الصحف

هذه ليست إيران التي كنّا نعرفها.. ميزان القوى الحالي في مواجهة النظام الإيراني يختلف عما عرفناه سابقا إيال تسير كوهين: الرئيس السابق لقسم “تيفل” في الموساد.

رصد الاعلام الإسرائيلي: 7/9
القناة 12:
من يحاول تحليل الحرب مع إيران بالسؤال عما إذا كان الوضع “جيدا” أم “سيئا” يغفل جوهر المسألة. ففي مثل هذه الحرب، لا توجد حلول سحرية، وبالتأكيد لا توجد حلول جيدة بالمعنى الحرفي للكلمة. كل خطوة تُنتج آثارا جانبية. فالثمن المدفوع في مكان ما قد يُحقق مكسبا في مكان آخر، والعكس صحيح. لذا، فإن السؤال المهم ليس ما إذا كنّا قد وصلنا إلى وضع مثالي، بل ما إذا كان ميزان القوى والضغوط والتكاليف أفضل لنا مما كان عليه سابقا.
في الأشهر الأخيرة، ولا سيما منذ انهيار اتفاق التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، طرأت عدة تغييرات مهمة. كانت نتيجتها التراكمية هي هذا التغيير في ميزان القوى. فحتى الآن، تشير البيانات المتعلقة بالشحن وصادرات النفط وسلوك سوق الطاقة إلى أن الإدارة الأمريكية نجحت، على الأقل في الوقت الراهن، في كبح جماح إحدى أقوى أدوات الضغط التي كانت تمتلكها طهران: القدرة على تحويل مضيق هرمز إلى سلاح موجه نحو الاقتصاد العالمي. لم تُعد هذه الخطوة حركة الملاحة في هرمز إلى وضعها قبل الحرب، لكنها خففت الضغط، ومكّنت من تصدير بعض النفط حتى في ظل الظروف الجديدة. وفي الوقت نفسه، يبدو أن تعاون دول الخليج مع الولايات المتحدة في سلسلة من التحركات التي لا تصل إلى حد الحرب الشاملة قد ساهم أيضا في قدرتها على إدارة الأزمة.
تحاول إيران جعل عزلتها مشكلة الجميع:
أدركت إيران منذ بداية الحرب أنها لا تملك القدرة على هزيمة الولايات المتحدة وحلفائها في مواجهة عسكرية مباشرة. لذا، يكمن التغيير الحالي في الطريقة التي تختارها للتعامل مع هذا القصور: التوسيع المنهجي لدائرة الضرر العسكري، سواءً على حلفاء الولايات المتحدة أو على مناطق لا تربطها صلة مباشرة بساحة الشرق الأوسط. لم تعد طهران تكتفي باستخدام القوة ضد أعدائها المباشرين أو ضد حلفاء الولايات المتحدة. ففي ظل ضغوط متزايدة، وربما بدافع اليأس، أبدت استعدادها لفرض ثمن باهظ حتى على الدول التي حافظت على علاقات معها، وتعاونت معها، وكانت تُعتبر في السابق شركاء أو حلفاء مقربين. وهذه خطوة تُشير إلى أنه عندما يكون بقاء النظام على المحك، فلا توجد علاقة ولا خط أحمر.
الأهمية الاستراتيجية أوسع من مجرد الضربة نفسها. الرسالة هي أنه إذا لم تستطع إيران كسب الحرب، فستحاول توسيع نطاق الدول التي ستخسر قدر الإمكان جراء استمرار الضغط عليها. وبهذا المعنى، تحاول جعل عزلتها مشكلة الجميع. الهدف ليس بالضرورة تحقيق النصر في إحدى الساحات، بل خلق المزيد من نقاط الضعف التي ستوضح للعالم أن الضغط المستمر على إيران لا يمكن أن يبقى حدثا معزولا. الرسالة الإيرانية للعالم باتت أكثر وضوحا: إذا فرضتم حصارا علينا، فسنسعى لتحويله إلى حصار عليكم جميعا. ومن هذا المنطلق، يُمكننا أن نستنتج أنه إذا لم يعد مضيق هرمز وحده كافيا لإخضاع واشنطن، فستبحث طهران عن نقاط ضغط إضافية: باب المندب، والبحر الأحمر، والبحر الأبيض المتوسط، وملقا، وربما في المستقبل البنية التحتية للاتصالات.
تتعامل إيران مع العقوبات منذ أكثر من أربعة عقود. مع ذلك، فإن كل من يعتقد بأن الضغط الاقتصادي وحده كفيل بإسقاط النظام، ليس دقيقا. يختلف الوضع الراهن عن العقوبات المعتادة، إذ يتراكم نوع مختلف من الضغوط: ضربات عسكرية قاسية، وحصار فعلي لبعض الصادرات، وعقوبات مالية، وتقليص طرق التجارة البرية، والأهم من ذلك كله، تردد الصين في تقديم الدعم الكامل، لأن الثمن المحتمل هو مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
لا أدعي أن إيران على وشك الاستسلام، أو أن النظام على وشك السقوط، أو أن الولايات المتحدة قد انتصرت بالفعل. لم يعد ميزان القوى كما كان. يجب مقارنة الوضع بالبدائل. بين العودة إلى حرب شاملة، بكل ما يترتب عليها من دمار، وفي ظل واقع لا توجد فيه نية لغزو بري أو تدمير ممنهج للبنية التحتية للدولة الإيرانية، وبين تفاهم فضفاض وغامض يسمح لإيران بالتعافي، فإن الوضع الراهن يضع إسرائيل، في موقف لا بأس به.
بعد سنوات حاولت خلالها إسرائيل إقناع الولايات المتحدة بأنّ المشكلة الإيرانية لا يمكن أن تبقى مشكلةً إسرائيلية بحتة، فقد نجحنا، إلى حدٍّ كبير، في نقل مسؤولية “المشكلة الإيرانية” إلى واشنطن. والنتيجة، من وجهة نظر إسرائيل، هي إمكانية توجيه اهتمامٍ عملياتي أكبر بكثير إلى لبنان وغزة والضفة الغربية. وهنا تبرز مشكلة إسرائيلية أخرى: نفاد صبرنا.
في الأشهر الأخيرة، تردّدت في وسائل الإعلام وبين العامة مقولة مفادها أن “جميع الساحات لا تزال مفتوحة”، وبالتالي، يُفترض أنه لا توجد إنجازات حقيقية. في رأيي، هذه طريقة خاطئة لتقييم العمليات الاستراتيجية. نتوقع أن تحلّ الحروب في غضون أشهر مشاكلَ تراكمت على مدى عقود، ونجد صعوبة في تقبّل حقيقة أن الإنجاز في الواقع ليس دائما وهو الإغلاق التام لساحة ما.
حتى لو استسلم حزب الله صباح الغد، وهو سيناريو لا أراه مرجّحا، فلن يصبح لبنان سويسرا. وحتى لو فقدت حماس معظم قوتها، فلن يختفي التهديد الإسلامي. نعيش، على نحو مأساوي، في منطقة تتواجد فيها من جهة قوى شيعية متطرفة، ومن جهة أخرى حركات جهادية سنّية. لذا، فإنّ المعيار ليس ما إذا كنّا قد “أغلقنا ساحة ما.” إذ لا تكاد توجد ساحة في الشرق الأوسط مغلقة فعلا.
يكمن الاختبار في ما إذا كانت ظروفنا الأمنية والعملياتية أفضل مما كانت عليه سابقا. هل أصبح العدو أضعف، وهل اتسعت حريتنا في العمل، وهل بتنا قادرين على فعل ما لم نكن قادرين عليه بالأمس..؟ لم تستسلم إيران، ولا تزال تُشكل خطرا كبيرا. ومن المرجّح أن تبحث عن سُبل جديدة لإلحاق الضرر، وتوسيع نطاق الحرب، وإقحام دول أخرى في دائرة الصراع. نجحت الولايات المتحدة، ولو مؤقتا، في الحد من نفوذ إيران على الاقتصاد العالمي، وأعادت توجيه جزء كبير من الضغط نحو إيران. هذه ليست نهاية الحرب، بل هي أبعد ما تكون عن ذلك. ولكن في الشرق الأوسط، حتى الوضع غير المثالي قد يُمثل تحسنا استراتيجيا هاما. إيران أضعف وأكثر إرهاقا وأقل قدرة على التأثير، تُعد وضعا جيدا لإسرائيل. هذا موقف، وليس حقيقة، ولكن لا ينبغي لنا الخلط بين عدم الاستسلام وعدم تحقيق أي إنجاز.
اختبار الثمن:
هناك اختبار آخر هنا، ربما يكون الأهم على الإطلاق: الصبر الاستراتيجي. هذه الحرب في جوهرها صراعٌ على الثمن الذي يرغب كل طرف في دفعه على المدى البعيد. يُظهر سلوك النظام الإيراني حتى الآن استعداده لدفع ثمن باهظ للبقاء، والحفاظ على سلطته، واستعادة النفوذ الذي فقده. وسنكون نحن أيضاً مطالبين بدفع ثمن إذا أردنا تأجيل المشكلة الإيرانية لسنوات وتحويلها من تهديد مُلحّ ومستمر إلى مشكلة يُمكن إدارتها من موقع أفضل بكثير. قد يشمل هذا الثمن اضطرابات في نمط الحياة، وفترات من عدم الاستقرار الأمني، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتضرر الاقتصاد، فضلا عن الإدانات والضغوط السياسية الخارجية. الصبر الاستراتيجي ليس انتظاراً سلبياً، بل هو الاستعداد لدفع ثمن في الحاضر حتى لا نجد أنفسنا ندفع ثمناً أكبر بكثير في المستقبل. لذا، ربما من المناسب بعد ثلاث سنوات من غفلتنا، أن نطرح على أنفسنا سؤالا بسيطاً وعميقاً: هل نحن مستعدون للصمود طويلاً في وجه عدو يُظهر سلوكه استعداده لفعل أي شيء للبقاء..؟ إذا كانت الإجابة بنعم، فعلينا أن نفهم معنى ذلك. ألا نتوقع إغلاق جميع الساحات في غضون أشهر، وألا نقيس النجاح بلحظة صمت فحسب، وألا نخلط بين الثمن الذي ندفعه والفشل.
أحياناً، تكمن الإنجازات الاستراتيجية في مجرد القدرة على مواصلة الضغط، وإضعاف العدو، وتحسين وضعنا تدريجياً. ومن المرجح أن يحاول عدونا إثبات أنه أكثر صبراً منّا. يجب ألا ندعه ينتصر في هذا الاختبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى