خاسران وإيران واحدة تبتسم في طريقها إلى البنك

الاعلام العبري
موقع “والا”:
أبراهام بورغ
خسر أقوى زعيمين في العالم، الحرب. هذه ليست بداية نكتة، بل مأساة تاريخية لهزيمتين. انطلقا لإعادة هندسة الشرق الأوسط، وعادا وقد تخلصا من غرورهما. خسر كل منهما مرتين على الأقل في تلك الحرب. خسر ترامب أمام إيران ونتنياهو. وخسر نتنياهو أمام إيران وترامب. خاسران وإيران واحدة تبتسم في طريقها إلى البنك، وإلى استمرار التعصب الديني.
أقنع نتنياهو ترامب بأنه شمشون البطل. كل ما يحتاجه هو إسقاط ركنين أساسيين – القيادة والاقتصاد – وسيُدمر المعبد الإيراني بأكمله. نتنياهو بارع في بيع الأوهام أكثر من أي شخص آخر، وترامب مستعد لشراء أي ذرة من المديح والثناء من أي شخص. قبل بضعة أشهر فقط، لم يكن هناك من هو أفضل منهما لهذه المهزلة. نتنياهو كاذبٌ مخادع، وترامب ليس ذكياً، والنتائج خير دليل. لقد صدّق من الشخص الذي يخدعنا، وهم أن إيران ستخضع له، وأن خمسين عاماً من العداء الإيراني ستزول في أيام معدودة.
مأساة ترامب كرئيس تكمن في اعتقاده أنه شجاع وجريء، مستعد لفعل ما يخشاه الآخرون. لكن اتضح أنه لم يكن ذكياً بما يكفي ليسأل نفسه: لماذا لم يخوضوا هذه الحرب، رغم تحريض نتنياهو ومساعديه..؟ لم يكونوا خائفين من إيران، بل فتحوا الأطلس، ورأوا الجغرافيا، وفهموا. دولة تقع على الضفة الشمالية لمضيق هرمز، وليست فنزويلا. مهما قصفتها، لن تتزحزح.
ربما تكمن المشكلة في أن الرئيس ترامب لم يسمع باختراع الأطلس. لقد خسر أمام نتنياهو عندما بدأ الحرب، وهُزم على يد إيران في النهاية. لا سبيل آخر للنظر إلى الأمر. ذهبت أمريكا إلى حرب نتنياهو. وهنا انتهى التخطيط. أما نتنياهو فهو قصة أخرى. لقد لعب مع إيران لثلاثين عاما، وصوّرها كوحش كاسر، وصوّر نفسه كالقديس جورج الذي يُنقذنا من هذا الوحش. لم يكن من الصعب عليه إقناع الرئيس بمكانته الأسطورية كقاتل الوحش إلى جانب نتنياهو القديس. فهو يُصدّق القصص التي يختلقها، فما المشكلة في إقناعه بقصة أخرى مماثلة..؟
وجد نتنياهو ضالته. بعد سنوات من الإحباط والرفض من كل رئيس أمريكي عاقل، تحققت أحلامه، على النقيض من كل رؤاه. لم ينهار النظام الإيراني، ولم يثور الشعب الإيراني. أظهر الإيرانيون، الذين كانوا مستعدين لهذا السيناريو تحديدا، صمودا لم تتوقعه التقديرات الإسرائيلية، وخرجت إيران من الحرب باعتراف دولي لم تنله منذ عام ١٩٧٩.
تعيد مذكرة التفاهم، إيران إلى طاولة المفاوضات، وتضعها في موقع قوة إقليمية، وترفع العقوبات. لقد منح نتنياهو إيران الشرعية التي لم تنلها قط. لكن خسارته الحقيقية ليست دبلوماسية فحسب، بل شخصية وسياسية أيضا. فقد خسر نتنياهو ترامب. هذا هو الثمن الذي لا يُسلّط عليه الضوء بما فيه الكفاية.
ثلاثة عقود من العمل الدبلوماسي أوصلته إلى رئيس لم تكن إسرائيل بحاجة لإقناعه. وهذا الرئيس، الذي اعترف بالقدس وهضبة الجولان، وطبّع العلاقات مع دول الخليج، وحمى الأجواء الإسرائيلية، وأرسل أكبر جيش في العالم إلى حرب لا داعي لها، سيصبح في غضون أيام قليلة أشدّ خصومنا وأكثرهم هجوما في البيت الأبيض. شكرا لك يا نتنياهو. ماذا تبقى..؟ زعيمان يتلاشى بريقهما، وخسارتان، وسؤالان يجب طرحهما بعد أن تهدأ العاصفة.
في لبنان، وفي مواجهة حزب الله، يُفضّل نتنياهو الرئيس السوري الجولاني. أو بتعبير أدق، هو يُفضّل إرهابيا من القاعدة على رئيس وزراء الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. لأنه لن يُدمّر البيوت عبثا، بل سيتصرف بحساسية ودقة. مع أصدقاء كهؤلاء، من يحتاج إلى معارضة..؟ لم يُصرّح أيٌّ من أصدقاء إسرائيل بمثل هذا الكلام علنا، ولا حتى أعداؤها. ولو تجرأ أحد على عقد هذه المقارنة، لكان العالم اليهودي بأسره وبن غفير، وصفوه بمعاداة السامية والنازي. فهل هذا ما لدينا في البيت الأبيض يا سيد نتنياهو..؟
السؤال الأول أمريكي: أين ذهبت فكرة أن القوة وحدها كافية للفوز..؟ الولايات المتحدة، التي أنفقت تريليونات الدولارات على هذه الحرب، اكتشفت أنه من السهل القتل ومن الصعب جدا التأثير. وأن دولة يبلغ تعداد سكانها مئة مليون نسمة، تقع على مضيق يمرّ عبره خُمس طاقة العالم، ليست لعبة لاتينية يُمكن الاستيلاء عليها ولعب الغولف. لقد انتصرت الجغرافيا. انتصرت الحقائق. وتغلّب صبر الإيرانيين على غطرسة الإسرائيليين والأمريكيين وتبجحهم.
السؤال الثاني هو سؤال إسرائيلي: إذا انتهت ثلاثون عاما من تصوير إيران كتهديد وجودي بالاعتراف بها كلاعب إقليمي شرعي، وبرفع العقوبات التي كانت حجر الزاوية في الاستراتيجية الإسرائيلية، وبرحيل أكثر رئيس ودود عرفته إسرائيل على الإطلاق، محملا إيانا مسؤولية فشل الاتفاق، فمن المسؤول إذا..؟
السؤال الأول، الأمريكي، له إجابات. أما السؤال الثاني، الإسرائيلي، فسيُجاب عليه في الخريف. إذا سأل نتنياهو: “هل أنا خاسر..؟” ، آمل أن يجيبه الإسرائيليون في صناديق الاقتراع.

