سيناريو واحد من واشنطن إلى روما.. الانسحاب الإسرائيلي وسحب السلاح!!..

غسان ريفي
لم يختلف سيناريو اليوم الأول من الجولة السادسة للمفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية المباشرة، المنعقدة في روما، عن سيناريوهات الجولات السابقة التي استضافتها واشنطن، إذ واصل العدو الإسرائيلي محاولاته لفرض شروطه وإملاءاته على الوفد اللبناني، والسعي إلى الالتفاف على مفهوم “المناطق التجريبية” الوارد في اتفاق الإطار، بما يخدم أهدافه الأمنية والسياسية، وفي مقدمها دفع الجيش اللبناني إلى مواجهة أبناء القرى والبلدات الجنوبية وتحميله أعباء لم يتمكن الاحتلال من فرضها بالقوة العسكرية.
وكما كان متوقعًا، طرح الوفد الإسرائيلي بلدتي فرون وزوطر الغربية كمناطق تجريبية، رغم أنهما غير محتلتين، في محاولة لتكريس وقائع جديدة تتجاوز جوهر المفاوضات.
إلا أن الجيش اللبناني وجّه، أمس، رسالة ميدانية واضحة عبر تسيير دوريات مؤللة في بلدة فرون، للتأكيد أن البلدة تقع تحت سيطرته الكاملة، وأنه لا يحتاج إلى “اختبار” إسرائيلي لإثبات قدرته على الانتشار فيها. ويأتي ذلك انسجامًا مع الموقف الذي أعلنته قيادة الجيش مرارًا، ومفاده أنها لن تدخل أي منطقة إلا بعد انسحاب إسرائيلي فعلي وكامل منها.
وخلال جلسة التفاوض، حاول الوفد الإسرائيلي انتزاع ما عجز عن تحقيقه في الحرب، من خلال الدفع باتجاه إدراج ملف سلاح حزب الله ضمن أولويات البحث، فيما تمسّك الوفد اللبناني بأن الأولوية المطلقة هي انسحاب الاحتلال من البلدات اللبنانية التي لا يزال يسيطر عليها.
وفي موازاة ذلك، سعى الوفد الإسرائيلي إلى ممارسة ضغوط سياسية وتقنية على الجانب اللبناني، مطالبًا بآليات واضحة ومحددة لانتشار الجيش في المناطق التجريبية، مستفيدًا من التزامات سبق أن أعلنها لبنان الرسمي، ليقلب المشهد التفاوضي ويظهر وكأن إسرائيل هي الطرف الذي يطالب بضمانات أمنية، وليست الدولة المعتدية التي تحتل أرضًا لبنانية وتنتهك سيادتها بشكل يومي.
ويزداد هذا الواقع تعقيدًا في ظل الحضور العسكري الأميركي، الذي يُتوقع أن يشكل عنصر دعم للمواقف الإسرائيلية أكثر منه عامل توازن بين الطرفين.
في هذا السياق، تبدو النيات الإسرائيلية أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. فبنيامين نتنياهو، الذي يواجه أزمة داخلية متفاقمة، ويشعر بأنه أُبعد عن مسار التفاهمات التي شهدتها إسلام آباد، كما وجد نفسه أمام مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية التي رعاها الرئيس دونالد ترامب، والتي تضمنت وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي من دون قيد أو شرط، يحاول اليوم تعويض خسائره السياسية عبر انتزاع صورة انتصار من مفاوضات اتفاق الإطار.
ولذلك، يبدو حريصًا على تجنب أي انسحاب فعلي من أي بلدة لبنانية محتلة، بما يتيح له تسويق إنجاز سياسي أمام الرأي العام الإسرائيلي قبيل انتخابات تشرين الأول المقبل.
وأمام هذا المشهد، تبدو السلطة اللبنانية مطالبة بالتعامل مع المفاوضات بقدر كبير من الواقعية، بعيدًا من أي رهانات مبالغ فيها على نتائجها. فـ”المنطقة الصفراء” تبقى، في جوهرها، أرضًا لبنانية محتلة، ولا يجوز التعامل معها إلا على هذا الأساس، بما يفرض العمل على تحريرها بكل الوسائل التي يكفلها القانون الدولي والحق الوطني.
وانطلاقًا من ذلك، يُفترض أن يحتل ملف المنطقة الصفراء موقعًا متقدمًا على جدول أعمال اللقاء المرتقب بين رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون والرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث سيكون السؤال الجوهري: هل يستجيب ترامب للمطلب اللبناني بممارسة ضغط فعلي على إسرائيل للانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة، أم أن حساباته السياسية ومصالحه الانتخابية ستدفعه إلى زيادة الضغوط على لبنان، تحت عنوان مواجهة المقاومة، بما يفضي عمليًا إلى تكريس الاحتلال بدل إنهائه؟..

