ماري حدَّاد… الرِّئبالة الثائرة على الظُّلم والفساد في لبنان (١)

الجزء الأَوَّل
ماجد مهدي*
تعرَّفتُ إلى ماري حدَّاد في صيف عام 1969، في منزلها القائم في منطقة “زقاق البلاط” في بيروت، وكانت، آنذاك، في العقد الثامن من عُمرها. جلسنا في الممرِّ الطويل ذي المنائر الزجاجيَّة، والواقع في أَحد جنبات المنزل. كانت مُصابةً بمرض تقوُّس الظهر بفعل وطأَة السنين التي راكمَتْها في رحلة العُمر. لكنَّها كانت شامخة الرأس كعهدها عندما جابَهَت ظُلمَ ذوي القُربى الذين حكموا لبنان في أَربعينيَّات القرن الماضي، واعتدَوا على حرِّيَّتها الفكريَّة، خلافًا للدستور والقوانين. في تلك الحِقبة، استلَّت قلمها كما يُستلُّ السيفُ اليمانيُّ من غِمده، وأَعملَتهُ في كبريائهم وصلَفِهم، وظُلمِهم وفسادِهم، فعفَّرَت رؤوسهم، ولم تُخفضْ رأسها لأَحدٍ غير اللَّه والحقّ! وقد خاطبها، عهدذاك، الصحافيُّ السوريّ الكبير جبران مسُّوح، صاحب جريدة “المُختصَر” الصادرة في بونس إيرس في الأَرجنتين، في رسالةٍ بعثَ بها إليها، في معرض دفاعه عنها، فقال: “الحادثُ بجُملته شبيهٌ بحادث دريفوس في تاريخ فرنسا. وحسبُكِ في هذا النضال أَن تكوني إميل زولا… ولكنْ لا بأس يا ماري. وعلينا أَن نُوقظ هذه الأُمَّة لإنقاذ ضميرها من الهلاك!”

ماري حدَّاد في صالون منزلها عام ١٩٧١
لم تكن العُكَّازةُ تُفارقُ يدَها، والبسمةُ قلَّما كانت تغيبُ عن ثغرها. وعلى الرغم من رِفعة أَدبها وسموِّ فنِّها، ومن مواقفها البطوليَّة في مقاومة الطُّغيان والفساد في لبنان خلال العهد الاستقلاليِّ الأَوَّل (1943-1952)، فإنَّ التواضُع كان باديًا على قسَمات وجهها، وفي ثنايا كلماتها، ومن خلال تأَدُّبها في الجلوس والتحدُّث والإصغاء، وكأَنَّها قد استحمَّت بمياهه الكوثريَّة، أَو كأَنَّ يدَ اللَّه العليّ قد أَسبغَتْ عليها غُلالةً نورانيَّةً من التواضُع المَهيب يُشيعُ من حولها حبًّا ولُطفًا وكِياسةً ودماثةَ أَخلاق! تلك الجلسةُ كانت بالنسبة إليّ من أَغلى وأَسمى ما اختزنَتْه الذاكرة، وحرصَت عليه. وقد حفلَت بالأَحاديث الشيِّقة عن الأَيَّام الصعبة التي عاشَتها سيِّدةُ الأَدب والفنّ في حياتها، والتي كلَّفَتْها عظيمَ التضحيات!
كانت ماري حدَّاد أَديبةً مرموقة تكتبُ باللغة الفرنسيَّة، وتُجيدُها إجادة أُدباءِ فرنسا الكبار. وكان القلمُ رفيقَ ساعاتها وسميرَ أَيَّامها الدائم، يشوقُه دومًا أَن يتسلَّل إلى يدها ليتبرَّكَ منها، ويُلملمَ ما أَمكنَه من قبَساتِ فكرها ليُعلِّقُها فوق القراطيس نُجيماتٍ تُضيءُ الدروب!.. صدر لها كتابُ “الساعات اللبنانيَّة” Les Heures Libanaises عام ١٩٣٧، في بيروت؛ وهو مجموعةٌ من القصص القصيرة زيَّنها بعضٌ من لوحاتها الفنِّيَّة. وقد أَطلق المُستشرقُ الروسيُّ، فلاديمير بلوندين Vladimir Blondin، عميد كلِّيَّة الدراسات الشرقيَّة في جامعة سانت بطرسبورغ بروسيا، عليها لقب “المُنوِّرة اللبنانيَّة“، أُسوةً بالمُنوِّرين اللبنانيِّين سليم البستاني (1848-1884) وجرجي زيدان (1861-1914) وفرَح أَنطون (1874-1927) وجبران خليل جبران (1883-1931) الذين كانوا من روَّاد الحركة التنويريَّة الواسعة التي شملَت مصر وسوريا ولبنان وغيرها من الأَقطار العربيَّة في الستِّينيَّات من القرن التاسع عشر إلى جانب عددٍ آخر من المفكِّرينَ والأُدباء والسياسيِّين العرب التقدُّميِّين.

المُستشرق الروسي فلاديمير بلوندين في بيروت حاملاً كتاب “مُذكِّرات يسوع الناصريّ”
للدكتور داهش بعد أَن انتهى من مراجعة ترجمته إلى اللغة الروسيَّة
وكانت ماري حدَّاد كذلك فنَّانةً موهوبة بدأَت مسيرتَها مع الرسم عام 1920 بدافع الرغبة الشخصيَّة لا غير. لكنَّها عادت فحصَّلَت بعض التدريبات الفنِّيَّة، خلال عامَي 1924 و1925، على يد الفنَّان الفرنسيّ كوبير Kober الذي كان يمتلكُ مدرسةً للفنّ في بيروت، في ذلك الزمن. وقد اتَّسعت شهرتُها بسرعة نظرًا لشَغفها الكبير في رسم البورتريه لبعض مواطنيها، وبخاصَّةٍ البدو منهم، ولمناظرِ الطبيعة الجميلة في لبنان، وحازَت لقب “فنَّانة البدو” Bedouin Artist نظرًا لاهتمامها الكبير بهذا الجانب الفنِّيّ، وإبداعها فيه.

لوحة بريشة ماري حدَّاد تُمثِّلُ فتاةً بدويَّة
في عام 1930، أَصبحت رئيسةً لجمعيَّة الفنَّانين اللبنانيِّين. وفي عام 1933، دعاها السفيرُ الفرنسيّ في لبنان، الكونت دي مارتِِل Le Comte de Martel، إلى إقامة معرضٍ لأَعمالها الفنِّيَّة في باريس، فلبَّت الدعوة. وقد كانت الفنَّانة الأُولى والوحيدة من لبنان التي مُنحَت القبول بالمشاركة في “صالون الخريف الخاصّ بالقصر الكبير” Le Salon d’Automne du Grand Palais.
بعد ذلك، أُقيم أَوَّلُ معرضٍ خاصٍّ بلوحاتها في گاليري جورج بِرنهايم Galerie Georges Bernheim في باريس، فاقتَنت الدولة الفرنسيَّة إحدى لوحاتها، وكانت تُمثِّلُ منظرًا لجبلٍ في لبنان. وقد كتب الناقدُ الفرنسيُّ الشهير “لوي ڤوكسِل” Louis Vauxcelles، آنذاك، دراسةً قيِّمةً عنها خصَّ بها كاتالوج بِرنهايم الفنِّيّ. واستمرَّ في دعمه لأَعمالها طيلة مسيرتها الفنِّيَّة. والجدير بالذكر أَنَّ ڤوكسِل هو الذي كان قد أَطلق، في عام 1905، تسمية “الفوڤيِّين” Fauves، أَي “الوحوش البرِّيَّة” على الفنَّانين المحيطين بهنري ماتيس Henri Matisse، بسبب استخدامهم أَلوانًا صاخبة وجريئة للتعبير عن المشاعر. و”الفوڤيسم” Fauvism هي مذهبٌ في الرسم مُتحرِّرٌ من قيود التقليد. وقد بقيت ماري حدَّاد تُتابعُ عرضَ أَعمالها كلَّ عامٍ في گاليري بِرنهايم، ولم تتوقَّف عن ذلك إلاَّ في عام 1940 عندما اندلعَت شرارةُ الحرب العالميَّة الثانية. كما قامت بعرض أَعمالها الفنِّيَّة في لندن ونيويورك، فبرزَت كفنَّانةٍ مُتميِّزة في جناح جمهوريَّة لبنان في المعرض العالَميّ في نيويورك لعام 1939. وكان لها حيِّزٌ في “معرض كليڤلاند الدوليّ” لعام 1941.
* * *
اتَّصف أَدبُ ماري حدَّاد وفنُّها بنزعةٍ إنسانيَّة ومَسحةٍ جماليَّة هما في أَساس خلودهما على مرِّ الزمن. فكلاهما أَشبهُ بقبساتٍ مُضيئة فاضت من نفسٍ مُتساميةٍ شاعرة فيها من النُّور ومن التوق إلى الأَعلى ما يُجنِّبُها التعثُّر في الظُّلمة، ويُبعدُها عن جاذبيَّة الأَهواءِ والرغبات، ويَشيلُ بها صعودًا نحو عين الشمس!
تلك السيِّدة، بكلِّ ما كانت عليه من مثاليَّةٍ وخُلُقٍ رفيع، وجدَت نفسَها، هيَ وأُسرتَها، في أَحد أَيَّام عام 1942، في حضرة رجُلٍ تبيَّن لها بالدليل القاطع أَنَّه رجُلُ الحقيقة الخالدة؛ رجُلُ الهَدْي والمحبَّة والرحمة والإيمان باللَّه وبالروح في عالَمٍ غارقٍ في المادِّيَّة والفساد! رجُلٌ يعَدُّ من أَبرز مُمثِّلي الأَدب الإنسانيّ، ويأتي المعجزات بفضل قوَّةٍ إلهيَّة من أَجل إثبات حقيقةِ وجود اللَّه، ووحدةِ أَنبيائه ورسالاته، ويُناهضُ التعصُّب بكلِّ أَشكاله، ويهزأُ بالأَمجاد والأَلقاب، ويُعرضُ عن مَتاع الدُّنيا وغُرورها، ويؤمنُ بعدالة اللَّه ويُسلِّمُ بمشيئته! وقد رأَت فيه بالفعل رجُلاً من رجال اللَّه الذين تتزَلزلُ مملكةُ إبليس تحت وقْع أَقدامهم!
كان الدكتور داهش ذلك الرجُل! ولقد وجدَت ماري حدَّاد فيه ضالَّتها المنشودة، والحُلمَ الذي كان يُراودُها منذ الطفولة! وكانت بيروت والقاهرة ومدُنُ فلسطين قد ضجَّت بأَخبار مُعجزاته، في ثلاثينيَّات القرن الماضي، وكتبَت الصِّحافةُ الكثير عن مآتيه وأَدبه وفكره. لم تُصدِّق في البدء ما نُقلَ لها عنه إلى أَن جاءَت إليه بنفسها، مُصطحبةً زوجها الأَديب جورج حدَّاد وبناتهما الثلاث، للتحقُّق من صحَّة ما سمعُوه عنه. هناك، لمسَت الحقيقة لمسَ اليد، وشاهدَت بأُمِّ عينِها ما سمعَتْه عنه بأُذنها، وأَيقنَت أَنَّ ذلك الطالعَ من وطن أَرز الربّ يَحملُ أَمانةً ساميةً عظيمة، لا لوطن الأَرز وأَبنائه فحسب، بل للدُّنيا بأَسرها وشعوبها قاطبةً، وأَنَّه لن يتوانى عن تأديتها مهما عظُمَت المصاعب وغلَت التضحيات!

الدكتور داهش في صالون منزله في بيروت عام ١٩٧١
وأَعلنَت ماري حدَّاد تأييدها له في دعوته؛ وكذلك فعلَت أُسرتُها. وكانت في كلِّ يوم تستزيدُ معرفةً من أَدبه وفكره، وتشهدُ الكثير من مُعجزاته. ومُذذاك، لم يعد إيمانُها مُقتصرًا على السيِّد المسيح ورسالته فحسب، كونَها مسيحيَّة المولد والنشأة، بل أَصبح يحتضنُ أَنبياءَ اللَّه ورسالاتِهم، بلا استثناء، بمن فيهم النبيّ محمَّد (ص) ورسالته. وقد أَعلنَت وزوجها جورج حدَّاد عن قناعاتهم تلك على رؤوس الأَشهاد، الأَمرُ الذي أَثار عليهم أَقرباءَهم وسواهم من وجوه التعصُّب المقيت في لبنان مِمَّن كان لهم نفوذٌ في السُّلطة في تلك الحِقبة. ولم يمضِ زمنٌ طويل حتَّى تسنَّم صهرُها بشاره الخوري سدَّة رئاسة الجمهوريَّة، وذلك في ٢١ أَيلول (سبتمبر) ١٩٤٣، فراح يضطهدُ الدكتور داهش، مُقحِمًا جميع السُّلطات القضائيَّة والأَمنيَّة والصِّحافة في الاعتداءِ عليه، بالظُّلم والافتراء، وخلافًا للدستور والقوانين. وقد أَدَّى ذلك الاضطهادُ إلى تجريد الدكتور داهش من جنسيَّته اللبنانيَّة، ونَفْيه إلى الحدود السوريَّة التركيَّة في محاولةٍ للقضاءِ عليه، وذلك بمقتضى مرسومَيْن ظالمَيْن صادرَيْن عن رئيس الجمهوريَّة نفسه، من غير أَن يُقدَّم للمحاكمة، ومن دون أَن يُبلَّغ بما صدَر بحقِّه من أَحكام. لكنَّه تمكَّن، بعد أَكثر من شهر، من العودة سرًّا إلى بيروت، مُرفَقًا بعناية اللَّه. ومن مُحتجبه القسريّ فيها، احتكم إلى قلمه، سلاحه الوحيد في مواجهة مُضطهديه، وفي الدفاع عن قضيَّته العادلة، وفي المطالبة باسترداد حرِّيَّاته وحقوقه. وقد دامت تلك الحربُ القلميَّة ثماني سنواتٍ متواصلة، ولم تتوقَّف إلاَّ بعد أَن ثار الشعبُ اللبنانيُّ على ذلك العهد الأَسود وأَسقطه إلى غير رجعة، وذلك في 18 أَيلول 1952.
كانت القضيَّةُ في نظر الدكتور داهش قضيَّة الحرِّيَّة الفكريَّة بامتياز، فانبرى يُسجِّلُ أَحداثَها بنفسه في عشراتٍ من الكتب التي باتت تُقرأُ اليوم على أَنَّها جزءٌ من تاريخ الاضطهادات الكبرى في تاريخ الإنسانيَّة. وقد بدَت ماري حدَّاد من خلالها كالرئبالة الجريحة التي تأبى الضَّيْم، فلا تهدأُ حتَّى تَنتزعَ حقوق المَظلومِ من ظُلاَّمه! فمنذ اللحظة الأُولى للاعتداءِ عليه، استلَّت قلمها النبيل، وراحت تُدبِّجُ البيانات إلى أَبناءِ وطنها، وإلى رئيس منظَّمة الأُمم المتَّحدة، وسفراءِ الدول وقناصلها المُعتمَدين في لبنان، ورؤساءِ وملوك الدول العربيَّة، شارحةً لهم فيها حقيقة مبادئ الدكتور داهش وأَهدافه، وتفاصيل الجريمة المُرتكَبة بحقِّه، ومُطالبةً إيَّاهم بالتدخُّل العاجل لوَقْف تلك المَظلِمة وجرِّ مُرتكبيها أَمام العدالة. كما وجَّهَت رسائلَ إلى رئيس الجمهوريَّة ومَن بيدهم زمامُ الأُمور في لبنان تُحمِّلُهم فيها مسؤوليَّة أَيِّ ضررٍ يقعُ على الدكتور داهش جرَّاءَ اعتدائهم عليه، وتُطالبُهم بإعادة جنسيَّته وحقوقه إليه، وتُنذرُهم بردودٍ مُزلزِلة إذا لم يُنفِّذوا تلك المطالب.
وكان الدكتور داهش قد بدأَ، بُعيد عودته من المنفى، يُصدرُ الكتب حول القضيَّة، بما فيها كتابات ماري حدَّاد. وكانت جميعُها طافحةً بأَخبار المظالم في البلاد وسرقات المسؤولين لأَموال العباد. والجديرُ بالذكر أَنَّ ثُلَّةً من مُريديه قد خاضوا حربَ الأَقلام إلى جانبه، دفاعًا عنه. كما إنَّ بعضًا من صِحافيِّي المهجر وأُدباءِ البلاد العربيَّة أَسهموا، هم أَيضًا، في إظهار الحقيقة في القضيَّة، وذلك من قبيل الدفاع عن الحرِّيَّات التي كانت في جوهرها. وقد كان أَسلطَهم قلمًا وأَبدعَهم أُسلوبًا وأَكثرَهم صرامةً في دفاعه الصحافيُّ جبران مسُّوح.

المنشور الأَسود الذي توجَّهَت به ماري حدَّاد إلى أَبناء وطنها
من أَجل إظهار الحقيقة في قضيَّة الدكتور داهش
وكان من نتيجة تلك الحملة القلميَّة أَن أُوقفَت ماري حدَّاد، وسُجنَت أَكثر من مرَّة، وزُجَّ بها في مستشفى المجانين المسمَّاة “العصفوريَّة” لتقضي فيه 73 يومًا مع فاقدي نعمة العقل، بالظُّلم الرهيب. لكنَّ المسؤولين خافوا من مغبَّة التمادي في إبقائها خلف تلك الجدران المُرعبة، فأَطلقوا سراحها. وقد خرجَت مرفوعة الرأس، موفورة الكرامة، لتُتابعَ مسيرتَها النضاليَّة. فكتبَت مذكِّراتها عمَّا عانَته في تلك المرحلة من أَرهب المخاوف وأَشدِّ الآلام، وعمَّا شاهدَتْه من جرائم تُرتكبُ في ذلك المكان الجهنَّميِّ الحافل بالويلات. وقد رأَيتُ أَن أُقدِّم ههُنا شذَراتٍ مِمَّا جاد به قلمُها المُبدِع ضمن البيان الذي رفعَتْه إلى أَبناءِ وطنها، وناشدَتْهم فيه أَن يرفعوا الصوت عاليًا ضدَّ الجَوْر، وأَن يحتجُّوا معها باسم الحقيقة وباسم الحرِّيَّة، على حدِّ قولها. وها هي: “إنَّني أَشهدُ أَمام اللَّه أَنَّ الدكتور داهش هو مثالُ النبالة والشرف. وهو بتعاليمه السامية يَنشُدُ أَرفَع وأَطهَر ما يصلُ البشرُ إلى معرفته من أَخلاقٍ كريمة وآدابٍ رفيعة، ويُعلنُ لإخوانه أَنَّ الحياة ليست إلاَّ مرحلةَ تجربةٍ وتهيئةٍ لحياةٍ ثانية، وأَنَّ العدالة الإلهيَّة تقتصُّ من الأَشرار وتُكافئُ الأَخيار.
“إنَّ الدكتور داهش يُنادي بالإخاءِ بين البشر قاطبةً مهما اختلفَت عناصرُهم وتعدَّدَت شرائعُهم، ويُبشِّرُ بضرورة التعاون بين أَفراد المجتمع ليزول الشقاءُ والفقر، مُعلنًا أَنَّ الناس مُتساوون أَمام اللَّه، وأَنَّ القُدوة الحسنة هي خيرُ موعظة.
“وفضلاً عن ذلك، فإنَّ اللَّه قد وهبَ هذا الرجُلَ العجيب قوَّةً روحيَّةً خارقة لم تُعطَ إلاَّ الذين اختارَتهم العنايةُ الإلهيَّة، ومسحَتهم منذ الأَزل ليكونوا مصابيحَ هدايةٍ ومشاعلَ نُورٍ للبشريَّة في هذه الأَرض المُظلمة. وقد شاهد كثيرون – وأَنا منهم – قبسًا من ظاهرات هذه القوَّة الروحيَّة، الأَمر الذي أَيقظ إيماني بخلود الروح وثبَّتَه، وكَشَف لي ضرورة السير في طريق النور والعدالة.”
* * *
لم يتعبْ قلمُ ماري حدَّاد من الكتابة، كما لم تتعبْ يدُها من حَمْله. ومن وراءِ المحيطات، يُوافيها قلمُ جبران مسُّوح، مُدافعًا عن الدكتور داهش وعنها، على غير معرفةٍ شخصيَّةٍ بهما، فيقول: “إنَّ داهشًا يفتكرُ بمقابلة كبار المُصلحين في التاريخ ليَبحثَ معهم حالَ هذه الإنسانيَّة التعِسة التي تنتقلُ من شقاءٍ إلى شقاء، ومن خطرٍ إلى خطر. هو يفتكرُ بهذا الشرق البائس الحزين الذي كان مهبطَ الذكاءِ البشريّ، فأَصبح أُلعوبةً بين أَيدي التخاذُل والانقسام. هو يَجمعُ أَقوالَ جميع المُصلحين الشرقيِّين ليَستخرجَ منها قوَّةً واحدة تَجمعُ الشمل وتُوحِّدُ الغايات وتؤلِّفُ بين القلوب…”
كما يُخاطبُ ماري حدَّاد، فيقول:
“إنِّي أَحترمُ جهادكِ العنيف وصبركِ على مقاومة الخصوم. والحادثُ بجُملته شبيهٌ بحادث دريفوس في تاريخ فرنسا. وحسبُكِ في هذا النضال أَن تكوني إميل زولا. لكنَّكِ تبُزِّينَه لأَنَّ ضمير الشعب الفرنساوي كان قد استفاق أَكثر مِمَّا استفاق ضميرُ شعبنا الآن. ولكنْ لا بأس يا ماري. وعلينا أَن نُوقظ هذه الأُمَّة لإنقاذ ضميرها من الهلاك، مهما كان في ذلك من الصعوبات. هذا الحادث هو أَعظمُ حادثةٍ جرَت في الشرق في هذا الجيل. وإنِّي كلَّما قرأتُ تفاصيلها، أَرى ماري حدَّاد فوق الجميع. فوق بشاره الخوري، وفوق وزارته وحكومته. بل أَنتِ فوق لبنان، كلِّ لبنان.. لأَنَّكِ تدافعينَ عن مبدإٍ وعقيدةٍ دفاعًا قصَّر عنه جميعُ الرجال… أُكتُبي لي لأَسمع صوت سلامتكِ، يا حمامةً بين قطيعٍ من الذئاب.”

الصِّحافيّ جبران مسُّوح صاحب جريدة “المُختصر” الصادرة في بونس إيرس بالأَرجنتين
قُبيل اليوم الأَخير من عام 1972، حضرتُ إلى مستشفى “أُوتيل ديو” Hôpital Hôtel-Dieu في بيروت للاطمئنان على صحَّة السيِّدة ماري حدَّاد، فرأَيتُها في شبه غيبوبة. كانت مُمدَّدةً في سريرها وقد بدَت على وجهها مسحةٌ نورانيَّةٌ أَضفَت عليها مهابةً وجلالاً. كانت، شهدَ اللَّه، مثيلَ ملاكٍ أَخذَهُ النُّعاس فنسيَ نفسه، وفاتَه أَنَّه في أَرض البشر!
وفي اليوم الأَوَّل من عام 1973، أَغمضَتْ عينَيْها إلى الأَبد، وفارقت الحياة. وقد رافقَها رهْطٌ من ملائكة اللَّه إلى العالَمِ السعيدِ البعيدِ المُعَدِّ للأَبرارِ الأَحرار من أَمثالها! في تلك الربُوع القُدسيَّة، غدَت “المُنوِّرةُ اللبنانيَّة” ماري حدَّاد نَجمةً سعيدةً تشعُّ في الآفاق، وتزيدُها نورًا على نُور! وقد ضمَّت “الدار الداهشيَّة للنشر” The Daheshist Publishing Co. Ltd. القائمة في “مانهاتن” بنيويورك جميع أَعمالها الأَدبيَّة، وهي تعملُ على إصدارها في أَجمل الحُلل وأَبهاها، كما ضمَّ “مُتحف داهش للفنّ” Dahesh Museum of Art القائم في “مانهاتن”، بعض أَعمالها الفنِّيَّة الرائعة. مَن يَدري، فلعلَّ تلك الأَعمال تشعُّ، هي أَيضًا، بأَنوار الجمال الإلهيّ فتُضيءُ قلوبَ أَبناءِ الحياة!
* كاتبٌ لبنانيٌّ مُقيم في كندا



