيوم ومعالجة النفايات النووية، وهما مساران تقليديان لإنتاج الأسلحة.
يأتي هذا في الوقت الذي تخوض فيه الإدارة الأمريكية مواجهة شرسة مع إيران لمنعها من تطوير هذه القدرات. بالتالي، قد تفسر طهران الاتفاق لا كآلية ردع، بل كتعزيز للعمق النووي الاستراتيجي لدول الخليج تحت رعاية أمريكية، وهي خطوة من شأنها أن تُفاقم شعورها بالتهديد وتزيد من دوافعها للسعي نحو امتلاك قنبلة نووية. وفي ضوء تصريحات ولي العهد الأمير محمد بن سلمان المتكررة بأن السعودية لن تقف مكتوفة الأيدي إذا ما امتلكت إيران قدرات نووية، قد يتحول الاتفاق من دافع للتطبيع إلى محفز للمنافسة، منافسة نووية إقليمية، متفجرة وخطيرة.
يحوّل ربط الاتفاق باتفاقيات أبراهام والتطبيع مع إسرائيل، هذه الخطوة برمتها إلى أداة ضغط سياسي، ولكنه يكشف أيضا عن جوانب أخرى. تكمن نقطة ضعف جوهرية في السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط في الرغبة بالحفاظ على النفوذ الاستراتيجي عبر اتفاقيات نووية مدنية، دون مراعاة خطورة تداعياتها على التوازن الإقليمي ونطاق تحركات إسرائيل.
بالنسبة للسعودية، يُمثل هذا معضلة مُعقّدة. فمن جهة، تسعى المملكة إلى تعزيز مكانتها الإقليمية، وتنويع شراكاتها، وضمان استقلالها الاقتصادي والطاقي. ومن جهة أخرى، تُدرك الرياض أن التطبيع مع إسرائيل – رغم معارضة 99% من الشعب السعودي لهذه الخطوة دون حل للقضية الفلسطينية – قد يمنحها دعماً أمريكياً أعمق، وشرعية دولية أوسع، وربما نفوذاً أكبر في مواجهة إيران.
إذا فُسِّر الربط بين الاتفاق النووي والتطبيع على أنه إكراه وليس خطوة مدروسة لبناء الثقة، فمن المُرجّح أن تُشدد السعودية موقفها. لذا، فإن السؤال الحقيقي لا يقتصر على ما إذا كانت الرياض ستنضم إلى اتفاقيات أبراهام، بل على الشروط والتوقيت والتكلفة. هذا يعني أن الاتفاق ليس مجرد مسألة طاقة أو بناء مفاعلات أو نقل تكنولوجيا متقدمة، بل هو خطوة تُعيد تشكيل بنية القوى الإقليمية، وتُوسّع نطاق المخاطر، وتُنشئ واقعا استراتيجيا جديدا أقل استقرارا وأقل قابلية للتنبؤ وأكثر خطورة.
من وجهة نظر إسرائيلية، يُقوِّض الاتفاق – الذي يشمل أيضا صفقات فرعية لبيع أنظمة أسلحة متطورة، من طائرات مقاتلة متقدمة إلى أنظمة دفاع جوي وقدرات سيبرانية واستخباراتية – الافتراضات الأساسية لمفهوم الأمن القومي. فإلى جانب خطر سباق التسلح وتآكل التفوق العسكري النوعي، يُشكل إنشاء بنية تحتية نووية وتوفير قدرة تخصيب اليورانيوم على الأراضي السعودية – دون رقابة صارمة ودون ارتباط مُلزم بترتيب سياسي شامل – سابقة استراتيجية خطيرة.
وإضافةً إلى إضفاء الشرعية الأمريكية على بنية تحتية حسّاسة في دولة خليجية رئيسية، فإن هذه الخطوة تزيد من خطر تسريب المعلومات التقنية، مما يُخلّ بحسابات الردع، ويُضعف الجهود الدولية لاحتواء التهديد النووي الإيراني. علاوة على ذلك، ورغم أن الإدارة السعودية الحالية تُظهر موقفا براغماتيا مؤيدا للولايات المتحدة، فإن الواقع الإقليمي مُتغيّر: فبنية التخصيب والمعرفة التقنية التي تُبنى حاليا لنظام صديق قد تقع في أيدي عناصر متطرفة أو نظام معادٍ في حال حدوث اضطرابات داخلية في المملكة أو تغييرات في سياستها الخارجية. وفي الوقت نفسه، يُلحق الاتفاق ضررا بالغا بالقدرة التفاوضية لإسرائيل. فإذا حققت السعودية مكاسب استراتيجية كبيرة في مواجهة واشنطن، وقلّلت اعتمادها على الضمانات الأمنية دون دفع ثمن سياسي يتمثل في الاعتراف العلني بإسرائيل، فإن التطبيع سيفقد قيمته كأداة ضغط سياسي.
سيُرسّخ هذا الإنجاز مكانة الرياض كفاعل مُستقل وحازم في مواجهة إيران وتركيا وإسرائيل، وسيُزيل الصلة بين الاتفاق النووي والترتيبات الإقليمية الأوسع نطاقا، وأمن إسرائيل.
من جهة أخرى، تواجه إسرائيل مأزقا استراتيجيا: فإذا ما مُورست ضغوط لإفشال الاتفاق، أو إذا أصرّت السعودية على الفصل التام بين المسارين النووي والسياسي، فقد تُنفّذ الرياض تهديداتها وتلجأ إلى بكين أو موسكو لبناء المفاعلات. وفي مثل هذا السيناريو، ستُجبر واشنطن على الاختيار بين التنازل بشأن الرقابة النووية – الأمر الذي سيُقوّض سياسة عدم الانتشار – وبين استخدام النفوذ الاقتصادي والأمني لفرض إطار سياسي على الرياض. من جانبها، قد تخسر إسرائيل مرّتين: الأولى بفقدانها فرصة تاريخية للتطبيع، والثانية برؤية الصين تُصبح لاعبا نوويا في قلب الخليج العربي في مشروع يُنفّذ دون إشراف غربي.
تعكس زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو العاجلة إلى واشنطن، أهمية الموقف الراهن. يتطلب الواقع من إسرائيل العمل على ثلاثة مسارات متوازية: على الصعيد الثنائي، عليها التعاون مع الإدارة الأمريكية والكونغرس لضمان آليات تفتيش صارمة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وإزالة اليورانيوم المخصب من أراضي المملكة، والحد من قدرات الرياض التنموية المستقلة. وعلى الصعيد الإقليمي، عليها تعزيز التحالف الاستراتيجي والأمني مع شركائها في اتفاقيات أبراهام – وعلى رأسهم الإمارات العربية المتحدة – لتشكيل جبهة موحدة لكبح سباق التسلح الجامح. أما على صعيد الأمن الداخلي، فعليها زيادة الاستثمار في الاستخبارات والدفاع والردع، وتحديث مفهوم الأمن القومي ليواكب عصراً باتت فيه الطاقة النووية المدنية جزءاً لا يتجزأ من اللعبة الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
يُمثل الاتفاق النووي الأمريكي السعودي لحظة اختبار تاريخية، لا تتطلب فقط استجابة سريعة ومنعاً للأضرار، بل تتطلب أيضاً من إسرائيل تبني قيادة استباقية، واعية، ومتطورة، تُدرك قواعد اللعبة الجديدة وقادرة على صياغة استراتيجية جديدة في مواجهة واقع إقليمي أكثر تعقيداً وخطورة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى