مقالات رأي

«فخّ روما» والمناطق التجريبية: هل ينجو لبنان من شِراك «الاتفاق الإطاري» الأميركي ـ «الإسرائيلي»؟

 

حسن حردان

تشهد العاصمة الإيطالية روما جولة مفاوضات غير مباشرة بالغة الحساسية والخطورة، تُطرح فيها صيغ “حلّ وسط” صاغتها واشنطن وتل أبيب تحت عنوان “المناطق التجريبية”. وفيما يجري تسويق هذه الطروحات دولياً كفرصة لإنهاء الصراع وبسط سيادة الدولة اللبنانية، فإنّ التفكيك الدقيق لخلفيات الطرح والوقائع الميدانية يكشف عن “فخ استراتيجي” مركّب نُصِب للبنان عبر “الاتفاق الإطاري” الذي وُقّع في واشنطن في 26 حزيران الماضي، ويُراد استكماله اليوم في روما.

أولاً: تشريح الفخ…
تكمن خطورة الاتفاق الإطاري الذي صاغته الإدارة الأميركية بتطابق شبه كامل مع الرؤية “الإسرائيلية” في أنه ينقل الصراع من “صراع مع احتلال” إلى “اختبار أداء للدولة اللبنانية”. ويتجلى هذا الفخ في ثلاثة مفاصل رئيسية:
قلب الأولويات (الأمن الإسرائيلي أولاً): بدل أن يكون الهدف الأساسي هو الانسحاب الإسرائيلي الشامل من الأراضي اللبنانية المحتلة ووقف العدوان، جعل الاتفاق الإطاري الانسحاب مشروطاً ومؤجلاً. لقد تمّ ربط أيّ تراجع ميداني لجيش الاحتلال بمدى نجاح الجيش اللبناني في تفكيك البنية التحتية للمقاومة ونزع سلاحها لا سيما في جنوب الليطاني.
شِراك “المناطق التجريبية” (طُعم السيادة): طرحت واشنطن صيغة “المناطق التجريبية” في بلدات مثل (زوطر الغربية، فرون، الغندورية، وقلاوية). تكمن الخدعة هنا في أنّ هذه المناطق لا تخضع للاحتلال “الإسرائيلي” المباشر.
الهدف الخفي: إجبار الجيش اللبناني على الانتشار تحت خط النار “الإسرائيلي” في مناطق آمنة نسبياً، ليقوم بدور “الشرطي الأمني” وتجريد السلاح، بينما تحتفظ “إسرائيل” باحتلالها المباشر وتوغلها في القرى الحدودية وقمم الجبال الاستراتيجية كقلعة الشقيف وغيرها.
غياب الجدول الزمني للانسحاب: حرم الاتفاق لبنان من أيّ ضمانة زمنية ملزمة للانسحاب الإسرائيلي، جاعلاً العملية خاضعة لـ “التقييم المشترك” بقيادة واشنطن المنحازة الى “إسرائيل”، وهو ما يمنح تل أبيب “حق الفيتو” الدائم للبقاء في الأراضي التي احتلتها تحت ذريعة “عدم كفاية التدابير الأمنية اللبنانية”.

ثانياً: الموقف اللبناني
بين مطرقة الضغط وسندان السيادة
يجد المفاوض اللبناني (السياسي والعسكري) نفسه في موقف حرج للغاية. فمن جهة، يواجه لبنان ضغوطاً اقتصادية وسياسية أميركية هائلة، ووعوداً بتمويل الجيش وإعادة الإعمار في حال السير بالخطة. ومن جهة أخرى، يدرك أنّ القبول بالصيغة المقترحة كما هي يعادل “الاستسلام الشامل” للأجندة الإسرائيلية.
لذلك، يناور لبنان عسكرياً ودبلوماسياً عبر محورين:
عسكرياً: يرفض الجيش اللبناني أن يكون غطاءً للاحتلال أو أن يدخل مناطق تحت التهديد المباشر بالنار دون وقف كامل للعمليات العسكرية وتفجير القرى.
تفاوضياً: يطالب بتوسيع رقعة “المناطق التجريبية” لتشمل بلدات محتلة فعلياً (مثل محيط الشقيف والبلدات الحدودية) لضمان حدوث انسحاب “إسرائيلي” ملموس متزامن مع أيّ انتشار لبناني.

ثالثاً: الاحتمالات والسيناريوات
المتوقعة لمفاوضات روما
أمام هذا الاستعصاء والتصادم بين الرؤية “السيادية اللبنانية” ورؤية “الفرض الإسرائيلية ـ الأميركية”، تتجه الأوضاع نحو ثلاثة احتمالات رئيسية:
الاحتمال الأول: القبول بالصيغة اللبنانية المعدلة (المناطق المختلطة)
أن تنجح الضغوط اللبنانية، مدعومة بصمود الميدان، في دفع واشنطن الى تعديل مقترحها ليشمل انسحاباً “إسرائيلياً” فعلياً وموثقاً من بعض النقاط الحدودية الساخنة المحتلة بالتزامن مع انتشار الجيش اللبناني في بلدات وسط الجنوب (المناطق التجريبية الأولى).
فرص النجاح: متوسطة، وتعتمد على مدى رغبة واشنطن في إنجاح جولة روما وعدم خروج لبنان من طاولة المفاوضات.
الاحتمال الثاني: التعنّت “الإسرائيلي” وتأجيل الجولة (المراوحة والضغط بالميدان)،
أن تُصرّ “إسرائيل” على عدم إعطاء أيّ التزام بالانسحاب قبل رؤية نتائج ميدانية ملموسة من الجيش اللبناني في تفكيك قدرات المقاومة، مما يؤدّي إلى فشل جولة روما أو تحويلها إلى مجرد لقاءات شكلية. وفي هذه الحالة، ستلجأ “إسرائيل” وواشنطن إلى تصعيد الضغط العسكري والاقتصادي على لبنان لابتزازه سياسياً.
فرص النجاح: مرتفعة، نظراً لعدم وجود نية حقيقية لدى حكومة الاحتلال لتقديم التراجع قبل نيل المكاسب الأمنية كاملة.
الاحتمال الثالث: الرفض اللبناني الكامل والعودة إلى نقطة الصفر،
أن يستشعر لبنان خطورة الفخ الأميركي بالكامل، ويعلن رفضه القاطع لآلية “المناطق التجريبية” بصيغتها الحالية، متمسكاً بـالانسحاب الشامل والوقف الفوري للعدوان كشرط مسبق لأيّ ترتيبات أمنية. هذا السيناريو سيعيد الصراع إلى المربع الميداني الخالص، وينهي مفاعيل الاتفاق الإطاري مؤقتاً.
فرص النجاح: واردة جداً إذا ما تبيّن للمسؤولين اللبنانيين أنّ الغطاء الأميركي للمناطق التجريبية ليس سوى شرعنة مقنعة للاحتلال الإسرائيلي المستدام.
خلاصة القول: إنّ ما يجري في روما ليس مفاوضات تقنية حول خطوط انتشار الجيش؛ بل هو معركة تثبيت سيادة أو تشريع احتلال. إن فخ “الاتفاق الإطاري” صُمم ليمسك بخناق لبنان عبر الإغراء بالدعم المالي والتلويح بوقف الحرب، لكن الثمن المطلوب هو مقايضة أمن “إسرائيل” بتنازل لبنان عن أوراقه السيادية والدفاعية، وتحويل الجيش إلى حارس للمصالح الإسرائيلية تحت مسمّى “المناطق التجريبية”…!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى