ترامب يتراجع وهرمز تنتصر: قراءة في لحظة انكسار الإمبراطورية

المقدمة: ما حدث في الساعات الثماني والأربعين الأخيرة لن تمحوه الأجيال
في الساعات القليلة التي فصلت بين إعلان “مشروع الحرية” وإلغائه، كتبت إيران فصلاً جديداً في تاريخ الحروب غير المتكافئة. رئيسٌ يملك أكبر أسطول بحري في التاريخ، أعلن مشروعاً وسحبه في أقل من 48 ساعة. لا يحتاج هذا المشهد إلى تعليق — بل يحتاج إلى قراءة بعين من يعرف أن اللحظات الفارقة لا تُعلَن دائماً بضجيج.
أولاً — هرمز: انتهى “مشروع الحرية” وبدأ “مشروع الهزيمة”
ترامب كتب على Truth Social: “بناءً على طلب باكستان ودول أخرى… تم الاتفاق على إيقاف مشروع الحرية لفترة قصيرة.” جملة واحدة تحمل اعترافاً تاريخياً: القوة العظمى تسحب مشروعها العسكري بناءً على طلب وسيط.
لكن الأكثر إدانةً جاء من واشنطن بوست التي كشفت أن الهجمات الإيرانية دمّرت أو ألحقت أضراراً بما لا يقل عن 228 منشأة أو قطعة معدات في مواقع عسكرية أمريكية — وأن الجيش الأمريكي قلّل من قدرات إيران ولم يتكيف مع المسيّرات الحديثة وترك بعض القواعد دون حماية كافية. وهذا الرقم — 228 — هو الإجابة الحقيقية على ادعاء ترامب بأنه “دمّر الجيش الإيراني بالكامل.”
مضيقٌ لا يُفتح بتغريدة، كما قال المتحدث باسم البرلمان الإيراني — وقد أثبت الميدان ذلك بالكامل. والقناة 12 الإسرائيلية نقلت عن مسؤولين كبار في جيشها: “عملياً لا يملك الأمريكيون القدرة على حماية السفن التي تعبر مضيق هرمز.” جيشٌ يشهد على جيش آخر بالعجز — هذه مفارقة تستحق أن تُدرَّس في أكاديميات التاريخ العسكري.
ثانياً — الجبهة اللبنانية: يومٌ قياسي في سجل الاستنزاف
في السادس من أيار وحده، صدرت 12 بياناً عسكرياً من المقاومة الإسلامية في ساعات النهار فقط: هامر مستهدفة في دير سريان، مركز قيادي في القنطرة، آلية عسكرية في حولا، تجمّع في الطيبة، تجمّع في البياضة، تجهيزات في البياضة، سرب مسيّرات في الناقورة. 12 ضربة موثّقة — وما لم يُعلَن أكثر.
وصحيفة “إسرائيل اليوم” نقلت عن قائد الكتيبة التاسعة في الجيش الإسرائيلي اعترافاً نادراً بالصدق: “على مستوى الكتيبة، يفاجئنا حزب الله يومياً. نحن نتعامل مع مشكلة الطائرات المسيّرة التي تحلّق فوق رؤوسنا.” ويديعوت أحرونوت أضافت ما هو أشدّ وضوحاً: “بالكاد يمكنك رؤية جنود الجيش الإسرائيلي عند الحدود مع لبنان لأنهم يحتمون في ملاجئ.”
جيشٌ يختبئ. هذا ليس توصيفاً تحليلياً — هذا نصٌّ حرفي من إعلامهم.
وهآرتس كشفت أن 7241 جندياً وضابطاً سُرّحوا من الخدمة في العام الأول من الحرب بسبب حالتهم النفسية — والجيش يرفض نشر هذه الأرقام لأن “حجم الظاهرة ضخم.” جيشٌ يخفي انهياره النفسي لأن الاعتراف به يُسقط آخر ما تبقّى من هيبة.
ثالثاً — إلى أين تتجه المفاوضات؟
رويترز أفادت بأن المحادثات الأمريكية الإيرانية تقترب من اتفاق بصفحة واحدة يتضمن: وقف القتال، تجميد تخصيب اليورانيوم تحت تفتيش أكثر صرامة، تخفيف بعض العقوبات، وفتح هرمز. وأكسيوس أضافت أن إيران “ستردّ في غضون 48 ساعة.”
لكن الجوهر يكمن في ما نقله الإعلام الإيراني: الانسحاب الإسرائيلي من لبنان ووقف العدوان شرطٌ أساسي في بند الاتفاق. وهذا يعني — بكل وضوح استراتيجي — أن الجنوب اللبناني ورقةٌ إيرانية رابحة في التفاوض، وأن كل مسيّرة تُطلقها المقاومة في الجنوب تُضيف رصيداً لطهران على طاولة إسلام آباد.
والصين — التي استقبل وزير خارجيتها عراقجي في بكين فجر اليوم — قالت بوضوح إنها لن تكون ورقة ضغط على إيران في مفاوضاتها مع أمريكا. بكين أدركت مبكراً أن “مشروع الحرية” كان خدعة لابتزازها قبيل قمة ترامب-شي — فأفشلت الخدعة.
الخلاصة: المشهد القادم
ثلاثة مسارات تتشكّل في آنٍ واحد:
⊙ الأول — ترامب يريد توقيع اتفاق يُقدّمه كـ”نصر تاريخي” قبيل انتخابات الكونغرس، بينما مستشاروه العسكريون في إسرائيل يدفعون لاستئناف الحرب.
⊙ الثاني — إيران تدرس المقترح الأمريكي المنقّح وستردّ خلال 48 ساعة بشروطها لا بشروط واشنطن.
⊙ الثالث — الجنوب اللبناني يواصل استنزافه اليومي بلا توقف، وكل مروحية إخلاء إسرائيلية تهبط في حيفا تُعزّز الموقف الإيراني في التفاوض.
الاستنتاج الذي لا يقبل الجدل: أمريكا بعد السادس من أيار لم تعد الأمريكا التي كانت قبله. 228 منشأة مدمّرة، بحريةٌ عاجزة عن فتح مضيق، وجيشٌ حليف يختبئ من طائرة بسبعمائة دولار — هذه ليست هزيمة تكتيكية بل إعادة رسم لخرائط القوة في العالم.
والاتفاق القادم — إن جاء — لن يكون اتفاق المنتصر. سيكون اتفاق من أدرك أن الاستمرار أشدّ كلفةً من القبول بشروط لم يكن يتخيّل يوماً أنه سيقبلها.
د. وسيم جابر




