ترامب اتخذ قرارا يُشكّل تهديدا وجوديا لدولة إسرائيل

اللواء احتياط
يتسحاك بريك
تواجه الديناميكيات السياسية في الشرق الأوسط حاليا، أحد أكثر الأسئلة تعقيدا: هل يُمكن إخضاع النظام الإيراني عبر الضغط الخارجي..؟ بينما يتبنى الغرب، بقيادة إدارة ترامب، أحيانا نهج “الضغط الأقصى”، فإن تحليل الواقع الداخلي في طهران يرسم صورة قاتمة لنظام لا يرى في الاستسلام خيارا مُجديا، ليس بدافع أيديولوجي فحسب، بل بدافع غريزة البقاء الأساسية.
البقاء كلعبة محصلتها صفر
بالنسبة للحرس الثوري، لا تُمثّل السلطة مُجرّد أداة لتحقيق رؤية دينية، بل هي الحصن الأخير ضد الفناء. يُدرك أعضاء النظام الحالي، الأكثر تطرفا من سابقيه، أن سقوطهم لن يكون مُجرّد تغيير ديمقراطي للحكومة أو تقاعد هادئ. بالنسبة لهم، يعني فقدان السلطة اضطهادا شخصيا، ومُحاكمة، وتصفيةً جسدية للطبقة الحاكمة.
يحوّل هذا المنظور الصراع إلى لعبة محصلتها صفر: فحتى لو دُمّرت إيران، وانهارت بنيتها التحتية، وتوقفت صناعة النفط والغاز فيها تماما، سيواصل النظام القتال. فبالنسبة لهم، من الأفضل أن “يحترق العالم” على أن يفقدوا قبضتهم على السلطة.
فخ الضغط الدولي
هنا يكمن الخلل الجوهري في استراتيجية الرئيس الأمريكي ترامب. فمحاولة إخضاع إيران عبر العقوبات أو العمل العسكري تُخلّف آثارا جانبية عالمية مُدمّرة:
أزمة طاقة: يُؤدي التهديد لممرات الشحن الرئيسية، مثل مضيق هرمز، إلى ارتفاع أسعار النفط.
صدمة اقتصادية: تضخم جامح وتوقف النمو في العديد من البلدان بسبب عدم الاستقرار.
فوضى جيوسياسية: خطر حقيقي من التدهور إلى صراع متعدد الجبهات، بل وحتى حرب عالمية.
في ظل ضغوط داخلية ودولية شديدة، قد يجد ترامب نفسه مُضطرا لإعلان “النصر الكامل” دون تحقيق أهدافه، وأهمها القضاء على نظام “الحرس الثوري” المُتطرف، أو قد يكتفي بتحقيق تنازلات مؤقتة بشأن حرية الملاحة أو تأجيل البرنامج النووي الإيراني وتجديد قدراته الصاروخية. وفي هذه الحالة، تنجح الضغوط الدولية (الاتفاقيات، العقوبات، أو التهديدات العسكرية) في إيقاف عجلة إيران لفترة محدودة فقط، دون تفكيك بنيتها التحتية، وهو ما قد يُفسّر كإنجاز دبلوماسي، ولكنه لن يؤدي إلاّ إلى تأجيل النهاية دون تحييد التهديدات الأساسية: منظومة الصواريخ، والبرنامج النووي، ودعم الوكلاء في جميع أنحاء المنطقة.
التداعيات على الأمن الإسرائيلي
بالنسبة لدولة إسرائيل، ينطوي هذا السيناريو على خطر استراتيجي طويل الأمد. فإنهاء الحرب دون تفكيك القدرات الإيرانية يعني عودة طهران السريعة إلى مسار التسلح المتسارع. وبينما ستستعيد إيران قوتها، قد تجد إسرائيل نفسها في المستقبل أمام أمريكا مختلفة، أمريكا تغيرت أولوياتها، لا سيما في أيام ما بعد ترامب، حيث بدأت أصوات داخل الحزب الديمقراطي تدعو إلى تقليص التدخل والدعم في الشرق الأوسط.
خلاصة القول، إن قوة الحرس الثوري لا تُقاس بالأسلحة فحسب، بل برفضه التام للمساومة على وجوده. وطالما أن النظام يعتبر الاستسلام بمثابة حكم بالإعدام، ستظل الأدوات السياسية والاقتصادية التقليدية محدودة الفعالية، ولن يزداد التهديد للاستقرار العالمي وأمن إسرائيل إلا سوءا.
استسلام ترامب: إخفاق تاريخي
كنّا على بُعد لحظات من انتهاء مهلة الإنذار التي وجهها الرئيس دونالد ترامب للإيرانيين، وعلى أعتاب شن هجوم واسع النطاق يهدف إلى تدمير منشآت الكهرباء والمياه والجسور والغاز والنفط في الجمهورية. وفي صباح السابع من أبريل/نيسان 2026 صرّح ترامب: “ستموت حضارة بأكملها الليلة، ولن تعود أبدا”.
ومع ذلك، وبدلًا من تنفيذ تهديده المصيري، تراجع ترامب. كانت تلك لحظة نادرة من الفرص: فمشاركة الأكراد والأقليات الأخرى في الحملة البرية، إلى جانب الغارات الجوية المكثفة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل، كان من الممكن أن تُحفّز الشعب الإيراني على الخروج إلى الشوارع بأعداد غفيرة، ما يؤدي إلى إسقاط النظام.
في الواقع، أثّر الضغط الشديد من الداخل ومن الدول الأوروبية، نتيجةً لتفاقم الأزمة الاقتصادية عقب حصار مضيق هرمز، تأثيرا بالغا على ترامب. كما دفعه خوفه من انتخابات التجديد النصفي لمجلس النواب، بالإضافة إلى انخفاض شعبيته إلى مستوى غير مسبوق بلغ 41%، إلى التراجع قبيل تنفيذ حكم الإعدام. فأصدر بيانا بشأن وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين في محاولة لإيجاد حل سياسي.
تكمن خطورة هذه الخطوة في كونها مُدمرة: فبقراره هذا، منح ترامب اعترافا فعليا بشرعية النظام المتطرف في إيران. وبدلا من العمل على القضاء عليه، اختار إدامة وجوده. هذا قرار كارثي لإسرائيل وللعالم أجمع. فما دام النظام الحالي يحكم إيران، لا أمل في التوصل إلى تفاهمات طويلة الأمد. وحتى لو تم توقيع اتفاقيات، ستنتظر طهران أول فرصة، مثلاً في نهاية ولاية ترامب، لانتهاكها بشكل صارخ ومواصلة سباقها المحموم للحصول على أسلحة نووية. بدون هزيمة الشرطة الإيرانية المتطرفة وحل الحرس الثوري، لن يتم التوصل إلى حل استراتيجي يضمن أمن إسرائيل وبقاءها على المدى البعيد.


