استراتيجيات وتقارير

دلالات انكسار مشروع ترامب في هرمز أمام الإرادة الايرانية

 

حسن حردان

ما هي دلالات ونتائج وانعكاسات إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعليق “مشروع الحرية” لفتح مضيق هرمز أمام خروج وعبور السفن الناقلات، بعيداً عن الالتزام بالإجراءات الإيرانية.. كيف يمكن أن يُقرأ هذا للفشل المدوي لـ “مشروع الحرية الترامبي”، الذي يُضاف الى فشل سياسة حصار الموانئ الإيرانية والإخفاق في فرض فتح المضيق وانتزاع هذه الورقة القوية من يد إيران، وكيف سوف تؤثر على المفاوضات في اسلام آباد.
يمثّل التراجع السريع والاضطراري لإدارة ترامب عن “مشروع الحرية” بعد أقلّ من 48 ساعة على إطلاقه ـ ومحاولة تغليفه بـ “التجميد المؤقت” نزولاً عند رغبة الوسيط الباكستاني ـ محطة فارقة تكشف حدود القوة العسكرية الأميركية في مواجهة الاستراتيجية البحرية الإيرانية.
هذا الإخفاق لا ينفصل عن مسار الحرب الشاملة والحصار البحري المستمرّ منذ شباط الماضي، بل يأتي ليتوّج العجز عن كسر السيطرة الإيرانية على المضيق عبر القوة العسكرية.
ويمكن قراءة دلالات هذا الفشل، ونتائجه، وانعكاساته المباشرة على طاولة مفاوضات إسلام آباد على النحو التالي:
أولاً: الدلالات الاستراتيجية لفشل “مشروع الحرية” الترامبي..
في هذا السياق يمكن تسجيل ثلاث دلالات:
الدلالة الأولى، سقوط أوهام الردع االأميركي: دخلت إدارة ترامب بـ “مشروع الحرية” وهي تروّج لخطاب يزعم إبادة واستنزاف القدرات البحرية التقليدية لإيران، مهدّدة بـ “مسحها عن وجه الأرض” إذا ما اعترضت السفن. إلا أنّ الردّ الميداني السريع (استهداف ناقلات، وتبادل النار مع زوارق سريعة، وإصابة مدمرة أميركية بصواريخ) أثبت أنّ طهران تمتلك عمقاً دفاعياً تماثلياً وغير تماثلي (مُسيّرات، صواريخ بر ـ بحر، زوارق انتحارية) قادر على شلّ الملاحة وجعل كلفة أيّ ممر آمن أميركي باهظة جداً ولا يمكن للشركات العالمية تحمّلها.
الدلالة الثانية، تثبيت سلطة ايران في المضيق: التراجع الأميركي يعني إقراراً عجزت واشنطن عن تجميله؛ ومفاده أنّ أيّ عبور للسفن والناقلات من الخليج لا يمكن أن يمرّ بأمان دون التنسيق والامتثال لآلية “سلطة مضيق هرمز” والإجراءات الأمنية والرقابية التي فرضتها طهران كشرط لمنح تراخيص المرور.
الدلالة الثالثة، انكشاف عدم جدوى سلوك ممرّ بـ “محاذاة عُمان”: المحاولة الأميركية لتوجيه مئات السفن العالقة عبر ممرات ضيقة في المياه الإقليمية العُمانية ومحافظة مسندم، فشلت أمنياً وفنياً. فقد تبيّن للخبراء العسكريين أنّ ضيق هذه القنوات يجعل السفن أهدافاً ثابتة وسهلة، فضلاً عن رفض عُمان وشركات الشحن الدولية تحويل المياه العُمانية إلى ساحة اشتباك مفتوحة.
ثانياً: النتائج والانعكاسات الميدانية والاقتصادية
أما على صعيد نتائج فشل مشروع ترامب، يمكن رصد الآتي:
النتيجة الأولى، فشل سياسة “خنق الموانئ الايرانية”: كان الهدف الأميركي من الحصار المتبادل هو إجبار إيران على فتح المضيق تحت الضغط الاقتصادي والعسكري. لكن صمود طهران وامتلاكها زمام المبادرة البحرية حوّل الحصار إلى أزمة عالمية، حيث بقيت عشرات السفن التابعة لواشنطن وحلفائها محاصرة وعالقة، مما شكل ضغطاً عكسياً على كاهل الإدارة الأميركية.
النتيجة الثانية، ارتداد الضغط الاقتصادي على واشنطن: تسبّبت هذه المغامرة البحرية غير المحسوبة في ارتفاع أسعار النفط والغاز في الأسواق الدولية والأميركية إلى مستويات قياسية، مما وضع إدارة ترامب أمام غضب داخلي وخطر تضخم اقتصادي، عجل في اتخاذ قرار الانسحاب من التصعيد البحري.
ثالثاً: التأثير على مفاوضات إسلام آباد
يدخل هذا الفشل الترامبي الجديد كعامل حاسم يعيد رسم السقوف السياسية في كواليس المفاوضات الشاقة المستمرة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، وسينعكس مباشرة على عدة ملفات:
1 ـ تآكل السقف التفاوضي الأميركي: دخلت واشنطن المفاوضات (عبر إسلام آباد) وهي تضع شروطاً هجومية تعجيزية؛ مثل الإيقاف الفوري والكامل للبرنامج النووي الإيراني، ونقل اليورانيوم عالي التخصيب الى أميركا، ووضع قيود صارمة على الصواريخ الباليستية، وفتح مضيق هرمز دون قيد أو شرط، مقابل تخفيف “مشروط” للعقوبات. اليوم، وبعد سقوط ورقة “مشروع الحرية”، تضعف قدرة واشنطن على فرض هذه الشروط التعجيزية.
2 ـ تعزيز الموقف التفاوضي الإيراني: تذهب طهران إلى مراجعة المقترحات الأميركية مستندة إلى إثبات كفاءة معادلتها الميدانية: “لا أمن للملاحة الدولية ما لم يتحقق الأمن والمصالح الإيرانية”. ستتمسك إيران برفض البحث في ملفها النووي قبل انهاء الحرب بضمانات دولية، وسيكون لديها قدرة أكبر على فرض خطتها المكونة من نقاط واضحة تضمن رفع العقوبات الشامل، والتسليم بآليات ادارتها لتأمين امن المضيق، وتحرير أصولها المجمدة كشرط أساسي لفتح المضيق مجدداً.
3 ـ تنامي دور الوسيط الباكستاني والعُماني: التراجع الأميركي الذي جاء، حسب ادّعاء ترامب، “بناءً على طلب باكستان” يمنح إسلام آباد وبقية الوسطاء الإقليميين هامشاً أوسع للضغط على إدارة ترامب لتقديم تنازلات حقيقية، طالما أنّ البديل العسكري (الذي جُرِّب في مشروع الحرية) أثبت فشله وأنه يجر المنطقة نحو حرب شاملة ومدمرة لا ترغب بها دول النطاق ولا تستطيع واشنطن تحمّل تبعاتها.
خلاصة القول: إنّ اضطرار ترامب للنزول عن شجرة التصعيد البحري في مضيق هرمز بعد ساعات من صعودها، يمثل اعترافاً أميركياً صريحاً بأنّ زمن فرض الإرادة البحرية الأحادية بالقوة قد انتهى، وأنّ المدخل الوحيد لتأمين التدفق الآمن لإمدادات الطاقة العالمية يمرّ حتماً عبر تسوية سياسية شاملة في إسلام آباد تحترم السيادة والحقوق الإيرانية.. وهو ما يؤشر إليه الحديث عن تقدّم ملموس بالمفاوضات وقرب التوصل لاتفاق ـ مذكرة من صفحة واحدة لإنهاء الحرب في كلّ المنطقة.. لكن يبقى نجاح هذه المفاوضات في الوصول الى اتفاق شامل رهن بتخلي ترامب عن شروطه التعجيزية…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى