أيّهما أكثر سوءاً للبنان وربحاً لـ «إسرائيل»؟

حسن حردان
إذا ما تمّت مقارنة اتفاق 26 حزيران 2026 باتفاق 17 أيار 1983 المشؤوم، أيّهما أسوأ أو أكثر سوءاً بالنسبة للبنان، وأيّهما أعطى لـ “إسرائيل” مكاسب أكثر؟
لإجراء مقارنة موضوعية ودقيقة بين النصين، يجب أولاً أن نأخذ في الاعتبار السياق التاريخي والجيوسياسي لكلّ منهما.
اتفاق 17 أيار وُقِّع في لحظة انكسار لبناني كبير بعد اجتياح بيروت وخروج منظمة التحرير الفلسطينية، بينما النص الإطاري الحالي يأتي في سياق غرق جيش الاحتلال في حرب استنزاف تكنولوجية وعسكرية معقدة، استدرجته إليها المقاومة، حيث عجزت فيها “إسرائيل” عن تحقيق هدفها بالقضاء على المقاومة وتفكيك منظومتها وتجريدها من سلاحها.
وللمقارنة من حيث خطورة الشروط والمكاسب التي حققتها “إسرائيل” في كلّ منهما يمكن تسجيل الآتي:
أولاً: من حيث المكاسب السياسية والسيادية
في البُعد السياسي والسيادي المحض، كان اتفاق 17 أيار يمثل إنهاءً عملياً لعروبة لبنان وإلحاقه بالمنظومة الأمنية الإسرائيلية:
إلغاء حالة الحرب: نص اتفاق 17 أيار صراحة على إنهاء حالة الحرب بين لبنان و”إسرائيل”، وهو ما كان يمهّد لمعاهدة سلام قسرية وعزل لبنان عن محيطه العربي. في المقابل، النص الحالي يتحدث عن “إنشاء مجموعات عمل لصياغة اتفاق سلام” مستقبلي، أيّ أنه يمهّد له ولا يعلنه فوراً.
السيادة البرية والبحرية: اتفاق 17 أيار أعطى “إسرائيل” الحقّ في مراقبة الأجواء والمياه الإقليمية اللبنانية، ومنع لبنان من الانضمام إلى أيّ حلف أو منظمة معادية لـ “إسرائيل”، وهو ما كان يمثل مصادرة كاملة للقرار السيادي اللبناني.
ثانياً: من حيث الخطر الأمني والداخل اللبناني: النص الحالي “أكثر خباثةً وخطورة”
إذا كان اتفاق 17 أيار قد صادر السيادة “من الخارج”، فإنّ النص الإطاري الحالي يفخخ الداخل اللبناني بشكل أكثر ذكاءً وخبثاً، ويمثل صيغة متطورة جداً من الحروب غير المتناظرة (الصلبة والناعمة معاً):
نقل عبء المواجهة (الصراع اللبناني ـ اللبناني): في اتفاق 17 أيار، تم تشكيل “منطقة أمنية” بمشاركة جيش العميل سعد حداد – أنطوان لحد، وكانت “إسرائيل” هي المسؤولة المباشرة عن الأمن فيها مع عملاءها المحليين. أما النص الحالي، فهو يورّط الجيش اللبناني الشرعي مباشرة في عملية “نزع السلاح وتفكيك البنية التحتية للجماعات المسلحة” (المقاومة). هذا يعني وضع مؤسسة الجيش (التي تحظى بإجماع وطني) في مواجهة بيئتها الشعبية، وهو وصفة جاهزة لحرب أهلية واستنزاف داخلي وتدمير للنسيج الاجتماعي.
آلية “المناطق التجريبية” (تجزئة السيادة): النص الحالي يبتكر مفهوم “المناطق التجريبية” المشروطة بنجاح نزع السلاح لبدء الإعمار. هذه الصياغة “تمنح إسرائيل الحق في قضم الاستقرار”؛ فإذا فشلت الدولة في منطقة ما، يبقى الاحتلال أو القصف قائماً، ويُحرم السكان من العودة والإعمار، والهدف خلق ضغط شعبي داخلي ضدّ المقاومة.
الحصار المالي والقانوني الدولي: بند “التزام لبنان والولايات المتحدة بمنع تدفق الأموال” وتحجيم الأنشطة القانونية يمثل ميزة لم تكن موجودة في 17 أيار؛ فهو يشرعن تجفيف منابع المقاومة الاقتصادية والاجتماعية تحت غطاء الدولة اللبنانية وبأدوات أميركية.
ثالثاً: أيهما أسوأ؟
اتفاق 17 أيار كان الأسوأ سياسياً ووطنياً، لأنه كان وقحاً وفجاً في استسلامه، وصادر هوية لبنان العربية وسيادته دفعة واحدة، مما جعل إسقاطه من القوى الوطنية هدفاً واضحاً ومباشراً.
النص الحالي هو الأكثر سوءاً وخطورة أمنياً واستراتيجياً في المديين القصير والطويل؛ لأنه نص “مفخخ” وذكي. إنه يعطي “إسرائيل” ما تريده (أمن مستوطناتها الشمالية وتفكيك سلاح المقاومة بأيدٍ لبنانية) دون أن تضطر لدفع أثمان عسكرية في الميدان، ويلقي بكرة اللهب داخل البيت اللبناني. هو اتفاق يفرض “الاستسلام الطوعي المتدرّج” تحت مسمّيات “السيادة” و”إعادة الإعمار”، مما يجعله أصعب في المواجهة وأقرب إلى تحقيق المكاسب الإسرائيلية الدائمة مع تبرئة ساحة الاحتلال من التزامات القوانين الدولية كقوة احتلال (مثل اتفاقيات جنيف).
لذلك إذا كان اتفاق 17 أيار هو محاولة لـ “قطع رأس” عروبة لبنان وسيادته بضربة واحدة وفاشلة، فإنّ اتفاق 26 حزيران 2026 الإطاري الحالي هدفه “حقن الجسم بسمّ بطيء المفعول”؛ بغية فرض الاستسلام الطوعي المتدرّج، وتفكيك عناصر القوة اللبنانية من الداخل تحت مسمّيات براقة كالسيادة القانونية والشرعية الدولية.. لكن في ظلّ وجود مقاومة واعية لهذا الفخ، وتملك القدرة على إحباط أهدافه، بدعم كبير من الأحزاب والقوى والفاعليات الوطنية والسياسية التي أعلنت رفضها لهذا الاتفاق “الإسرائيلي” الصنع، فإنّ هذا الاتفاق سيكون مصيره السقوط أيضاً، خصوصاً أنه تمّ فرضه على المفاوض اللبناني عبر الضغط والإملاء الأميركي لأجل إنقاذ رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو من مأزقه الداخلي، والانقلاب على مذكرة التفاهم مع طهران التي وضعت بند إنهاء الحرب في لبنان والانسحاب “الإسرائيلي” منه، بلا قيد ولا شرط، بنداً أولاً، في رأس قائمة المذكرة… وهي مصمّمة على رهن مواصلة المفاوضات مع واشنطن بتفيذ هذا البند، كما أكد رئيس وفدها المفاوض محمد باقر قاليباف للرئيس نبيه بري…


