حرب الأطماع «الإسرائيلية» على لبنان…

حسن حردان
يُعدّ الوزير والنائب الراحل موريس الجميّل أحد أبرز العقول التخطيطية الاستراتيجية في تاريخ لبنان الحديث، إذ حذر مبكراً من حرب إلغاء صهيونية شاملة تستهدف دور لبنان وكيانه. واليوم، لا تأتي الممارسات العدوانية “الإسرائيلية” المعاصرة بمعزل عن تلك النبوءات الاستراتيجية، بل تتجسّد بأوضح صوَرها في استهداف مرفأ بيروت الاقتصادي، وصولاً إلى التطور الخطير المتمثل في نشر وزارة الخارجية “الإسرائيلية” خريطة تقتطع جنوب لبنان وتدمجه بمساحتها الكبرى.
هذا التطور السافر في قلب مسارات التفاوض يكشف بالبصر والبرهان عن طبيعة المشروع التوسعي “الإسرائيلي” لسلخ الأرض وتفريغ لبنان من سيادته ودوره، مما يفرض قراءة نقدية عميقة للدروس المستفادة لتجنب فخ “المفاوضات الملهاة” وفرض الأمر الواقع.
يتضح موقف موريس الجميل، وأهمية أفكاره للواقع المعاصر، وصلتها بالتطورات السياسية الخطيرة، عبر النقاط الآتية:
1 ـ ما قاله موريس الجميّل عن المخطط “الإسرائيلي” وموقع لبنان؟
حذر موريس الجميّل مبكراً ـ وتحديداً منذ خمسينيات القرن الماضي (مثل خطبته الشهيرة في أواخر عام 1953) ـ عن مساعي “إسرائيل” الحثيثة لسحب البساط من تحت لبنان، وضرب ميزته التفاضلية الكبرى، وهي: دوره كمركز خدمات رئيسي، ووسيط تجاري واقتصادي ومالي بين الشرق والغرب.
التنافس الموانئي والبنى التحتية: أشار الجميّل حينها إلى أنّ “إسرائيل” رصدت مبالغ ضخمة لتوسيع وتطوير مرفأ حيفا والموانئ التابعة لها، بهدف محاصرة مرفأ بيروت وشلّ قدرته على الهيمنة على حركة الترانزيت والتجارة الإقليمية، وجعل الموانئ “الإسرائيلية” هي البوابة البديلة لتجارة الشرق الأوسط والعالم.
الاستشراف الاقتصادي: أدرك الجميّل أنّ “إسرائيل” لا تخوض صراعاً عسكرياً فحسب، بل تخوض حرب إلغاء اقتصادي ووجودي تهدف إلى عزل لبنان وتفريغه من دوره التاريخي كصلة وصل بين الشرق والغرب.
2 ـ دلالات خريطة الخارجية “الإسرائيلية”: إسقاط بصري لمشروع الضمّ،
تتجلّى استمرارية الأطماع “الإسرائيلية” التي حذر منها الجميّل بصورة صارخة في الممارسات الدبلوماسية والإعلامية للكيان الإسرائيلي، ومثالها الأبرز ما أقدمت عليه وزارة الخارجية الإسرائيلية (برئاسة جدعون ساعر) من نشر خريطة إحصائية ظهر فيها الجزء المحتلّ من جنوب لبنان مقتطعاً تماماً من الخريطة اللبنانية ومدمجاً بالمساحة “الإسرائيلية”.
خطورة التوقيت والرسائل: تأتي هذه الخريطة في قلب مسار تفاوضي دقيق مع السلطة اللبنانية، وبعد توقيع اتفاق يُفترض أنه تتويج لمسار الدبلوماسية لاستعادة السيادة اللبنانية كما تروّج السلطة، وبالتزامن مع اعتماد مفردة ملتبسة مثل «إعادة الانتشار» بدلاً من «الانسحاب الكامل”.
استراتيجية اقتطاع المنطقة الأمنية: لا تمثل هذه الخريطة مجرد خطأ عابر، بل تقدّم تفسيراً بصرياً واستراتيجياً لمشروع المنطقة الأمنية؛ حيث تتحوّل الأرض اللبنانية المحتلة من منطقة تخضع لاحتلال مؤقت إلى مساحة يجري تطبيع دمجها تدريجياً ضمن المجال الجغرافي “الإسرائيلي”، وهو ما يؤكد بالقطع أن ما حذر منه موريس الجميّل لم يكن مجرد هواجس، بل استراتيجية توسعية طويلة الأمد لا تقتصر على الاقتصاد والموانئ، بل تمتدّ إلى الأرض والسيادة والكيان.
3 ـ صلة تفجير مرفأ بيروت بالمخطط “الإسرائيلي”،
يربط العديد من المراقبين بين المخطط الإسرائيلي القديم ـ المتجدّد لضرب دور لبنان الاقتصادي وبين جريمة تفجير مرفأ بيروت (4 آب 2020)، وذلك عبر تقاطعات عدة:
ضرب العصب الاقتصادي الأبرز: مرفأ بيروت كان “رئة لبنان” والشريان المالي والتجاري الأساسي الذي يربط اقتصاد لبنان بالعالم الخارجي، وضربُه استهدف بشكل مباشر تحطيم البنية التحتية اللوجستية اللبنانية وإلغاء دوره الوسيط تماماً لصالح الموانئ “الإسرائيلية”، تماماً كما خططت تل أبيب تاريخياً.
4 ـ الدروس والعِبر: كيف يحمي لبنان نفسه من فخ “المفاوضات الملهاة”؟
إنّ ما جرى في تفاصيل التفاوض، وصدمة الخرائط الرسمية “الإسرائيلية” التي تستبيح الجنوب، تفرض على لبنان استخلاص عِبر قاسية للمستقبل حتى لا يقع في فخ المفاوضات العبثية، ومن أبرزها:
الحذر من فخ “المفاوضات الملهاة”: إنّ تجربة فلسطين المحتلة ومسارات التسوية الطويلة توضح تماماً كيف تستخدم “إسرائيل” المفاوضات كغطاء و”ملهاة” سياسية ودبلوماسية لكسب الوقت، بينما تعمل على الأرض لفرض وقائع تهويدية واحتلالية دائمـة. يجب ألا تحلّ الدبلوماسية الشكلية مكان اليقظة الدائمة للمخططات والاطماع الصهيونية.
رفض المصطلحات المضللة: إنّ التخلي عن المفردات الحاسمة مثل «الانسحاب الفوري غير الشروط» وتبنّي مفردات رمادية مثل «إعادة الانتشار» يمنح الاحتلال غطاءً قانونياً ونفسياً لتكريس اقتطاع الأراضي، وهو ما تتطلّب مواجهته بلغة قانونية وسيادية صارمة لا تقبل التأويل.
التكامل بين الدفاع عن الأرض والاقتصاد: إنّ حماية لبنان تتطلّب وعياً شاملاً على خطى فكر موريس الجميّل؛ فلا سيادة سياسية وعسكرية بمعزل عن سيادة اقتصادية ومالية وبنى تحتية قوية ومحمية، والعكس صحيح. إنّ إسقاط مشاريع سلخ الجنوب أو استنزافه يجب أن يقترن برفض قاطع لأيّ محاولات لجعل لبنان تابعاً لدورة اقتصادية أو أمنية تخضع للهيمنة الإسرائيلية في الإقليم… وبالتالي إقران هذا الرفض بمقاومة الاحتلال وعدم الوقوع في شباك العدو ومسرحية المفاوضات الملهاة…


