كلمة الحقائق

عُمان وإعادة تعريف الحياد… لماذا ترفض مسقط أن تكون طرفا في حرب الإقليم ؟

 

رئيس تحرير مجلة الحقائق اللبنانية علي حسني مهدي

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد تبدو سلطنة عُمان وكأنها تتحرك في اتجاه مختلف عن بعض دول الخليج لكن اختزال موقف مسقط في الانحياز إلى إيران أو مواجهة الولايات المتحدة سيكون قراءة سطحية فالمسألة أعمق كيف تحمي دولة خليجية أمنها ومصالحها في منطقة تتحول إلى ساحة مفتوحة للصراع الإقليمي والدولي؟
منذ عقود بنت عُمان سياستها الخارجية على الحوار وفتح قنوات الاتصال مع الخصوم قبل الحلفاء وحافظت على علاقات مع واشنطن وطهران ودول مجلس التعاون ولعبت أدوارا في ملفات حساسة من المفاوضات النووية الإيرانية إلى الأزمة اليمنية ولذلك أصبح الحياد النشط بالنسبة إلى مسقط أداة قوة وليس مجرد موقف دبلوماسي
موقع عُمان يفسر جانباً أساسياً من حساباتها فإيران جار مباشر واليمن جار آخر ومضيق هرمز جزء من أمنها الجغرافي والاقتصادي.
وبالتالي فإن تحويل الخليج إلى ساحة مواجهة مفتوحة قد يجعل دول المنطقة تدفع ثمن حرب لم تتخذ قرارها.
كما تنظر مسقط إلى نتائج الحروب السابقة في العراق وسوريا واليمن ولبنان حيث لم يؤدِّ الصراع في كثير من الحالات إلى الاستقرار بل إلى فراغات أمنية وتوسع نفوذ القوى الخارجية وتحول الدول إلى ساحات تنافس.
السؤال العُماني لذلك ليس من سينتصر في الحرب؟ بل ماذا سيحدث في اليوم التالي؟
وعُمان تدرك أن انضمامها الكامل إلى أحد المحاور سيحرمها من أهم أوراق قوتها القدرة على التواصل مع الجميع وهذا لا يعني أنها جزء من المحور الإيراني أو أنها توافق على سياسات طهران بل يعني أنها ترفض أن تتحول علاقاتها الدولية إلى تفويض مفتوح للمشاركة في حروب الآخرين.
لذلك فإن السياسة العُمانية تبدو أقرب إلى محاولة اختيار عُمان أولاً حماية أمنها الحفاظ على مصالحها إبقاء قنوات الحوار مفتوحة ومنع تحول أراضي الخليج إلى منصة لصراعات القوى الكبرى في منطقة اعتادت الاصطفافات قد يكون الحياد أحياناً ليس ضعفاً بل شكلاً من أشكال القوة والاستقلال في القرار. لكن حماية هذا الاستقلال تحتاج إلى خطوات عملية إنشاء آلية خليجية دائمة للحوار والأمن الإقليمي تضم دول مجلس التعاون وإيران والعراق واليمن وتجتمع بصورة دورية في مسقط أو أي عاصمة خليجية محايدة لبحث أمن الملاحة ومضيق هرمز وخفض التصعيد ومنع استخدام أراضي دول المنطقة في الهجمات المتبادلة.
مثل هذه الآلية لا تتطلب تحالفاً مع إيران ولا قطيعة مع الولايات المتحدة بل تمنح دول الخليج للمرة الأولى إطارا جماعيا للتفاوض على أمنها بدل انتظار ما تقرره القوى الكبرى عنها.
فالخيار الأكثر واقعية اليوم ليس الانحياز إلى هذا المحور أو ذاك وإنما امتلاك قرار الحرب والسلام وتقليل فرص اندلاع حرب يدفع الجميع ثمنها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى