مقالات رأي

أفول الهيمنة وخريف نتنياهو: اتفاق التفاهم يدخل المنطقة عصر التوازنات الكبرى

 

حسن حردان
يبدو من الواضح لجميع المراقبين انّ “إسرائيل”، وعلى وجه الخصوص بنيامين نتنياهو، المتضرّر الأكبر من اتفاق التفاهم الأميركي الإيراني الذي سيوقع يوم الجمعة في سويسرا، لأنه يؤكد فشل كلّ أهداف نتنياهو من شنّ الحروب، ويلجم طموحاته بإقامة “إسرائيل الكبرى”، والتخلّص من محور المقاومة وتفكيكه، لكن قدرة نتتياهو على تخريب الاتفاق أصبحت كما ظهر بعد قصفه الضاحية، أضعف بكثير من أيام اتفاق أوباما، حين كان الحزب الجمهوري معارضاً للاتفاق السابق، ولهذا ارتكز عليه نتنياهو لإلغاء الاتفاق، أما اليوم فالحزب الجمهوري برئاسة ترامب هو من يقود الموافقة على الاتفاق الجديد، والحزب الديمقراطي أصلاً هو مع الاتفاق وضدّ الحرب… ولهذا فإنّ نتنياهو يجد نفسه انه سيدفع ثمن فشل رهاناته الخاسرة في الداخل الإسرائيلي الذي انتفض ضدّه وحمّله مسؤولية الفشل وتهميش دور “إسرائيل” وظهورها قوة خاضعة وتابعة للولايات المتحدة لا تأثير لها في مسار التسوية التي يجري نسج خيوطها في المفاوضات الإيرانية الأميركية، التي تستمرّ بعد إقرار مذكرة التفاهم، للتوصل الى اتفاق شامل ونهائي حول ما تبقى من قضايا متعلقة بالملف النووي واليورانيوم عالي الخصيب والعقوبات إلخ…
“المفارقة السياسية الكبرى” في المشهد الراهن، تشير الى تفكيك عناصر القوة الضعيفة التي يمتلكها بنيامين نتنياهو اليوم مقارنة بعام 2015. وانّ العالم أمام متغيّر جوهري في بنية النظام الدولي والإقليمي، وانقلاب التحالفات وتغيّر هوية صانع القرار في واشنطن.
ثلاثة أبعاد رئيسية تعزز هذا الاستنتاج هي:
أولاً: “ترامب والجمهوريون”: سحب البساط من تحت أقدام نتنياهو،
سابقاً، كان نتنياهو يمتلك “فيتو” شبه حقيقي على سياسات إدارة أوباما الديمقراطية من خلال الذهاب مباشرة إلى الكونغرس والارتكاز على قاعدة جمهورية صلبة ومستعدة لتعطيل أيّ تقارب مع طهران.
أما اليوم، فإنّ المعادلة انقلبت رأسأً على عقب:
الحزب الجمهوري، الذي يقوده دونالد ترامب، هو من يتبنّى الصياغة الحالية للتسوية بناءً على حسابات “أميركا أولاً” والرغبة في تصفير الأزمات العسكرية المكلفة للتركيز على الصراع الاقتصادي مع الصين.
عندما ترفع “الترامبية السياسية” الغطاء عن طموحات نتنياهو العسكرية، وتصبح واشنطن بمجملها (جمهوريين وديمقراطيين) في خندق “التسوية والاحتواء”، يفقد نتنياهو رافعته الخارجية الأهمّ. لم يعد لديه “حليف أميركي قوي” يعارض الاتفاق ليحتمي خلفه.
ثانياً: سقوط الأوهام الاستراتيجية: من “النصر المطلق” إلى “مأزق الاستنزاف”،
الحروب التي خاضها نتنياهو تحت شعارات كبرى مثل “تفكيك محور المقاومة”، “تغيير الشرق الأوسط”، ومنع صياغة توازن إقليمي جديد، ارتدّت عليه كعجز استراتيجي.
داخلياً: يعيش المجتمع الإسرائيلي حالة “إنهاك واستنزاف” مستمر (أزمة استدعاء الاحتياط، أزمة تجنيد “الحريديم”، والنزوح من الشمال).
ميدانياً: أثبتت جبهات الاستنزاف (من غزة إلى لبنان وصولاً إلى إيران والبحر الأحمر) أنّ القوة الإسرائيلية الأميركية غير قادرة على سحق محور المقاومة، وانّ “إسرائيل” لا تستطيع تحمّلّ كلفة مواصلة حرب استنزاف مرتفعة من دون دعم أميركي مستمرّ، ولا تريد أميركا تحملها نيابة عنها. وبالتالي، فإنّ التسوية تأتي لتثبت “حدود القوة” الإسرائيلية وتلجم نهائياً أوهام “إسرائيل الكبرى”.
ثالثاً: الفاتورة الداخلية: خريف نتنياهو السياسي
بات واضحاً انّ نتنياهو هو المتضرّر الأكبر من التسوية، لأنه سيتعيّن عليه قريباً جداً “صرف” نتائج هذه الحروب الفاشلة في السياسة الداخلية الإسرائيلية. مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، لن يجد نتنياهو “صورة نصر” حقيقية يقدمها لجمهوره:
البرنامج النووي الإيراني قائم ومحصّن جغرافياً وسياسياً.
قوى المقاومة في المنطقة تحوّلت إلى “أطراف معترف بها في هندسة الأمن الإقليمي”.
الفشل في تحقيق أهداف الحرب سيفتح الباب فوراً لملفات المحاسبة الداخلية (لجان التحقيق في إخفاقات أكتوبر، قضايا الفساد، والملفات السياسية المؤجلة).
خلاصة القول: نتنياهو اليوم يبدو كـ “لاعب استهلك كلّ أوراقه”؛ فحلفاؤه التقليديون في واشنطن هم من يكتبون بنود التسوية، والشارع الإسرائيلي بات يدرك أنّ “الحرب اللانهائية” (أو نموذج “سوبر سبارتا” الذي حاول تسويقه) تحوّل إلى عبء اقتصادي وبشري مكلف غير قابل للاستمرار.
لذلك الاتفاق لن يكون مجرد وثيقة دبلوماسية، بل سيكون بمثابة شهادة وفاة سياسية للمشروع اليمني المتطرف الذي قاده نتنياهو لسنوات، وإعلاناً صريحاً بأنّ المنطقة دخلت عصر التوازنات الكبرى المركبة، وليس عصر الهيمنة الأحادية…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى