عاصفة هرمز وصناديق التجديد النصفي: هل يرتدّ سيف الحصار والعقوبات على إدارة ترامب؟

حسن حردان
تتداخل ساحات الصراع الاقتصادي والجيوسياسي بساحة المعركة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة بشكل غير مسبوق، مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. وفي قلب هذا المشهد الملتهب، تبرز تداعيات إغلاق مضيق هرمز واستمرار أزمة الطاقة العالمية كاختبار حقيقي لاستراتيجية “أقصى ضغط” التي أعادت إدارة دونالد ترامب إحياءها عبر الرهان على الحصار والعقوبات الشاملة لإخضاع إيران. وبينما تحاول الإدارة تسويق تصعيدها على أنه استعراض للردع، تتكشف في المقابل أزمات هيكلية في الداخل الأميركي تزامناً مع دخول رموز الحزب الديمقراطي، وفي مقدمتهم الرئيس الأسبق باراك أوباما، على خط المواجهة السياسية بلغة حادة وغير مسبوقة، وضع من خلالها الناخب أمام خيار مصيري، معتبراً أنّ صناديق الاقتراع هي الوسيلة الوحيدة “للتخلص” من المسار الحالي, وربط السياسات المتبعة بقضايا جدلية (مثل فضيحة إبستين) يهدف إلى ربط الإدارة الحالية بملفات فساد أخلاقي أو مؤسّسي، مما يزيد من صعوبة دفاع الموالين لترامب عن سياساته أمام الناخبين المستقلين.
*أولاً: تداعيات استراتيجية الحصار وهرمز.. أفق مسدود وتكلفة باهظة،
شكل استمرار تعطل الملاحة وإغلاق مضيق هرمز صدمة مزمنة للاقتصاد العالمي، ومثّل اختباراً قاسياً لمدى نجاعة سياسة العقوبات الأحادية. وتكشف المعطيات الميدانية والتحليلات الاقتصادية عن مسارين متوازيين لهذه الاستراتيجية:
الجمود التضخمي وتآكل القدرة الشرائية: أدّى شلل الشريان الحيوي للطاقة إلى إبقاء أسعار النفط عند مستويات مرتفعة، مولّداً موجة غلاء جديدة تضرب عمق السوق الأميركية وتصيب المواطن في معيشته اليومية. إنّ الرهان على تركيع إيران عبر خنق عوائدها النفطية ارتدّ محلياً على شكل تكاليف باهظة يدفعها المستهلك الأميركي، مما نسف سردية “الرخاء السريع” التي تروّج لها دوائر صنع القرار في واشنطن.
فخ الاستنزاف العسكري: إنّ رفع سقف المطالب الأميركية إلى حدود طلب تعويضات ضخمة والتلويح بنزع سيادة الممرّ المائي وضع القطع العسكرية الأميركية أمام مهمة استنزاف معقدة وطويلة الأمد. وبدلاً من تحقيق حسم سريع، وجدت الإدارة نفسها متورّطة في إدارة أزمة بحرية مفتوحة وباهظة التكاليف دون أفق استراتيجي واضح، مما يعزز قناعة مراكز الفكر بأنّ “إدمان العقوبات” بات سلاحاً معطلاً لذاته عاجزاً عن تغيير السلوك الإيراني أو إسقاط النظام.
*ثانياً: تصريحات أوباما… كسر الأعراف وتعبئة قواعد الحزب الديمقراطي،
في توقيت بالغ الحساسية، جاء خروج الرئيس الأسبق باراك أوباما عن صمته ليمثل نقطة تحوّل في الخطاب الديمقراطي الموجّه للشارع الأميركي قبيل استحقاق التجديد النصفي. فقد تميّز خطابه بملمحين رئيسيين:
نسف سردية ومبررات الحرب: عندما يصف أوباما الأزمة بأنها صُمّمت “لإيقاف سلاح نووي غير موجود، ولفتح مضيق لم يكن مغلقاً”، فإنه يعمَد إلى تفكيك المبرّرات السياسية لترامب من أساسها، محوّلاً الأزمة من “معركة لحماية الأمن القومي” إلى “مغامرة مفتعلة” أضرّت بالمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة.
النزول إلى ساحة “الشخصنة والتحريض”: استبدل أوباما خطابه الأكاديمي المعهود بلغة هجومية مباشرة، مستخدماً عبارات حادة لتوصيف الإدارة الحالية، وربط بقاء النهج الحالي بتدهور مكانة أميركا عالمياً. هذا التحوّل اللفظي لم يكن عفوياً، بل هو محاولة مقصودة لإشعال الحماس لدى القاعدة الانتخابية الديمقراطية وتحويل حالة السخط العام إلى طاقة تصويتية مركزة.
*ثالثاً: مسار الانتخابات النصفية… بين صدمة الشارع وغضب الصناديق،
تنعكس هذه التطورات الميدانية والسياسية بصورة مباشرة على خريطة التنافس في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، حيث تواجه القيادة الجمهورية تحديات جسيمة:
الاقتصاد كبوصلة حاسمة للناخب: تاريخياً، تُعدّ الانتخابات النصفية استفتاءً مباشراً على أداء الإدارة الحالية ورئيسها. ومع بقاء أسعار الوقود مرتفعة وتفاقم الأعباء المعيشية الناتجة عن أزمة هرمز، يجد المرشحون الجمهوريون أنفسهم في موقف دفاعي حرج أمام ناخب لا يكترث للشعارات الجيوسياسية بقدر ما يهمّه تأثير السياسات على فاتورته الشهرية.
الاستقطاب وتعبئة القواعد: استطاعت تصريحات أوباما وغيره من قيادات الحزب الديمقراطي استثمار الغضب الشعبي، وتحويل الانتخابات من مجرد صراع على المقاعد البرلمانية إلى معركة مصيرية حول “سمعة الدولة الأميركية”. هذا الاستقطاب الحادّ يهدّد بتقويض الهامش الذي يعتمد عليه الحزب الجمهوري للاحتفاظ بسيطرته على غرفتي الكونغرس.
من هنا، تثبت أزمة إغلاق مضيق هرمز وتداعياتها أنّ محاولة فرض الإرادة السياسية عبر الحصار المطلق باتت تحمل تكاليف باهظة تتجاوز حدود الجغرافيا الإقليمية لتستقرّ في قلب السوق الأميركية والشارع الانتخابي. وفيما تصرّ إدارة ترامب على المضيّ في استراتيجيتها رغم مؤشرات الاستنزاف، فإنّ هجوم شخصيات وازنة مثل باراك أوباما يوفر للحزب الديمقراطي وقوداً سياسياً وازناً لربط الفشل الخارجي بالمعاناة الاقتصادية الداخلية؛ لتتحوّل صناديق اقتراع التجديد النصفي إلى المحك الحقيقي الذي سيحدّد ما إذا كانت سياسة “القبضة الحديدية” ستمنح الجمهوريين مكاسب سياسية، أم أنها ستتحوّل إلى الفخ الذي يطيح بأغلبية الكونغرس لصالح خصومهم؟

