مقالات رأي

كيف يخدم التصعيد في جنوب لبنان مستقبل نتنياهو السياسي؟

 

حسن حردان

تتشابك المشاهد السياسية والعسكرية في كيان الاحتلال “الإسرائيلي” بشكل غير مسبوق مع اقتراب موعد انتخابات الكنيست المقررة في أواخر أكتوبر/ تشرين الأول 2026. وتتحوّل الجبهة اللبنانية، ولا سيما العمليات البرية المتقدمة نحو المرتفعات الاستراتيجية كمنطقة “علي الطاهر”، إلى مختبر حقيقي تختبر فيه الحكومة “الإسرائيلية” قدرتها على ترميم صورتها الردعية، بينما يراها الخصوم السياسيون محاولة مكشوفة من بنيامين نتنياهو لترحيل الأزمات البنيوية وتوظيف الدم البشري والعسكري في خدمة البقاء السياسي الشخصي.
على أنّ هذا المسار سيقود الى الآتي:
أولاً: عسكرة السياسة وتوظيف الميدان: تشير المؤشرات المعطاة إلى أنّ العمليات العسكرية في جنوب لبنان لم تعد منفصلة عن الحسابات الانتخابية؛ فإصرار الائتلاف الحكومي على إبراز الإنجازات التكتيكية يهدف إلى استعادة ثقة الناخب “الإسرائيلي” المذعور في الشمال، ومحاولة محو آثار الإخفاقات الأمنية المتراكمة منذ أحداث السابع من أكتوبر.
ثانياً: تصدّع شعبية اليمين التقليدي: يعكس تراجع معسكر نتنياهو في استطلاعات الرأي الأخيرة (إلى حدود 47 مقعداً مقابل تقدم معسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت وحزب “يشار”) أزمة عميقة تعاني منها المنظومة الإسرائيلية الحاكمة؛ فالشارع الإسرائيلي بات يدرك حجم الفجوة بين الشعارات الكبرى وبين الواقع المعيشي والأمني المتردي.
ثالثاً: أزمة الائتلاف المزدوجة: لا تتعلق شعبية نتنياهو المتراجعة بسوء إدارة الجبهات الخارجية فحسب، بل بفعل عوامل داخلية شديدة الحساسية، أبرزها أزمة إعفاء “الحريديم” من التجنيد والتي تشكل عصب تفكك الائتلاف من الداخل، إلى جانب التكلفة الاقتصادية الباهظة لاستمرار حالة الحرب متعددة الجبهات.
لكن ما هي السيناريوات والاحتمالات المستقبلية؟
سيناريو التصعيد العسكري المفتوح (الأرجح قصير الأجل): مع استمرار الضغط السياسي وتراجع نتنياهو في استطلاعات الملاءمة أمام الشخصيات العسكرية المنافسة كـ آيزنكوت، يرجح أن يلجأ الائتلاف الحكومي إلى تصعيد وتيرة العمليات في جنوب لبنان وفرض أمر واقع ميداني جديد (كإنشاء حزام أمني عميق أو عمليات استباقية واسعة) لقطع الطريق على أي تسوية دبلوماسية قد تفسَّر على أنها هزيمة، ولإبقاء حالة الطوارئ المسيطرة على المزاج العام للناخب.
سيناريو التسوية المفاجئة أو الانهيار التفاوضي: في حال تزايد الضغط الدولي أو الرغبة الأميركية في ضبط الإيقاع الإقليمي قبيل الاستحقاقات الكبرى، قد تجد “إسرائيل” نفسها مضغوطة للقبول بترتيبات أمنية غير مكتملة في لبنان، وهو ما سيسارع أقطاب اليمين المتطرف (مثل سموتريتش وبن غفير) لتفجيره سياسياً، مما يؤدي إلى إسقاط الحكومة من داخلها.
مأزق تشكيل الحكومة بعد الاقتراع: حتى لو نجح معسكر المعارضة بقيادة آيزنكوت في حصد مقاعد تصل به نحو عتبة الأغلبية (61 مقعداً) بدعم القوائم المحتملة أو الأحزاب الناشئة، فإنّ هشاشة التحالفات وتناقضات البرنامج السياسي بين مكونات المعارضة والأحزاب العربية تجعل الاستقرار الحكومي المقبل أمراً بالغ الصعوبة، مما يفتح باباً واسعاً أمام أزمات دستورية وسياسية مزمنة في تل أبيب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى