الصحف

رصد الاعلام العبري: لا يزال الشمال تحت نيران العدو إلى متى سيبقى خط الصراع مشتعلاً؟

 

إلعاد باراشي

قبل 38 يوما، شنت إسرائيل واحدة من أهم حملاتها على الإطلاق، حربا وجودية، بالتعاون مع الولايات المتحدة، القوة العظمى في العالم، ضد العدو الإيراني. وخلال القتال، تحققت إنجازات هامة: تصفية مسؤولين كبار، وإلحاق أضرار جسيمة بمركز القيادة، ونجاحات عملياتية مُبهرة، وجّهت رسالة واضحة لا لبس فيها.
وفي خضم هذه الحملة، دخل إلى الساحة عدو آخر هو حزب الله اللبناني. ومنذ ذلك الحين، بات سكان خط الصراع في الشمال يعيشون في حالة طوارئ مستمرة: قصف متواصل على المستوطنات، وتسلل جوي، وأحيانا قصف على قلب البلاد.
قبل يومين، تم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران. ولكن في حين أن هذا الاتفاق يمثل نهاية فصل من فصول الحرب، وحتى هذه النهاية غير مؤكدة، فإن الصراع في الشمال لم ينتهِ. فحزب الله لم يختفِ، بل على العكس، يواصل إطلاق الصواريخ بكثافة على المستوطنات الشمالية. وهنا يبرز السؤال الصعب: كيف يُعقل أن يعيش سكان الشمال تحت وطأة النيران..؟
من غير المعقول أن يُحرم سكانٌ بأكملهم من عيش حياة طبيعية بعد عملية “سهام الشمال”، وفي ظل حرب “زئير الأسد”. الأطفال لا يعودون إلى مدارسهم، وأماكن العمل بالكاد تعمل، والخوف بات أمراً مُعتاداً. عشرات الإنذارات يومياً. إطلاق نار كثيف. حالة من عدم اليقين المُطلق.
الشعور بخيبة الأمل، عميق ومؤلم لدى سكان الشمال. يشعرون أنهم أصبحوا وقوداً للمدافع – خط الدفاع الأول لدولة إسرائيل، ولكنهم أيضاً آخر من يتلقى الرد.
متى سندرك أن العدو لا يُهزم بالضربات ووقف إطلاق النار والاتفاقيات الجزئية..؟ متى سندرك أن النصر الحقيقي يتطلب عملاً حاسماً وواضحاً، ودون تردد..؟ يا سكان لقد حان الوقت لسياسة مُختلفة. لا مزيد من الردود المُتقطعة، ولا مزيد من الاحتواء. بل قرار حاسم ضد منظمة إرهابية لا تزال تهدد مواطني إسرائيل. يجب أن يكون الشمال آمناً، تماماً كما هو الحال مع تل أبيب ورامات هشارون.
إلى أن يتحقق ذلك، لن نصمت. سنواصل الحشد والمطالبة والقتال حتى لا يبقى حزب الله تهديداً حقيقياً. الدولة التي لا تحمي مواطنيها تفقد حقها في الوجود. والشمال ليس هامشاً، بل هو قلب الأمن القومي النابض.

ليس كما تظنون: في يد من يكمن النصر النهائي في إيران..؟
تامر دورتال
وضع هنري كيسنجر ذات مرة، قاعدة صارمة تُعرّف الصراعات غير المتكافئة: “الجيش النظامي يخسر إن لم ينتصر، وتنظيم حرب العصابات ينتصر ما لم يُهزم”. لقد استوعب نظام آيات الله هذا الدرس تماما. إيران لا تعمل كقوة تقليدية، بل كتنظيم حرب عصابات. هدفها هو الصمود أمام الضربات، وإضعاف مؤخرة الحلفاء الأمريكيين في المنطقة، وإطالة أمد الصراع حتى ينفد صبر أعدائها ويستسلموا.
وقف إطلاق النار الحالي، وهم خطير. من المشكوك فيه جدا أن يلتزم الحرس الثوري بالاتفاق، ومضيق هرمز، شريان الطاقة العالمي، لا يزال مُغلقا ومُهددا. ومن المرجح أن ينهار الاتفاق في الأيام القادمة.
يدرك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قواعد اللعبة جيدا، ويعمل ضمن نظام من الحوافز والقيود المؤسسية. يُجيز قانون صلاحيات الحرب الأمريكي للرئيس استخدام القوة العسكرية في عمليات خاصة لمدة 60 يوما دون موافقة الكونغرس. وقبول وقف إطلاق النار، حتى لو كان مؤقتا، يمنح ترامب خيار إعادة احتساب هذه المدة.
ففي اللحظة التي تنتهك فيها إيران الاتفاق بشكل صارخ، يُعاد احتساب هذه المدة. ويكتسب ترامب شرعية متجددة، محليا ودوليا، ويُصوّر آيات الله على أنهم المسؤولون عن تجدد إطلاق النار. إضافةً إلى ذلك، تهدف هذه الخطوة إلى توجيه رسالة قوية إلى دول الخليج: قد ترى الولايات المتحدة أن دورها انتهى. لذلك يحاول ترامب إرغام هذه الدول على التوقف عن الاعتماد على الولايات المتحدة والمشاركة بفعالية في قتال طهران.
أما الحسم، فلا يمكن تحقيقه إلاّ من خلال تغيير النظام. ولا يمكن أن يستند هذا التغيير إلى سيناريو استيلاء عنصر مُعتدل من داخل المؤسسة الإيرانية على السلطة بانقلاب. فالهيكل الحكومي في إيران يتضمن جيشين متوازيين، الجيش النظامي والحرس الثوري، وهما مصممان تحديدا لمنع الانقلاب من خلال الرقابة المتبادلة وموازنة الإرهاب.
لذا، لن يتحقق تغيير حقيقي للنظام، إلاّ من خلال انتفاضة شعبية. لم يوجه ترامب بعدُ دعوة مباشرة للشعب الإيراني للخروج إلى الشوارع وإسقاط النظام. فهو يعلم أن الولايات المتحدة قادرة على سحق بنية القمع من الجو، لكنها لا تستطيع احتلال طهران وإدارة البلاد لافتقارها إلى الشرعية اللازمة لبناء الديمقراطية، كما حدث في العراق، حيث سقط العراق في أحضان الإسلام المتطرف فور انسحاب الأمريكيين. الخلاص يجب أن ينبع من الداخل. فإذا لم يتحلَّ الشعب الإيراني بالشجاعة الكافية للنضال من أجل حريته، فلن يتمكن الغرب من تقديمها له على طبق من ذهب.
يكشف المنظور الإسرائيلي للصراع عن خلل عميق في مفهومنا للأمن. ففي العقود الأخيرة، اعتدنا على شنّ “جولات قتالية” في غزة أو لبنان. يقوم هذا المفهوم على أساس أن الجيش الإسرائيلي قادر، عند الضرورة، على المناورة واحتلال رقعة أرض قرب الحدود. لكن الجغرافيا التي تواجه إيران لا تسمح باستراتيجية التناوب هذه. لا تشترك إسرائيل في حدود برية مع طهران، وبالتالي لا تملك القدرة على المناورة على الأرض، أو تهديد بقاء النظام الإيراني، أو فرض أي تنازلات إقليمية. كما أن تشغيل القوات الجوية على هذه المسافة يتطلب تعاونا أمريكيا لتزويد الطائرات بالوقود وغيره من الوسائل التي لا تمتلكها القوات الجوية بشكل روتيني.
هذه الحقيقة تُثبت مدى فشل استراتيجية تعتمد كليا على الضربات الجوية. فالقوة الجوية، مهما كانت فتاكة، لا تحسم الحروب ضد دولة بحجم إيران. ليس لدينا امتياز خوض حرب استنزاف أو “تناوب” ضد قوة إقليمية بعيدة. السبيل الوحيد لضمان أمن إسرائيل هو التعاون الوثيق مع الولايات المتحدة لممارسة ضغط اقتصادي وعسكري متواصل ودؤوب، حتى ينهار النظام الإيراني من الداخل، على يد الشعب الإيراني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى