الصحف

التهديد التركي لا يُشبه أي تهديد آخر عرفناه سابقا

رصد الاعلام الإسرائيلي: 24/8
القناة 12:
العميد (احتياط) تسفيكا حايموفيتش
تشهد العلاقات الإسرائيلية التركية، التي اتسمت في الماضي بالتقلبات، تدهورا مستمرا منذ أحداث سفينة مافي مرمرة (2010)، ويبدو أننا وصلنا مؤخرا إلى أكثر مراحل هذا التدهور تعقيدا.
مخاوف من تصعيد محتمل مع تركيا:
لطالما كانت لتركيا، ولا تزال، طموحات إمبريالية. ولم يُخفِ أردوغان ذلك منذ انتخابه لأول مرة عام 2014. ويتجلى هذا في مطالبها الإقليمية المتعددة: اليونان، وقبرص، وسوريا، والعراق. كما يتجلى أيضا في الطريقة التي تبني بها تركيا قدراتها العسكرية، والتي تعتمد على صناعة دفاعية محلية عالية الجودة، وليس فقط على انخراطها في الشرق الأوسط وسعيها لأن تُصوَّر كعامل محوري في كل صراع وجزء من الحل في غزة وإيران.
بدأ الصدام مع تركيا عقب أحداث سفينة مافي مرمرة في قطع العلاقات الدبلوماسية، وتغيّر الوضع الاقتصادي، وتراجع السياحة، وتصاعد التصريحات التحريضية المتطرفة.
مع سقوط نظام الأسد في سوريا (ديسمبر 2024)، رأت تركيا فرصة سانحة لترسيخ وجودها في الشرق الأوسط، وبالتالي الاقتراب من حدود إسرائيل. وسعت إلى استغلال الفراغ الذي نشأ في سوريا، في ظل النظام الجديد الذي كان يبحث عن مساره وحلفائه، وثانيا، مع الفراغ الذي أتاحه انسحاب القوات الإيرانية. وكان الهجوم الإسرائيلي على مطار T4 في أبريل، بعد زيارة ضباط أتراك للموقع، أول إشارة إلى أن إسرائيل لن تقبل بوجود أو تدخل تركي في سوريا.
لم يكن هدف هجوم، الأسبوع الماضي، على مطار أبو الظهور منع ترسيخ تركيا لوجودها، بل منعها من المشاركة في بناء قوة الجيش السوري الجديد، ونشر أنظمة وقدرات من شأنها زعزعة التوازن والإضرار بحرية إسرائيل في العمل.
عدوٌ لا يوجد مثيل له:
يختلف الصراع المتصاعد بين إسرائيل وتركيا، اختلافا جوهريا عن أي صراع عسكري واجهته إسرائيل منذ نشأتها. اعتادت إسرائيل التعامل مع منظمات كحزب الله وحماس، ومع دول معادية كإيران وسوريا، وفي الماضي مع مصر والأردن، ومع تهديدات تأتي من حدودها المباشرة. أما تركيا، فقصتها مختلفة تماما: قوة إقليمية عظمى، تمتلك جيشا ضخما وصناعة دفاعية متطورة وعالية الجودة، وعضوا في حلف شمال الأطلسي ولها علاقات دولية واسعة، أبرزها علاقتها بالولايات المتحدة، القائمة على علاقة شخصية وثيقة بين الرئيسين أدت إلى تقارب بين البلدين. كل هذا مع دولة لا تبعد أقرب نقطة حدودية لها عن إسرائيل سوى 300 كيلومتر تقريبا، وهي نقطة الحدود بين تركيا وسوريا.
لدى تركيا طموحات إقليمية علنية، تتجلى في مطالباتها الإقليمية وسعيها لترسيخ مكانتها كقوة محورية في الشرق الأوسط، قادرة على حل كل مشكلة، وكعامل مؤثر في المنطقة. وقد رأينا ذلك من خلال مشاركتها في إنهاء الحرب في غزة، وفي المفاوضات لإنهاء الحرب مع إيران، وفي سوريا بالطبع. فقد جعلت تركيا من نفسها عاملاً لا يُمكن تجاهله في أي صراع أو مشكلة أو حل في الشرق الأوسط.
الصراع على النظام الإقليمي الجديد:
المواجهة مع تركيا ليست مجرد مواجهة أمنية أو عسكرية، والتي تُعدّ في حد ذاتها محركاً رئيسياً للعلاقات بين البلدين. يسعى أردوغان إلى وضع تركيا كقوة رائدة في الشرق الأوسط. من جانبها، تحاول إسرائيل الحفاظ على حريتها في العمل العسكري ومنع أي وضع تُنشئ فيه دول معادية أو منافسة، بيئة عسكرية جديدة بالقرب من حدودها. لذلك، أصبحت سوريا ساحة صراع بين هذين المنظورين.
لذلك، أصبح التعاون بين سوريا وتركيا هو تحديداً ما تخشاه إسرائيل وتسعى إلى منعه. تحاول تركيا الانخراط في النظام الجديد في غزة في اليوم التالي لحماس، وللأسباب نفسها، كي تحتل موقعا قياديا في هذا النظام الجديد. وهذا سيضعها في موقف قويٍ في مواجهة إسرائيل. فمع زعيمٍ متطرف كأردوغان، قد تتحول التصريحات التحريضية بسهولة إلى مواجهات عسكرية مباشرة. ويمكن أن نضيف إلى ذلك الساحة البحرية، حيث تتمتع تركيا بميزة واضحة، ليس فقط على إسرائيل، بل على جميع دول المنطقة (اليونان وقبرص)، وتركيا هي التي تُحدد ملامح النظام الإقليمي الجديد.
الاختبار الإسرائيلي:
يتطلب التحدي التركي من إسرائيل تغيير تفكيرها الاستراتيجي. ففي مواجهة منظمة إرهابية، يكمن السؤال الرئيسي في كيفية تحييد قدرتها على إلحاق الضرر بإسرائيل، وفي مواجهة إيران، يكمن السؤال المحوري في كيفية التعامل مع قوة إقليمية تُطوّر قدرات عسكرية واستراتيجية تُشكّل تهديدا وجوديا. أما في مواجهة تركيا، فالسؤال أوسع نطاقا: كيف يمكن منع منافس إقليمي قوي من بناء واقع استراتيجي جديد حول إسرائيل دون تحويلها إلى عدو عسكري مباشر..؟ إنه مزيج من القوة والدبلوماسية والتحالفات الإقليمية والدولية والاستخبارات والنفوذ.
لم تعد إسرائيل تتعامل مع دول ضعيفة أو منظمات مسلحة، بل تواجه واقعا إقليميا تسعى فيه قوى مثل تركيا إلى توسيع نفوذها وملء الفراغ الناجم عن انهيار الترتيبات القديمة. إذا اقتصر الصراع على سوريا والساحة الدبلوماسية، فسيكون قابلاً للسيطرة. أما إذا وصلت إسرائيل وتركيا إلى وضع يُنظر فيه إلى كل عمل يقوم به أحدهما على أنه تهديد مباشر للآخر، فسيزداد خطر التصعيد بشكل كبير.
إسرائيل في هذه المرحلة، وبعد ثلاث سنوات من الحرب، تواجه جميع التحديات المحيطة بها وداخلها، بجيش مُنهك وغير قادر على أداء مهامه بكفاءة، وبعملية بناء قوة عسكرية مُكلفة وطويلة الأمد، وتواجه العديد من التحديات الداخلية، ليست بحاجة ولن يكون من الصواب تحويل تركيا إلى دولة معادية. وتعريفها بأنها “دولة ذات أهمية” كافٍ (وأقل تهديدا) للإشارة إلى تغيير في توجهات المستوى العسكري والسياسي.
لقد حان الوقت كي نضع جانبا، كل التصريحات العدائية والتهديدات المُبالغ فيها التي سمعناها وسئمنا منها في السنوات الأخيرة، والتحول إلى سياسة مدروسة ومسؤولة ومتوازنة وذات رؤية مستقبلية. التحدي التركي قائم وسيستمر معنا في المستقبل القريب، وسيكشف لنا الزمن إلى أين سيقودنا هذا الصراع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى