مقالات رأي

عالم بين “كرنفال القردة” و”كرنفال الموتى”

نبيه البرجي
ابان الجمهورية الرابعة في فرنسا , وقد بلغ التردي ذروته في مؤسسات الدولة , وصف فيلسوف “الوضع الانساني” أندريه مالرو المشهد السياسي في بلاده بـ “كرنفال القردة” .
غداة تفكك الاتحاد السوفياتي كتب جان دانيال في “النوفيل أوبسرفاتور” “لكأنك استيقظت ذات يوم ليقال لك ان الشيطان مات” . الثابت أن الشيطان لم يمت حين قال المؤرخ الأميركي آرثر شليسنجر “الآن بات علينا أن نخشى من اندلاع الصراع بيننا وبين الله” . قال أيضاً “على أمل ألا يعقب سقوط الأمبراطورية الشيوعية سقوط الكرة الأرضية” . سؤالنا وسط هذا الضجيج الايديولوجي والاستراتيجي العبثي “أين هي الكرة الأرضية الآن وكيف تدار ؟” .
دونالد ترامب مثل الأباطرة الآخرين حين يسقطون في “اللحظة الفرويدية” ويعتبرون أنهم باصبعهم أو بعصاهم يقودون العالم . ول ديورانت كتب عن “الفيلة التي تتعثر بالحصاة لتكبو” . ستيف بانون , كبير المستشارين في ولاية ترامب الأولى , رأى في هذا الأخير “البركان الذي يقذف الحمم في كل الاتجاهات” دون أن يدرك كيف يمضي التاريخ وكيف يمضي العالم . ترامب ألقى جانباً الوثيقة السنوية للبنتاغون (2024 ) وحيث التحذير من الصين التي تتسلل في الظل ليس فقط الى أسواق الدنيا وانما أيضاً الى أدمغة الذين يرون في الاستقطاب الاحادي تكريساً لاستئثار الاله الأميركي بمقصورة القيادة .
مخططون استراتيجيون يتابعون المسار الصيني لا يستبعدون أن يكون جين شي بينغ قد أمر بحفر نفق بين تشونغنانهاي (المقر المركزي للقيادة ) والبيت الأبيض , ليظهر التنين فجأة في المكتب البيضاوي !
صورة سريالية دون شك لكنها تعكس القصور في الرؤية لدى دونالد ترامب حين ينزلق , وتحت شعار “لنعد أميركا عظيمة مرة ثانية” , الى صراعات هامشية لتأديب كل من يهدد العنفوان الأميركي لا الأمن الاستراتيجي الأميركي وحيث الصين في الواجهة , وان كان الرئيس السابع والأربعون يعتقد أنه يقطع الطريق الى الشرق الأوسط أمام الصين التي بحاجة وجودية الى حقول الطاقة فيه .
لكنه بتلك النزعة النرجسية المدمرة يبدو وقد وصل الى عنق الزجاجة . شبكات التلفزة نقلت عن كبارالمسؤولين العسكريين قولهم انهم باتوا يبحثون عن مخرج من المأزق الايراني , بعدما لاحظوا أن القوة , لاسيما القوة الجوية , لا يمكن أن تحقق “النصر” فيما النزول الى الأرض يعني شيئاً واحداً . الضياع الأبدي في التضاريس الآسيوية . هذا بعدما وصفت سياسات ترامب بـ “البجعة السوداء” حيث لا امكانية للتكهن بأساسيات قراراته ولا بآفاقها . من هنا تخوف أركان الادارة من أن يتحول الرئيس , وبعد الانتخابات النصفية , الى “بطة عرجاء” قبل انتهاء ولايته الثانية وهو الذي يراهن على دخول التاريخ على قرع الطبول .
لا أحد مثله في اثارة كل ذلك الغبار (لا الضوء) حوله . هو الذي كان معجباً بأفلام الويسترن لا بد أن يكون قد تأثر بشخصية الكاوبوي الذي كان يقتحم الحانة الخشبية ويردي ببندقيته كل من فيها ليستكمل طريقه الى الذهب (الالدورادو) . دول العالم ـ ايها السادة ـ ليست أكثر من حانات خشبية . من هنا بدل “كرنفال القردة” “كرنفال الموتى” . واقعاً “كرنفال المجانين” حين نستعيد قول السناتور الراحل ليندسي غراهام “دورنا أن ننفذ وصية الله باجتثاث المجانين من تلك الأرض المقدسة” . هذا بتتويج بنيامين نتنياهو ملكاً على الشرق الأوسط .
مع اقتناعنا بضرورة خلع العباءة الايديولوجية التي غالباً ما تجرنا الى الوراء عن أكتافنا باتجاه البراغماتية التي هي لغة القرن في ظل تداخل الثقافات وتداخل المصالح , وحتى تناقض الثقافات وتناقض المصالح . ولكن هل هذا ما يريده دونالد ترامب الذي قد يكون اللوبي اليهودي قد أقام مستوطنة اسرائيلية في رأسه ؟ الرئيس الأميركي قال لشبكة “ريل أميركا فويس” “ان أكبر تغيير رأيته في غضون ربع قرن ما حدث لأميركا واليهود فقد كان لديهم أكبر لوبي في واشنطن” , لنراه يحمل على زعيم االديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر , وهو مؤيد قديم لاسرائيل “انظروا الى شومر . لقد أصبح فلسطينياً” , ليبدي تخوفه من قيام “حكم جهادي” في ضوء نتائج الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ميتشيغان . من هذا الباب يحاول أن يشق الطريق الى الولاية الثالثة ,
هكذا “ديبلوماسية رقاص الساعة” في مفاوضاته مع أيران . ثمة وصف للشاعر الدانماركي بييت هين “ثمة قنبلة في زهرة القرنفل” . ولكن هل تراه يدري أن الارتطام بحائط الشرق الأوسط هو الارتطام بحائط جهنم …؟ ولقد ارتطم فعلاً بحائط جهنم …

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى