الصحف

إسرائيل تنجو من فخ استراتيجي في لبنان في اللحظة الأخيرة

موقع “ماور ريشون”:
بازيت رابينا
بعد أسبوع من توقيعه في واشنطن، بدأ الاتفاق الإطاري بين إسرائيل ولبنان يُعيد تشكيل جنوب لبنان، لكن الواقع على الأرض لا يزال متوترا ومُعقدا. يشترط الاتفاق، الذي يهدف إلى وقف إطلاق النار ونشر الجيش اللبناني في جنوب البلاد، انسحاب قوات الجيش الإسرائيلي، بنزع سلاح حزب الله بالكامل. وهكذا، بينما تُسجل إسرائيل إنجازا سياسيا وأمنيا هاما، يتضمن اعترافا شعبيا لبنانيا بحقها في الوجود بسلام وأمن، تتلقى الحكومة اللبنانية دعما دوليا وحزمة مساعدات أمريكية ضخمة.
في المقابل، يجد حزب الله نفسه الخاسر الأكبر، بينما تتصاعد أصوات الغضب والعداء من طهران. يُوصف الاتفاق هناك بأنه “وثيقة عار” واستسلام مُذلّ لإملاءات إسرائيلية أمريكية تنتهك السيادة اللبنانية.
لقد أنقذت الخطوة الدرامية المتمثلة في توقيع الاتفاق الإطاري، إسرائيل في اللحظة الأخيرة من فخ استراتيجي نصبته لها إيران عبر مذكرة التفاهم التي وقعتها مع الولايات المتحدة في 17 يونيو/حزيران. تمثل “الخطأ” أو الثغرة في مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية في تضمين بند يأمر بوقف دائم لإطلاق النار يشمل “جميع الجبهات، بما فيها لبنان”، إلى جانب إنشاء آلية لخفض التصعيد في بيروت دون مشاركة إسرائيلية. كان الهدف من هذه الخطوة تقييد إسرائيل، وإجبارها على الانسحاب من جانب واحد من جنوب لبنان دون تفكيك حزب الله، وربط مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية بالساحة اللبنانية.
لم يكن من المفترض أن تُجر إسرائيل إلى فخ إيران الخطير المتمثل في “السم”، إذ كانت فرصة تحييد القنبلة الموقوتة في جنوب لبنان مطروحة بالفعل في مارس/آذار الماضي. ففي تلك المرحلة، طرح الرئيس جوزيف عون مبادرة غير مسبوقة، عرض فيها على الإدارة الأمريكية وإسرائيل خطةً سريعةً لتوقيع اتفاقية سيادة ووقف إطلاق نار، تقوم على نشر الجيش اللبناني وإخراج حزب الله من الحدود. إلا أن التردد السياسي في اسرائيل، خلق فراغا، وأتاحت الأسابيع اللاحقة لطهران استغلال الوقت لصقل استراتيجيتها ومحاولة فرض مذكرة التفاهم التقييدية على إسرائيل.
يعود التردد الإسرائيلي إلى مزيج من انعدام الثقة المتأصل بالجيش اللبناني وتفضيل مواصلة الضغط العسكري المُكثف، ظنًا منها أن استمرار المناورات سيؤدي إلى تحسين الأوضاع. إلا أن مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة جعلت نتنياهو يدرك أنه لم يعد هناك مجال للمماطلة في القضية اللبنانية. وهكذا، جاء توقيع الاتفاق الإطاري الثلاثي بين إسرائيل ولبنان برعاية أمريكية، ليقطع لبنان، بسيف دبلوماسي، عن المسار الإيراني. وفشلت محاولة فرض معادلة الجبهة الموحدة على إسرائيل، التي كانت ستقيّدها في لبنان.
نعم، يمكننا أن نتنفس الصعداء، وإن كان ذلك مؤقتا. فخلال الأسبوع الماضي، كُشف النقاب عن مشروع أنفاق حزب الله الضخم في جنوب لبنان، وهو عبارة عن شبكة ضخمة من المدن الخرسانية تحت الأرض، بُنيت على مدى عقد من الزمن بتمويل ومعرفة إيرانية، مما يُشكل تحديا أمنيا معقدا لإسرائيل والجيش اللبناني.
بعد اكتشاف الأنفاق، يبرز السؤال المهم والبديهي: ما الذي يُخبأ تحت الأرض أيضا..؟ بالنسبة لإسرائيل، يتمثل التحدي المباشر في مواصلة تدمير هذه الحصون تحت الأرض. أما بالنسبة للجيش اللبناني، الذي من المفترض أن يتولى مسؤولية المنطقة لاحقا، فإن الأنفاق تُشكل فخا عسكريا وسياسيا. لا يمتلك الجيش اللبناني التكنولوجيا أو الموارد أو القدرات الهندسية اللازمة لتطهير هذه المدن المحصنة، بل إنه رفض العرض الإسرائيلي لتولي عملية هدم شبكة الأنفاق المعقدة.
في حالة نادرة، فإن الأيام ستعطي اسرائيل لحظة هدوء نسبي. ففي واشنطن، ينصب التركيز الشعبي والسياسي على الذكرى الـ250 التاريخية لاستقلال الولايات المتحدة، بينما في طهران، يجري التحضير لعملية أمنية غير مسبوقة لجنازة المرشد الأعلى علي خامنئي، التي تأجلت بسبب الحرب، ومن المتوقع أن تجذب ملايين المشاركين، بمن فيهم قادة من العالم الإسلامي وخارجه.
ستكون هذه الجنازة استعراضا للقوة من جانب النظام الإيراني، وأول اختبار علني كبير للمرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، الذي يسعى إلى ترسيخ سلطته، وإظهار استقرار الحكومة، ومنع وقوع مشاهد اضطرابات مدنية أو كوارث تدافع كما حدث في الماضي. يجبر هذا الحدث الإيرانيين على تحويل جميع مواردهم إلى الداخل للحفاظ على النظام والأمن في طهران، مما يمنح إسرائيل وقتاً استراتيجياً قيّماً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى