رصد الاعلام العبري القناة 12 نتائج الحرب ستُحسم على طاولة المفاوضات

عاموس يدلين:
رئيس سابق للاستخبارات العسكرية “أمان”
أودى أفينتال: خبير في التخطيط الاستراتيجي والسياسي
بعد اتفاق وقف إطلاق النار مع ايران لمدة أسبوعين، اتسمت تفسيرات نتائج الحرب بالتطرف. فمن جهة، يزعم البعض أن إيران حققت نصرا استراتيجيا ساحقا، ويُبالغون في تقدير إنجازاتها رغم أن النظام في طهران تلقى أقسى ضربة في تاريخه. ومن جهة أخرى، يُقال إن إيران مُنيت بهزيمة نكراء، رغم الصمود الذي أبدته، ورغم أن نتائج الحرب لم تُحسم بعد، وتعتمد على قدرتها على تحويل الإنجازات العسكرية إلى مكاسب سياسية في المجالين النووي والصاروخي، وهما السبب الرئيسي لخوض الحرب.
في ظل هذه الظروف، نختار تبني نهجٍ واقعي لا يتسم بالابتهاج ولا باليأس، وهو ما يتناسب مع الواقع الحالي، الذي يُثير بعض الشكوك، ولكنه لا يُقلل من القلق. ففي ظل التوازن المُختلط والمُعقّد، لم تتحقق جميع أهداف الحرب، سواء المُعلنة وغير المعلنة. سيُعاد النظر في هذا التوازن مُستقبلاً، وسيتأثر بديناميكيات العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران في الأسابيع المقبلة، ولا سيّما بمدى تصميم ترامب على التمسك بموقفه في المفاوضات بشأن المصالح الجوهرية لإسرائيل، وعلى رأسها المجال النووي والضغط المستمر على النظام الايراني.
آلية وقف إطلاق النار:
لقد أثّر الإنذار الذي وجّهه ترامب باستهداف البنية التحتية الحيوية للكهرباء والطاقة في إيران، سلباً على موقف إيران. فقد أدى هذا التهديد الخطير إلى تراجعها عن مطلبها بالتزام أمريكي بإنهاء الحرب بشكل كامل ونهائي كشرط لفتح مضيق هرمز. وكان من المفترض أن يُفتح المضيق مع وقف إطلاق النار، لكن لم يتضح بعد ما إذا كان سيتم تلبية مطلب إيران بتحصيل رسوم عبور مرور عبره، وهو ما سيُمثل تغييراً سلبياً للوضع الراهن، وما إذا كانت الملاحة عبره ستكون “حرة وآمنة” كما وعد ترامب. فعلى غرار بنود ترامب العشرين بشأن غزة، فإن القضية الوحيدة التي حظيت باتفاق كامل هي توقيت ويوم وقف إطلاق النار، بينما تخضع القضايا الأخرى لتفسيرات وخلافات مختلفة.
من المُقرر أن تبدأ المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، اليوم السبت، لإنهاء الحرب، شريطة ألا يتطور النزاع حول لبنان إلى أزمة. وإذا ما جلس الطرفان إلى طاولة المفاوضات المباشرة، وهو ما استبعده المرشد الإيراني مجتبى خامنئي بشكل قاطع، فسيكون ذلك إنجازا للولايات المتحدة.
اتفق الطرفان على أن أساس المفاوضات سيكون النقاط الخمس عشرة التي طرحتها الولايات المتحدة والنقاط العشر التي طرحتها إيران. وهذه مواقف افتتاحية مُتشددة من كلا الجانبين، إلاّ أن ترامب، بصياغة مؤسفة ومُضلّلة على وسائل التواصل الاجتماعي، كتب أن النقاط العشر الإيرانية “أساس للمفاوضات يمكن العمل عليه”. وللأسف الشديد، اتضح أن هناك نسختين من النقاط العشر – نسخة قُدمت للأمريكيين ونسخة أخرى تخدم الاحتياجات الداخلية في إيران.
نتائج متباينة- الجانب الإيجابي:
أظهرت إسرائيل تفوقا عسكريا واضحا. فقد أدّت الكفاءة والفعالية غير المسبوقة في الجمع بين المعلومات الاستخباراتية الدقيقة واستخدام القصف الجوي، إلى إلحاق ضرر بالغ بالقيادة الدينية والعسكرية الإيرانية، ومنظوماتها العسكرية، وصناعاتها التسليحية، بجميع مكوّناتها وسلاسل إمدادها، وهو ما سيحتاج وفق التقديرات، لوقت طويل للتعافي. وقد ساهم هذا النشاط العسكري المُذهل في إبعاد التهديدات الوجودية لإسرائيل في المجالين النووي والصاروخي الباليستي، في حين فشلت إيران أيضا في إدارة وكلائها بفعالية، لا سيما حزب الله الذي لا يزال يتلقى الضربات. وفي ظل هذه الظروف، سيواجه النظام، الذي نقش على رايته تدمير إسرائيل، صعوبة في تحقيق هذه الرؤية في السنوات القادمة.
ربما يكون النظام الإيراني قد أنهى الحرب مُنتصرا، لكنه يجد نفسه في أحلك لحظات تاريخه، حيث لم يكن يوما أفقر حالا مما هو عليه اليةم، ويفتقر إلى القدرات اللازمة لحل الصعوبات الاقتصادية والبنيوية العميقة التي تعاني منها إيران كدولة. علاوة على ذلك، الآن، ومع انحسار القتال واستقرار الأمور، سيدرك النظام الإيراني، الذي ظل في “الخنادق” لأكثر من 40 يوما، والإيرانيين الذين يعارضونه، حجم الضرر والضربات الجسيمة التي تكبدتها إيران خلال الحرب.
لقد وقع النظام الإيراني في عزلة عميقة وغير مسبوقة على الصعيدين الداخلي والإقليمي والدولي. وأدركت دول الخليج، التي كانت رهينة لإيران، أنها تُشكّل تهديدا إقليميا خطيرا لا يمكن احتواؤه عبر الاتفاقيات، وأنه لا بد من إضعافه. حتى الصين وروسيا لم تُقدّما أي مساعدة للنظام من خلال تزويده بالأسلحة والذخائر في الوقت المناسب.
في أبريل/نيسان قبل عامين، تورط النظام الثوري الإيراني، الذي “تراجع عن موقفه” وسمح لنفسه بمهاجمة إسرائيل، بوابل من مئات الصواريخ لأول مرة مباشرة من إيران، في حرب طويلة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد انتفاضة غير مسبوقة ضده، حين كان كبار مسؤوليه، الذين خططوا لتدمير إسرائيل، قد رحلوا عن عالمنا.
الجانب السلبي:
تمكن النظام الإيراني من الصمود في وجه قوتين عظميين، عالميتين وإقليميتين، ومواصلة إطلاق الصواريخ على إسرائيل ودول الخليج لأكثر من أربعين يوما، وإن كان ذلك بفعالية محدودة، وتعطيل الاقتصاد العالمي بإغلاق مضيق هرمز، مما دفع الولايات المتحدة، إن لم يُجبرها، على السعي لإنهاء الحرب والتفاوض مع إيران دون التعرض لضغوطٍ شديدة.
كان تصوير الحرب على أنها خطوة لتغيير النظام، وإقناع الرئيس ترامب بصحة هذه الفكرة كما ورد في تحقيق صحيفة نيويورك تايمز، خطأً جسيماً من جانب إسرائيل. فقد سمح هذا الهدف الطموح وغير الواقعي، لا سيما في حملة جوية، للنظام الإيراني بادعاء النصر بمجرد صموده، ووضعه في موقف حرب وجودية، وظهره إلى الحائط، وقد يُلحق ضرراً بالغاً بمكانة إسرائيل في الولايات المتحدة، ويُضعف الإنجاز التاريخي المُتمثّل في القتال جنباً إلى جنب مع أمريكا. وفي ظل هذه الظروف، تجلس إيران على طاولة المفاوضات ضعيفة، مكشوفة دفاعياً، وتحت ضغط كبير.
يبقى اليورانيوم المُخصّب في إيران، حتى وإن كان مدفوناً تحت الأرض في المواقع النووية التي تتعرض للهجوم. وهذا رصيدٌ يمنح إيران نفوذاً هاماً يتمثل في التهديد بتطوير أسلحة نووية. مع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن إزالة اليورانيوم المُخصّب من إيران لم تكن هدفا مُحددا في حرب جوية، وسيكون هذا أحد الاختبارات للإدارة الأمريكية في المفاوضات مع إيران.
من منظور عسكري، حتى بعد انتهاء الحرب، لا تزال إيران قادرة على إطلاق مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتهديد دول الخليج، وتعطيل حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز.
الطريق إلى الأمام:
بعد العملية العسكرية، حان وقت التحركات السياسية على طاولة المفاوضات. فخلال الأسبوعين المقبلين، وربما لفترة أطول، ونظرا لتعقيد القضايا والفجوات في مواقف الطرفين، ستُعقد مفاوضات ستحدد نتيجة الحرب. وفي هذا السياق، تبرز عدة تساؤلات حاسمة لا تزال مطروحة:
الأول، إلى أي مدى سيُصرّ ترامب على استخدام إنذاره كورقة ضغط في المفاوضات، وعلى شنّ هجوم ثالث إذا رفضت إيران التنازل، فضلا عن منعها من تطوير أسلحة نووية بالقوة..؟
يعتقد البعض أن ترامب، لاعتبارات سياسية، لن يكون قادرا على خوض حرب أخرى حتى نهاية ولايته. من جهة أخرى، بعد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، سيكون ترامب، الذي يخوض ولايته الأخيرة، أكثر تحرراً من القيود السياسية وأكثر انشغالاً بقضايا الإرث.
ثانيا، إلى أي مدى، وبغض النظر عن الضغط العسكري، عرف الأمريكيون كيفية استغلال الوضع الاقتصادي الصعب لإيران بعد الحرب..؟ يجب أن تكون أي خطوة لرفع العقوبات مدروسة وتدريجية، ومبنية على شروط مُحددة، مع ضمان الالتزام الصارم بالاتفاقات الرامية إلى تقليص القدرات الإيرانية في المجالات النووية والصاروخية والوكلاء.
ثالثا، هل يمكن للولايات المتحدة وإيران التوصل إلى اتفاق بشأن الملف النووي..؟ لا ينبغي لإسرائيل أن تعارض تلقائياً وعلناً أي اتفاق بين البلدين، ولكن من وجهة نظرها، فإن عدم التوصل إلى اتفاق مع استمرار الضغط على إيران أفضل من اتفاق سيئ، لا سيما اتفاق يُبقي اليورانيوم المُخصّب في إيران و/أو يسمح لها بتخصيب اليورانيوم على أراضيها.
رابعا، ما هي درجة حرية الملاحة وتقديم خدمات النقل في مضيق هرمز..؟ إن سيطرة إيران على المضيق، في صورة تحصيل رسوم العبور، ستُفسّر على أنها استسلام أمريكي.
خامس، ماذا بشأن القدرة على مواصلة فصل اتفاق وقف إطلاق النار عن الحملة في لبنان..؟ لقد أعلنت إسرائيل ولبنان الدخول في مفاوضات مباشرة بينهما برعاية الولايات المتحدة، في وقت يقترب فيه الجيش الإسرائيلي من تحقيق أهدافه العملياتية في لبنان، وتحييد المطلب الإيراني بوقف إطلاق النار على حزب الله، ومساعدة إدارة ترامب في مفاوضاتها مع إيران. من شأن اتفاق مع الحكومة اللبنانية أن يمنح إسرائيل حرية التصرف، كما كان الحال في وقف إطلاق النار السابق، وأن يحدد التوجه المستقبلي في كل ما يتعلق بنزع سلاح حزب الله.
يرى البعض أن إيران “لم تربح حربا واحدة في القرون القليلة الماضية، لكنها لم تخسر أيضا أي مفاوضات. لذلك، يجب أن نكون على حذر من أن لا يخرج النظام من المحادثات هذه المرة وهو يحمل أوراقا رابحة في يده. لقد منح اتفاق وقف إطلاق النار ترامب وقتا سياسيا واقتصاديا، ومنح النظام الإيراني مساحة للتنظيم والبقاء، مع إزالة تهديد وجودي من خلال إلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية الوطنية الإيرانية. وبالتالي، لن تُحسم نتائج الحرب في ساحة المعركة، بل على طاولة المفاوضات، وقدرة كل طرف على استغلال إنجازاته الميدانية لتحقيق مكاسب سياسية.
يجب على إسرائيل، التي لا تشارك في المفاوضات، التوصل مُسبقا إلى اتفاق واضح مع الرئيس ترامب بشأن الخطوط الحمراء، على الأقل فيما يتعلق بالملف النووي، والذي يتمحور حول “الوصول إلى صفر تخصيب”، وإزالة المواد المُخصّبة المدفونة في أعماق المواقع النووية المُدمرة من إيران.
خلاصة القول، أن أي حكم على نجاح حرب “زئير الأسد” في هذا الوقت، سابق لأوانه. فبينما مُني الإيرانيون بضربة قوية في الحملة العسكرية، إلاّ أن القضايا الأخرى – الملف النووي، وتقويض النظام، وتحييد الأدوات التي وظفتها إيران في الحرب (مضيق هرمز وتهديد منشآت إنتاج الطاقة في دول الخليج) – تتطلب نظرة أوسع قبل الانغماس في نشوة “الإنجازات الهائلة” أو الوقوع في فخ “الكارثة السياسية”.
إسرائيل ولبنان: الخطوة الصحيحة لأسباب خاطئة
البروفيسور إيلي فودا، أستاذ قسم الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية بالجامعة العبرية،
الباحث د. إيتان يشي، محاضر في الجامعة العبرية ورئيس قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في معهد متفيم، والخبير في الشؤون اللبنانية
قد يبدو إعلان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن بدء مفاوضات مباشرة مع لبنان بمثابة اختراق كبير، بل وتاريخي. إلاّ أن هناك مخاوف متزايدة من أن هذه الخطوة تهدف في المقام الأول إلى تلبية حاجة سياسية داخلية مُلحّة، ألا وهي تصوير خفض القتال في الشمال، كما طالب ترامب، على أنه إنجاز دبلوماسي وليس استسلاما للضغوط الدولية. ولكن حتى لو كان هذا هو الدافع وراء الإعلان، فإنه لا يُغيّر من حقيقة أن المسار الذي دُفعت إليه “إسرائيل” صحيح من الناحية الاستراتيجية.
المفاوضات المباشرة مع لبنان ليست اختراقا مفاجئا، وليست نتاج مبادرة إسرائيلية جديدة. فقد طُرحت رغبة لبنان في إجراء اتصالات مباشرة مع “إسرائيل” منذ أكثر من شهر. وقد أوضح الرئيس اللبناني جوزيف عون ومسؤولون آخرون في بيروت، علنا وعبر القنوات الدبلوماسية، أن لبنان مُستعد للتفاوض مباشرة مع “إسرائيل” كجزء من عملية أوسع قد تُفضي إلى نتيجة أكثر أهمية من مُجرّد وقف إطلاق النار.
أكثر من مجرد رمزية: تغيير جذري في موقف بيروت تجاه حزب الله
حتى قبل ذلك، ولا سيّما منذ استئناف الأعمال العدائية مؤخرا، اتخذت الحكومة اللبنانية سلسلة من الخطوات غير المسبوقة ضد حزب الله: إعلان جناحه العسكري غير قانوني، وحظر أنشطة الحرس الثوري الإيراني في لبنان. كما اتخذت خطوات إضافية، رمزية ولكنها ذات دلالة، لتقليص شرعية حزب الله العامة، وتقويض الخطاب الرسمي تجاهه. تعكس هذه الخطوات اتجاها أعمق نحو إمكانية تشكيل نظام سياسي جديد في لبنان، تُصنّف فيه الدولة اللبنانية، حزب الله بشكل متزايد كعبء وتهديد لمستقبلها.
تجدر الإشارة إلى أن المحادثات المباشرة لن تُفضي إلى نزع سلاح حزب الله غدا صباحا، لا سيّما في ظل الصعوبات التي تواجهها الدولة اللبنانية وضعف الجيش. فعملية نزع سلاح حزب الله عملية طويلة وتدريجية ومُعقّدة، وقد تستغرق سنوات.
مع ذلك، تكتسب المحادثات المباشرة بين “إسرائيل” ولبنان أهمية استراتيجية بالغة، لأنها تُعمّق الهوة بين حزب الله والدولة اللبنانية. فهي تُرسّخ واقعا سياسيا جديدا يتقدم فيه لبنان نحو المصالحة مع “إسرائيل”، بينما يستمر حزب الله في التمسك بخطاب المقاومة ومفهوم الحرب الدائمة، وهو مفهوم يُقوّض، من وجهة النظر الإسرائيلية، استقرار لبنان ووحدة أراضيه. كما أن الحوار والتواصل مع “إسرائيل” يُضعف شرعية وجود حزب الله كحركة مُقاومة مُسلّحة تعمل خارج إطار الدولة ولكن ضمنها.
الأمر المُتفق عليه، هو أن هدف “إسرائيل” النهائي هو نزع سلاح حزب الله، لكن لا يمكن لأي تحرك عسكري، مهما بلغت براعته وقوته ونجاحه، أن يحقق هذا الهدف بمفرده. فالتحركات العسكرية قد تُضعف حزب الله وتُضعف قدراته وتُلحق الضرر بقيادته، لكنها لا تستطيع نزع سلاحه، وتحقيق هذا الهدف يتطلب عملية سياسية مُكمّلة.
لماذا تُشكّل المفاوضات المباشرة ضرراً استراتيجياً لحزب الله..؟
بالنظر إلى الأهمية التاريخية للخطوة الحالية، ثمة احتمال أن تستغل الحكومة الإسرائيلية بدء المفاوضات كذريعة لتبرير خفض حدة القتال، ثم تعمل على إفراغ العملية من مضمونها، وتضع شروطاً تعجيزية، وتُخرّب المفاوضات، وفي النهاية تتهم لبنان بالفشل لعجزه عن نزع سلاح حزب الله. وإذا حدث هذا، فلن تُفوّت “إسرائيل” فرصة تاريخية فحسب، بل ستُعزز أيضاً رواية حزب الله، وتُضعف خصومه في لبنان، وتُثبت مرة أخرى أن رغبة اللبنانيين في التوصل إلى تسوية لا معنى لها من وجهة نظرها.
إن جعل نزع سلاح حزب الله شرطاً للتسوية، أمر غير واقعي وخاطئ استراتيجياً. يجب أن يكون التوجه معاكساً: ينبغي أن تكون التسوية السياسية بين “إسرائيل” ولبنان بمثابة البنية التحتية التي يُمكن من خلالها، مع مرور الوقت، تطوير عملية تُضعف حزب الله بشكل منهجي، وتُقوّض مكانته، وتُهيئ في المستقبل الظروف لنزع سلاحه بشكل حقيقي.
حزب الله يُدرك هذا جيداً. بالتالي، ليس من قبيل المصادفة أن يبدي الحزب وأنصاره ردة فعل حادة تجاه إمكانية إجراء محادثات مباشرة بين “إسرائيل” ولبنان. فهم يدركون أن مُجرّد وجود مثل هذه المحادثات يشكل ضرراً استراتيجياً لمصالحهم، حتى قبل توقيع أي اتفاق.
عقبات أمام التوصل إلى تسوية:
تواجه العملية السياسية مع لبنان ثلاث صعوبات جوهرية على الأقل، لأن حزب الله سيبذل قصارى جهده لإفشال هذه العملية. إحدى هذه الصعوبات تتعلق بموقف الفصيل الشيعي الآخر في لبنان، بقيادة رئيس مجلس النواب نبيه بري، زعيم حركة أمل. فإذا استمر بري، كما في السابق، في دعم موقف حزب الله، فقد يشكل عائقاً كبيراً، لأن الشيعة يشكلون نحو 35% من سكان لبنان. ولا بد من الإشارة هنا، إلى أن الحرب الحالية ضد حزب الله، أحدثت بالفعل تصدعات في التحالف السياسي بين الحركتين الشيعيتين. وإذا ما تعمّقت هذه التصدعات، فإن فرص التوصل إلى اتفاق ستزداد.
ثانيا، إذا ما أصبحت هذه التسوية قضيةً ملموسة، فقد يتمكن حزب الله، بمساعدة إيران، من تحريض الشارع الشيعي في لبنان وخارجه. فالذاكرة المؤلمة للشعب اللبناني عن الحرب الأهلية التي بدأت عام ١٩٧٥، التي لم تنتهِ فعليا إلاّ عام ١٩٩٠، ستدفعهم إلى تجنب أي خطوة قد تُؤدي، ولو نظريا، إلى انزلاق البلاد إلى حرب داخلية.
أخيرا، أي ترتيب أمني – وبالتأكيد اتفاق سلام – سيتطلب انسحابا إسرائيليا إلى الحدود الدولية. ولا يمكن تنفيذ هذا الانسحاب إلاّ بعد زوال التهديد العسكري الذي يُمثله حزب الله لإسرائيل. وهذا يُشكل صعوبةً تتطلب تفكيرا إبداعيا وتقديم ضمانات دولية وإقليمية.
إن تاريخ العلاقات الإسرائيلية اللبنانية حافل بالحروب، والأعمال العدائية، مع ذلك كانت هناك أيضا محاولات لإرساء السلام. فقد سارت اتفاقية الهدنة بين الجانبين بشكل مُرضٍ نسبيا بين عامي 1949 و1967. وفي المقابل، فُرضت اتفاقية السلام الموقعة عام 1983، عقب حرب لبنان، على لبنان، ولذا لم تدم طويلا. كما خلقت أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول وجولات الحرب ضد إيران فرصةً فريدةً وزخما استثنائيا داخل لبنان لتغيير العلاقات الإسرائيلية اللبنانية، وهو أمرٌ لم يكن بالإمكان تصوره قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول. وعلى أي حال، من المأمول ألاّ تتحول المفاوضات الحالية إلى مجرد تلاعب سياسي آخر.