لماذا إيران…!

د. عدنان منصور
بعد عامين من انتهاء الحرب العالمية الثانية، بدأت الحرب الباردة تشقّ طريقها بين حليفي الأمس الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. كانت حالة نزاع غير عسكري مباشر، لجأ اليها الطرفان من خلال إجراءات سياسية واقتصادية وتجسّسية، وتقويض أنظمة، وانقلابات، وحروب بالوكالة قاما بها حيال دول عديدة في القارات الخمس.
لم تسلم إيران من هذه الحرب الباردة بعد انتخاب محمد مصدق رئيساً للوزراء، في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، وقيامه بتأميم النفط الإيراني عام 1951. كان ردّ فعل واشنطن ولندن، ترتيب عملية انقلاب أطاحت بمحمد مصدق قامت بها المخابرات الأميركية “سي أي آي” والبريطانية “أم أي 6″، والتي عُرفت بعملية “أجاكس”.
منذ ذلك الحين بدأ النفوذ الأميركي يحلّ مكان النفوذ البريطاني، ويتجذّر، ويجعل إيران حاجزاً في وجه الاتحاد السوفياتي وتمنع تمدّده جنوباً، ولتدخل بعد سنوات قليلة في الحلف المركزي (حلف بغداد) عام 1955. وبعد ذلك في حلف السانتو (CENTO)عام 1959 بعد خروج العراق منه والقضاء على النظام الملكي.
منذ بداية الخمسينات، وحتى سقوط الشاه، لا سيما بعد قيام الثورة وتأسيس الجمهورية الإسلامية فيها عام 1979، وإيران مالئة العالم وشاغلة الشرق والغرب على السواء.
أهمية إيران وموقعها، وحضورها، ودورها، تناولها السياسي الأميركي الاستراتيجي هنري كيسنجر، مستشار الأمن القومي الأميركي في ولايتَي الرئيسين ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد بين عامي 1969 و 1975، ولاحقاً وزيراً للخارجية 1973 ـ 1977.
في تصريحاته وكتاباته عن إيران، أكان ذلك في زمن الشاه، أو في زمن الجمهورية الإسلامية، وصف كيسنجر إيران بدولة “حضارية امبراطورية”، وليست مجرد دولة قومية عادية، بل “قوة تاريخية”، تمتلك عمقاً حضارياً وشعوراً بالرسالة والهوية، وطموحاً طبيعياً للعب دور إقليمي، وأنّ التعامل معها ليس من جانب سياسي وأمني فقط بل كفاعل تاريخي.
في مرحلة حكم الشاه، رأى كيسنجر إيران حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة، واعتبر انّ وجود الشاه ضروري لاستقرار الخليج (!) فهي جدار أمام الانحاد السوفياتي و”شرطي الخليج”، وأنّ دعمها عسكرياً وتسليحياً، حاجة ملحة لحماية النفط، والممرات البحرية، وتحقيق التوازن في الشرق الأوسط.
اعتبر كيسنجر أنّ الشاه، كان حجر الأساس في النظام الإقليمي الموالي للغرب، وسقوطه شكل خسارة استراتيجية ضخمة للولايات المتحدة والغرب، وخطأ كبيراً ارتكبته واشنطن في تخلّيها عن الشاه، الذي أحدث فراغاً استراتيجياً و”زلزالاً خلخل توازن المنطقة”، لأنّ الشاه كان ـ بنظره ـ أكثر أهمية للولايات المتحدة في الخليج، وأنّ دعم الشاه كان جزءاً من هندسة توازن إقليمي يحمي المصالح الأميركية(!)
لكن ماذا عن إيران بعد إزالة عرش الطاووس الشاهنشاهي، في فكر واستراتيجية كيسنجر؟!
على الرغم من عدائه الشديد للجمهورية الإسلامية، إلا أنه يؤكد على أنّ إيران في صراعها مع الغرب، وصراع الغرب معها، لا يمكن شطبها من النظام الاقليمي، وأنّ محاولات عزلها لن تنهي نفوذها لما لديها من مقومات جغرافية وبشرية، وشبكات إقليمية، وموارد طاقة استراتيجية. لذلك لا بدّ من صيغة تفاوضية لتحقيق توازن الردع بدل أوهام الإقصاء، إذ لا يمكن بناء نظام إقليمي مستقرّ دون أخذ إيران بالحسبان.
في ظلّ انهيار النظام الإقليمي، وتعدّد الهويات الدينية، وتفكك الدول، تبقى إيران دولة مركزية قوية في الإقليم، تعرف كيف تملأ الفراغ. لأنّ إيران تفكّر كحضارة أكثر مما تفكر كدولة قومية، هذه الفكرة شدّد عليها كيسنجر في كتابه “النظام العالمي World order”.
على عكس الصقور المحافظين الأميركيين الجدد الذين جنحوا للحرب على إيران، سبق لكيسنجر ان حذر من الحرب على إيران، لأنها ستكون كارثية، وستؤدي الى انهيار المنطقة، وتعاظم الفوضى فيها بدلاً من حلّ المشكلة، لذا يكون التفاوض، والضغط، والردع أفضل من حرب شاملة. انّ إيران تتحرّك بذكاء داخل فراغ النظام الإقليمي العربي، بسبب تفكك الدول من حولها، وانهيار الجيوش الوطنية، ليصبح القرار في أيدي المجموعات المسلحة والهويات الطائفية.
إيران تبقى مركز الثقل الاستراتيجي بحكم الموقع الجيو ـ سياسي، والطاقة البشرية، والموارد الطبيعية، وأنّ الحرب الشاملة عليها ستؤدي الى الفوضى، والى انهيارات أكبر، حينها تصبح إيران أكثر تأثيراً عندما تضعف الدول الوطنية في محيطها، وأنّ عزلها لن ينهي نفوذها ودورها.
في جانب آخر، رأى كيسنجر أنّ لبنان يتأثر بتوازن أميركي ـ إسرائيلي ـ إيراني ـ خليجي، وأنّ استقراره مرتبط بالاتفاقات الخارجية، وأنّ حزب الله جزء من معادلة الردع الإقليمي. إنّ الخطر يقع على لبنان، عندما يصبح فراغاً، والفراغات في المنطقة تملؤها القوى الفاعلة فيها.
في سنواته الأخيرة تحدث كيسنجر عن خطر “حزام نفوذ إيران” الممتدّ من طهران الى بيروت!
على عكس النظرة الاستراتيجية لكيسنجر، نجد أنّ صقور الولايات المتحدة من المحافظين الجدد، يريدون الاحتواء الصارم لإيران، من خلال فرض أقسى العقوبات الاقتصادية، والعزل السياسي والضغط الدبلوماسي، والحصار الإعلامي، والمالي، والنفطي، وذلك لإنهاكها اقتصادياً، وتقليص قدراتها، وإضعاف شبكة حلفائها في المنطقة، وتحجيم نفوذها الإقليمي، ومنعها من امتلاك السلاح النووي، حتى لا يهتزّ ويتغيّر ميزان القوى في منطقة الشرق الأوسط، ويصبح ردعها أكثر صعوبة.
هؤلاء هم صقور أميركا الذين تضمّهم تيارات سياسية، وفكرية، وأمنية، حيث ينتمون الى مدارس مختلفة، منهم المحافظون الجدد، وبعض الجمهوريين التقليديين، ودوائر أمنية وعسكرية، ومراكز أبحاث داعمة لـ “إسرائيل”، وكلهم من المتطرفين المحبّذين لبسط النفوذ والهيمنة الأميركية. هؤلاء يرون في إيران التهديد الاستراتيجي الأكبر للمصالح الأميركية والإسرائيلية، والخليجية، لذلك يريدون التعامل معها بشكل حازم وهجومي، واحتواءها بكلّ قوة، عن طريق الضغوط والعقوبات على أنواعها، وإضعاف حلفائها الإقليميين. لذلك يعارض صقور الولايات المتحدة ايّ اتفاق لا يفرض قيوداً صارمة جداً على إيران، أو تخفيف العقوبات عنها بشكل واسع. هذا ما يتطابق مع موقف نتنياهو وزمرة المتطرفين في تل أبيب.
هناك من الصقور من يريد تعديل سياسات إيران وإلحاقها بالفلك الأميركي دون إسقاط النظام، وهناك من هو أكثر تشدّداً، يرى أنّ المشكلة تكمن في النظام وطبيعته، ويدعو الى تغييره ولو عن طريق استخدام القوة. إذ أنّ إيران بنظر صقور المحافظين، تشكل تحدياً إقليمياً خطيراً للولايات المتحدة وحلفائها. بسبب نفوذها العقائدي، وقدراتها العسكرية ووقوف حلفائها معها في المنطقة. لذلك يرون ضرورة احتوائها حتى لا تتحوّل الى قوة مؤثرة في الشرق الأوسط.
صقور أميركا المتشدّدين المؤيّدين لـ “إسرائيل” دون تحفظ، يريدون احتواء إيران بالقوة، وإنْ أدّى الأمر الى مواجهة عسكرية معها، وكان الاحتواء مكلفاً، بدلاً من إدارة الصراع، وتثبيت توازنات جديدة على الأرض تصبّ في صالح إيران.
حقيقة يجب الإقرار بها، أياً كان موقف الحلفاء والأصدقاء، أو الأعداء من إيران، وهي أنّ إيران، دولة مفصلية، وليست مجرد خصم عادي. هي ممرّ بحري وبري يتجاوز المضائق الخاضعة للرقابة الأميركية. إيران ليست تابعة، بل هي شريك صعب، وهي نقطة ارتكار، إذا استبعدت عن المنطقة اختلّ التوازن، ولا يمكن استبعادها، لأنها تشكل مركز ثقل استراتيجي، وركيزة أساسية في الشرق الأوسط، وفي وسط وغربي آسيا. إذا أدمجت تغيّر شكل النظام الإقليمي والدولي، نظراً لأهميتها الجيو سياسية، والاستراتيجية التي تستند الى إرثها الحضاري التاريخي، وإلى قدراتها، وطاقاتها العديدة المتوفرة لها.
إيران هي عقدة وعقبة أمام سياسات واشنطن الاستراتيجية في الشرق الأوسط، إذ انه في فكر الولايات المتحدة الاستراتيجي، لا يمكن ضبط الشرق الأوسط والإمساك به دون احتواء إيران، أو تهميشها، وبالتالي لا يمكن عزل روسيا والصين، دون قطع الجسر الإيراني الذي يربطهما بالشرق الأوسط.
هذا الجسر الإيراني يمتلك امتداداً جغرافياً واسعاً، حيث يتحكم بمضيق هرمز، وجنوب بحر قزوين، وله عمق استراتيجي كبير في محيط إيران.
إنّ إسقاط النظام الإيراني الذي يظلّ هدفاً استراتيجياً، تعمل له الولايات المتحدة و”إسرائيل”، أكان ذلك عن طريق الحرب الناعمة أو عن طريق استخدام القوة العسكرية، بغية تمهيد الطريق في ما بعد لتطويق روسيا من الجنوب، ومن ثم التحكم بمنطقة الشرق الأوسط برمته…
