الصحف

وهم السيادة: كيف أصبحت الحكومة اللبنانية غطاءً لحزب الله

رصد الاعلام الإسرائيلي: 29/8
موقع “والا”:
العميد احتياط عَميت ياغور
عندما تسعى الأنظمة الدولية والأجهزة الأمنية إلى آليات إنفاذ ونزع سلاح، فإنها تميل بشكل شبه تلقائي إلى تعزيز مؤسسات الدولة المحلية، والاعتماد عليها، على أمل أن تكون هي من تتصدى السيطرة الأجنبية والإرهاب على أراضيها. إلا أن هذا الميل في الساحة اللبنانية يتناقض مع الواقع. فالحكومة اللبنانية، بكل ما تحمله من نوايا حسنة، أصبحت في الواقع الغطاء الأكثر فعالية للمنظمات الإرهابية. وقد استمر هذا الوضع لسنوات، ويبدو أنه ما زال مستمراً.
تقدم دراسة حالة سفير إيران لدى لبنان، محمد رضا شيباني، مثالاً واضحاً لما يجري فعلاً وراء التصريحات والمناورات: تتخذ الحكومة اللبنانية موقفاً متشدداً في الظاهر، رافضةً منح شيباني صفة دبلوماسية، ومُعلنةً إياه “شخصاً غير مرغوب فيه” فور انتهاء صلاحية تأشيرته. لكن في الخفاء، أساء رئيس مديرية الأمن العام، حسن شاكر (الذي يعمل تحت إشراف رئيس مجلس النواب نبيه بري)، استخدام سلطته ومنح السفير تصريح إقامة لمدة ستة أشهر بصفة “مواطن عادي.”
والنتيجة..؟ فقد السفير الحصانة الرسمية، لكنه بقي فعلياً في بيروت ليواصل إدارة مصالح إيران وحزب الله، مستغلاً علاقاته الوثيقة. تُقدّم الحكومة اللبنانية للغرب، النصوص القانونية المُنمّقة، لكنها في الواقع عاجزة عن تنفيذ قراراتها، وتُقدّم دعماً كاملاً لاستمرار النشاط الإيراني.
الجيش اللبناني كجهة تخفي حقيقة الوضع:
يُكرّر هذا النمط بدقة متناهية على المستوى التكتيكي. كل من لديه أدنى معرفة بالمناورات العسكرية يُدرك فوراً أن نشر الجيش في المناطق التجريبية جنوباً لا يهدف إلى فرض نزع سلاح حزب الله، بل دوره الحقيقي هو إظهار انسحاب إسرائيلي وسيلطة لبنانية، ومنع نشوب صراع داخلي.
تُظهر البيانات الواردة من قرية زوطر الغربية، وهي نقطة استراتيجية تُشرف على الليطاني ومنطقة بوفورت والسهل الساحلي، كيف يعمل “الغطاء العسكري” على أرض الواقع:
التمويه المدني: يسيطر الجيش اللبناني رسميا على القرية، وتدخل إليها منظمات مدنية وطبية، تحت رعايته، وهي في الواقع أعضاء في حزب الله. ا
لمنصة المالية: تحت غطاء وجود الجيش، تُنشئ الجمعيات مراكز لتوزيع الإمدادات، وقوافل، وهياكل متنقلة تُستخدم كغطاء لتحويل الأموال (عبر بنك الحسن/إيران) وجمع التبرعات.
جمع المعلومات الاستخباراتية: تُقدّم هذه الهياكل المؤقتة على أنها مساعدات إنسانية، لكنها في الحقيقة غطاء مُجدد لجمع المعلومات الاستخباراتية وإعادة بناء البنية التحتية العسكرية.
لا تفكيك: لا يقوم جنود الجيش اللبناني بتفكيك البنى التحتية. إنهم يعملون بتعاونٍ علني مع عناصر حزب الله “المدنيين” لأغراض “إعادة الإعمار”، ويسمحون بالتجمعات الجماهيرية. تأما حديد مواقع السلاح، كما هو الحال في زوطر الشرقية المجاورة، يتم فعلياً من قِبل الجيش الإسرائيلي فقط.
عندما يعمل هذان الفرعان بتناغم، ينشأ نظامٌ تُغطي فيه السلطة السياسية على العناصر “المدنيين”، وتُغطي السلطة العسكرية على البنية التحتية. لم “يفشل” الجيش اللبناني صدفة، إنه يؤدي الدور الموكل إليه تحديداً: أن يكون صاحب السيادة على الورق، حتى يتمكن حزب الله من الاستمرار في ممارسة السيادة على أرض الواقع. البدائل والدرس الحاسم لغزة:
من الضروري عرض نموذج “ورقة التين” اللبناني في حوارٍ شامل مع الإدارة الأمريكية. ومن الضروري سحب مسؤولية التعامل مع المحور الشيعي الإيراني مؤقتا من الحكومة اللبنانية، ومن الصحيح أن تدرس الولايات المتحدة، بعيدا عن التدخل من بعد للقيادة المركزية الأمريكية، التدخل الفعلي لمسؤولين حكوميين أمريكيين في أروقة الحكومة اللبنانية، كما هو الحال في فنزويلا. وفي الوقت نفسه، من المناسب النظر في تنفيذ “خطة مارشال” شاملة للمساعدات الاقتصادية بقيادة الولايات المتحدة، والتي من شأنها كبح النفوذ الخارجي وتحييد سيطرة حزب الله على النظام.
وبعيدا عن لبنان، يُقدّم هذا النموذج تحذيرا شديد اللهجة لأي محاولة لتشكيل آليات الشرطة والحكم في قطاع غزة “بعد فوات الأوان”: أي جهاز بيروقراطي أو حكومي محلي في غزة (سواء من السلطة الفلسطينية أو القوات المحلية) سيجد سريعا الوسائل القانونية والسياسية “لتدريب” عناصر حماس تحت غطاء مدني، تماما كما فعل الأمن العام اللبناني مع السفير الإيراني.
لن تحاول حماس إعادة بسط سيطرتها بشكل علني أو بزي رسمي، ستتسلل هذه القوات إلى المناطق المنزوعة السلاح عبر “لجان الإغاثة” والجمعيات الخيرية ومواقع التخييم والفرق الطبية، مستفيدةً من الحماية العملية التي توفرها الآليات التي كان من المفترض أن تراقبها.
لا تدلّ الكلمات والابتسامات على التقدم، بل على العكس:
كما يتجنب الجيش اللبناني الاحتكاك مع حزب الله حفاظًا على تماسكه الطائفي، لن تواجه القوات الفلسطينية المحلية ناشطي حماس، الذين يُشكّلون جزءا لا يتجزأ من نسيجها الاجتماعي، بشكل مباشر. وبما أن أجهزة إنفاذ القانون المحلية تُصبح حتما مجرد غطاء، فإنّ السبيل الوحيد لإرساء نظام جديد هو إزاحة السكان المدنيين، الذين يُمثّلون مصدر قوة عناصر النظام القديم، مع الحفاظ على استقلالية الجيش الإسرائيلي الاستخباراتية وحرية عملياته الكاملة لإحباط هذه التهديدات.
خلاصة القول، في الشرق الأوسط، لا تدلّ الكلمات والابتسامات الصادرة عن حكومة محلية أو جيش على التقدم، بل على العكس في الغالب، فهي بمثابة موافقة ضمنية على لعب دور الغطاء. أي حل لا يُفكك جذريا الأذرع المدنية والاجتماعية للإرهاب، ولا يُحافظ على حرية العمل العسكري الكاملة، محكوم بالفشل، وسيُرسخ النظام الإقليمي القديم بدلا من استبداله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى