الصحف

رصد الاعلام العبري القناة 12 بدون وجود إسرائيلي طويل الأمد في جنوب لبنان لن يكون سلام في الشمال

 

إيريز وينر: باحث في مركز الدراسات الاستراتيجية (ICGS).
البروفيسور غابي سيبوني: باحث في مركز الدراسات الاستراتيجية (ICGS).

عقب هجوم حماس، في السابع من أكتوبر 2023، وربما بأوامر من داعمها الإيراني، دخل حزب الله في قتال جزئي في 8 أكتوبر/تشرين الأول. كان ذلك للحفاظ على قوته للدفاع عن إيران ضد احتمال سعي إسرائيل لمهاجمة منشآتها النووية. وبعد أشهر طويلة من الاحتواء، ومع تصاعد هجمات حزب الله على الأراضي الإسرائيلية، وإخلاء المنطقة الشمالية من سكانها، شنت إسرائيل هجوماً، وكانت الموجة الأولى عملية “البيجر” وما تلاها من القضاء على حسن نصر الله (سبتمبر 2024) ومقر القيادة العليا لحزب الله، بالتوازي مع عملية برية محدودة بالقرب من الحدود تهدف إلى تدمير البنية التحتية التي أعدها حزب الله لغزو الأراضي الإسرائيلية.
أدى اتفاق وقف إطلاق النار في أواخر عام ٢٠٢٤، الذي تم التوصل إليه تحت ضغط من إدارة بايدن، إلى توقف الزخم الإسرائيلي. صحيح أن حزب الله قد أُضعف بشدة وتلقى هزيمة نكراء، إلا أنه لم يُهزم، فضلاً عن أن يُدمر. بقي الجيش الإسرائيلي في خمسة مواقع متقدمة على طول السياج قرب الحدود، وواصل عملياته الأمنية الرامية إلى منع استعادة القدرات وعودة الإرهابيين إلى قرى الاشتباك. وواصل حزب الله محاولاته للتعافي وتعزيز قوته، رغم ضعفه.
جاء دخول حزب الله إلى القتال في إطار عملية “زئير الأسد” (مارس ٢٠٢٦) بطريقة حذرة ومدروسة ومحسوبة. فقد اختارت المنظمة، عدم زجّ جميع قواتها في المعركة دفعة واحدة. ودخلت القتال تدريجياً، ساعيةً إلى الحفاظ على قدراتها الاستراتيجية – ولا سيما الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة وكبار القادة المتبقين. وقد شكّل هذا الدخول، وإن كان متردداً، نقطة تحوّل. منح ذلك إسرائيل الشرعية السياسية والدولية للعمل بكامل قوتها، دون قيود.
كان رد الجيش الإسرائيلي فوريا وقويا ومركزا. وعلى عكس المراحل السابقة، التي عملت فيها إسرائيل تحت قيود سياسية شديدة، تُدار الحملة الحالية على أساس المفهوم الأمني المُحدَّث لما بعد ٧ أكتوبر/تشرين الأول – “السلام من خلال القوة”. هذه الفرصة ليست تكتيكية فحسب، بل استراتيجية أيضا. دخل حزب الله الحملة وهو ضعيف، وكان حليفه الإيراني يمر بأزمة وجودية. وهذا مزيج نادر من الضعف المحلي والإقليمي، يجب استغلاله إلى أقصى حد.
بعد في ٧ أكتوبر/تشرين الأول، عملت اسرائيل وفق مبدأ الوقاية والتنفيذ، أي العمل ضد القدرات وليس محاولة تحليل النوايا، والأهم من ذلك، السعي لتحقيق نصر حاسم.
تتبنى الحملة الحالية في لبنان هدفا شاملا طويل الأمد، وهدفين عمليين. يتمثل الهدف طويل الأمد في القضاء على حزب الله كمنظمة عسكرية، وإزالة التهديد الذي يمثله لإسرائيل. والسبيل الرئيسي لتحقيق هذا الهدف هو إيران. ثمة عدة طرق لإلحاق الضرر بنظام آية الله وإضعافه. أولها استبدال النظام بنظام آخر، نظام يوقف دعم حزب الله (وغيره من الوكلاء). من الواضح أن هذا الهدف صعب المنال، ولا يعتمد فقط على الإجراءات التي ستتخذها إسرائيل والولايات المتحدة.
أما الطريقة الثانية، فتتمثل في إضعاف النظام في إيران من خلال إلحاق ضرر بالغ بقدراته العسكرية واقتصاده. ففي حال ضعف النظام والاقتصاد الإيرانيين بما يكفي، من الممكن أن يتمكن الشعب الإيراني من التحرك والانتفاض، حتى وإن كان ذلك في مرحلة لاحقة. ومن الضروري إلحاق الضرر بالاقتصاد الإيراني لتصعيب مهمة النظام في إعادة بناء قدرات حزب الله. وبالتوازي مع العمليات في إيران، يجب تحقيق هدفين عمليين في لبنان. أولهما إنشاء منطقة عازلة أمنية. ستشمل هذه المنطقة، المنطقة الواقعة بين الحدود الدولية ونهر الليطاني، ويجب توسيعها في المنطقة الشرقية. ولتحقيق ذلك، أمر الجيش الإسرائيلي جميع سكان المنطقة بالإخلاء حفاظًا على سلامتهم، ويجب إتمام عملية الإخلاء بشكل منهجي، باستخدام مزيج من الضغط العسكري المُكثف والإنذارات الإنسانية الدقيقة.
تُظهر التجربة المكتسبة في غزة من خلال نموذج “الخط الأصفر” إمكانية إنشاء منطقة خالية تماما من السكان والبنية التحتية المعادية التي تُشكل تهديدا لأراضينا. في المنطقة العازلة الجديدة، لن يُسمح لأي من السكان بالعودة طالما بقي حزب الله موجودا كمنظمة نشطة، وبالتأكيد لن يُسمح للسكان الشيعة بالعودة. ستصبح المنطقة بأكملها “منطقة مُعقمة” من الناحية الأمنية – دون أي وجود في القرى الشيعية التي آوت حزب الله ودعمته على مر السنين.
سينشر الجيش الاسرائيلي في هذه المنطقة، مواقع وأنظمة تكنولوجية وحواجزن بالتوازي مع عمليات مسح ودفاع متنقلة تعمل باستمرار. كل ذلك لضمان السيطرة الفعّالة على جميع التحركات في المنطقة، ومنع التسلل، وإزالة خطر الغزو والصواريخ المضادة للدبابات والنيران، سواء المباشرة أو عبر مسارات قصيرة المدى من المنطقة.
أما الهدف العملياتي الثاني فهو تكثيف الهجمات للقضاء على القدرات المتبقية في جميع أنحاء لبنان. وبالتزامن مع إنشاء المنطقة العازلة، يجب تنفيذ حملة هجمات واسعة النطاق ومُطوّلة في جميع أنحاء لبنان – من بيروت، مروراً بوادي البقاع، وشمال لبنان، وصولاً إلى الحدود السورية. الهدف ليس “الاحتواء” أو “إلحاق ضرر محسوب”، بل القضاء شبه التام على القدرات المتبقية لحزب الله.
الهدفان العملياتيان المذكوران أعلاه ضروريان، لكنهما غير كافيين بمفردهما. وحده الجمع بين الطبقات الثلاث – منطقة عازلة أمنية واسعة في لبنان، والقضاء على قدرات التنظيم في جميع أنحاء البلاد، وتوجيه ضربة قوية لإيران، كفيل بتحقيق النتيجة الاستراتيجية المرجوة: القضاء على حزب الله كمنظمة عسكرية، وإزالة التهديد الشمالي على إسرائيل لأجيال، وعودة الأمن لسكان الشمال.
إضافةً إلى ذلك، يجب استغلال المعارضة المتنامية والعلنية لحزب الله في لبنان، على الرغم من ضعف الحكومة والجيش اللبنانيين. بإمكان إسرائيل، بل يجب عليها، استغلال هذه المعارضة كورقة ضغط استراتيجية، بالتزامن مع إضعاف حزب الله، وصولاً إلى وضع تشعر فيه الحكومة اللبنانية بالثقة الكافية لاتخاذ إجراءات. وعلى الرغم من ضآلة احتمالية اتخاذ مثل هذا الإجراء، فمن المهم استنفاد جميع الخيارات المتاحة.
يجب أن نطالب بنزع سلاح حزب الله بالكامل، وإخلاء جميع بنيته التحتية العسكرية من جنوب لبنان، ونقل السيطرة الكاملة على المنطقة إلى القوات السيادية للدولة. في الوقت نفسه، يجب توجيه رسائل مباشرة وغير مباشرة إلى العناصر السياسية اللبنانية المعارضة لحزب الله مفادها أن إسرائيل لن تتدخل في الشؤون الداخلية للبنان، لكنها ستواصل العمل بقوة حتى زوال التهديد الشمالي. الاستغلال الذكي لهذا العداء الداخلي، إلى جانب الضغط العسكري القوي والضغط الذي يمارسه السكان النازحون، من شأنه أن يجعل من حزب الله قوة يرغب معظم اللبنانيين في التخلص منها، مما يسهل بشكل كبير عملية نزع سلاحه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى