أَهلُ الفكر عندما يُصبحُون دُعاة تكفير!


ردٌّ على أَكاذيب الكاتبة فاتن فاروق عبد المنعم
وافتراءَاتها الباطلة على الدكتور داهش وأَدبه وفكره!
*ماجد مهدي
أَن يكون الإنسانُ من الجهَلَة المُنحرفين عن جادَّة التعقُّل، ويتقَوقع في أَحضان وساوسه، ويُوصد عقله دون كلِّ فكر، ويحتكر الدين والإيمان، ويتَّهم الآخرين بالكُفر، ويهُون عليه جزُّ الرؤوس وتقطيعُ الأَوصال على إيقاع التهليل والتكبير، فذلك، ولا شكّ، طامَّةٌ كبرى تُصيبُ الإنسانيَّة في الصميم بفعل جاهلٍ دعيٍّ ظلاميّ!…
أَمَّا أَن يكون الإنسانُ من أَهل الفكر والقلم الذين تُناطُ بهم رسالةُ الإصلاح في المجتمع، ويُكفِّر دينًا، أَو مذهبًا، أَو مُعتقدًا، أَو فكرًا، ويُهاجمَ أُدباء ومُفكِّرين، لمجرَّد اختلافٍ في الرأي معهم، أَو في الانتماءِ الدينيّ أَو المذهبيّ، ويحشُرهم مع عبَدة الشيطان، ويسلُقهم بأَلسنةٍ حِداد ما أَنزلَ اللَّهُ بها من سُلطان، ويُكفِّرهم أَمام الملإ، فتلك الطامَّةُ الأَعظم، بل أَدهى دواهي الدهر وأَنكى فجائعه! فالقلمُ في يد المُغرِق في التعصُّب والضلالة، والمُزدري بحرِّيَّة الفكر والمناقشة، يستحيلُ فزَّاعةً يُلوِّحُ بها حاملُها في وجه المفكِّرين الأَحرار، وأَفعى شرٍّ بغيضة يَستنهضُ بها الغرائز والنعرات والفتَن، وسلاحًا مُدمِّرًا يأتي على كلِّ ما تعبَت الأَجيالُ في بنائه! مَن قال إنَّ تلك هي مُهمَّةُ القلَم، والقلَم هو الذي علَّم به اللَّهُ الإنسان ما لم يَعلَم، ووضَع فيه قبسًا من نوره الكريم يُضيءُ العقول والأَرواح، ويردُّ التائهين عن سبيله إليه، بالحكمة والموعظة الحسنة! فما أَجلَّ ما ساقه الفيلسوفُ الإنكليزيّ جون ستيوارت ميل (١٨٠٦-١٨٧٣) عن حرِّيَّة الفكر والمناقشة في كتابه الشهير “الحرِّيَّة”، وما أَشدَّ حاجة الكتَّاب والمفكِّرين في عالَمنا العربيّ لأَن يَقتَدوا به في قوله: “لو أَنَّ الناس قاطبةً أَجمعوا على رأيٍ واحد، وخالفَهم في ذلك فردٌ فذّ، لَما كان لهم من الحقّ في إخراسه أَكثر ممَّا له الحقّ في إخراسهم لو استطاع إلى ذلك سبيلاً؛ إذ لا يَقدحُ في أَهمِّيَّة الرأي قلَّةُ المُنتصرين له وكثرةُ الزارين عليه. والمضرَّةُ الناشئة عن إخماد الرأي لا تقتصرُ على صاحبه، بل تتعدَّاهُ إلى جميع الناس، حاضرِهم وقادمِهم، راهنِهم وغابرِهم، وما هي في الحقيقة إلاَّ سلب النوع البشريّ برُمَّته، وحرمان الإنسانيَّة بأَسرها من شيءٍ فائدتُه لعائبيه ورافضيه أَوفر منها لمؤيِّديه وقابليه؛ ذلك أَنَّ الرأي إن كان صوابًا فقد حُرمَ الناسُ فرصةً نفيسة يستبدلونَ فيها الحقَّ بالباطل ويبيعونَ الضلالة بالهدى، وإنْ كان خطأً فقد حُرموا كذلك فرصةً لا تقلُّ عن السابقة نفاسةً وفائدة، وهي فرصةُ الازدياد من التمكُّن في الحقّ والرسوخ في العلم!”
لكنَّ الواقع الفكريّ عندنا بقيَ على خِلاف المؤَمَّل. فبعد انقضاءِ مئة عامٍ على صدور ذلك الكتاب في القاهرة، مُترجَمًا إلى العربيَّة بقلم الأَديب المُبدِع طه باشا السباعي، وعلى الرغم من الويلات القاصمة التي ضربَت بُلداننا في السنوات الأَخيرة، بفعل انكفاءِ الحرِّيَّات الفكريَّة فيها، وتقدُّم الجهل والنزعات التكفيريَّة عليها، ما زلنا نشهدُ كُتَّابًا يحملُون الأَقلام في أَيديهم، وفي نفوسهم تعتملُ نزعاتٌ بغيضة، بما فيها التعصُّبُ الدينيُّ والمذهبيّ، وتزويرُ الحقائق، والتطاولُ على كرامات بعض أَهل الأَدب والفكر، والرَّميُ بالكُفر!.. بكلِّ أَسفٍ أَقول إنَّ الكاتبة والروائيَّة المصريَّة فاتن فاروق عبد المنعم هي مثالٌ عن تلك الفئة من الكُتَّاب، تَشهدُ عليها مقالةٌ لها نَشرَتْها على موقع “الأَنطولوجيا” الأَدبيّ، يوم الإثنين الموافق السادس من مارس (آذار) ٢٠٢٣، تحت عنوان “العقيدةُ الداهشيَّة… دعوةٌ للكُفر..”؛ وهي، في الأَصل، نسخةٌ مُنقَّحة ومَزيدة عن مداخلةٍ نقديَّة قدَّمَتْها الكاتبة في “صالون سالمينا الثقافيّ” بالقاهرة حول كتاب “رابطة كارهي سليم العشِّي”، للروائيّ الدكتور سامح الجبَّاس.
وسليم العشِّي هو رجلُ الروح والأَدب والفكر والفنّ، اللبنانيُّ الأَصل، المعروف في لبنان والعالم باسم “الدكتور داهش”. وقد أُقيمت على اسمه، عام ١٩٨٤، دارٌ للنشر، في مدينة نيويورك، تُدعى “الدار الداهشيَّة للنشر”،The Daheshist Publishing Co. ، وتُعنى بنشر مؤلَّفاته الأَدبيَّة، والمؤلَّفات الصادرة حول أَدبه وفكره، باللغة العربيَّة واللغات العالميَّة. كما أُقيم على اسمه، أَيضًا، عام ١٩٩٥، مُتحفٌ فنِّيٌّ عالميّ، في المدينة نفسها، يُدعى “مُتحف داهش للفنّ”، Dahesh Museum of Art، ويضمُّ مجموعته الفنِّيَّة الضخمة التي جمعَها في حياته؛ وهو يُعَدُّ واحدًا من أَهمِّ المراكز الثقافيَّة في نيويورك. وقد عرَّفه الكاتبُ المصريُّ الكبير، صديقي المرحوم الدكتور مرسي سعد الدين، في مقالةٍ له نُشرَت في مجلَّة “نصف الدُّنيا” التابعة لمؤسَّسة الأَهرام بالقاهرة، عام ٢٠٠٥، بالقول: “الوحيد في نيويورك: مُتحَف داهش.. خطُّ الدفاع الأَخير عن العرب”. وكان قد أَلقى، في حينها، محاضرةً عن الاستشراق الجديد، في مقرِّ المُتحَف نفسه، وذلك على هامش العرض الذي أُقيم فيه لأَعمال الفنَّانين المُستشرقين، وكتب حوله، ضمن المقالة نفسها، قائلاً: “لقد سعدتُ حين شاهدتُ تلك المجموعة الكبيرة من الأَعمال الفنِّيَّة التي جمعَها الدكتور داهش، والتي على أَساسها أُنشئَ المُتحَف في نيويورك. والمُتحَف، في رأيي، يُعَدُّ أَنجح دعايةٍ للعرب، إذ ليس هناك أَكثر إيقاعًا من الفنون والثقافة في عكس صورتنا في الخارج. والغريبُ أَنَّه برغم عشرات المقالات التي نُشرَت عن المعرض في أَمريكا وأُوروبا، فإنَّه لم يُنشَرْ خبرٌ واحدٌ عنه في الصحافة المصريَّة والعربيَّة.”
* * *
كيف لم يرتجف القلمُ في يد الكاتبة فاتن فاروق عبد المنعم وهي تُدوِّنُ عنوان مقالتها الذي شاءَته “تكفيريًّا” بامتياز، والذي ذيَّلَتْه، بلا استحياء، بعبارة “نَقْد أَدبيّ”، في إشارةٍ إلى الفنِّ الأَدبيِّ الذي تنتمي المقالةُ إليه! هذا العنوان، على صِغَره، أَثار في نفسي الغضبَ والسُّخرية، في آن!… أَمَّا الغضب، فلأَنَّني خِلْتُ نفسي، وأَنا أَتلُوه، بأَنَّني أَمام فَتْوى لأَحد غُلاة أَئمَّة التكفير، لا أَمام عنوانٍ فكريّ وضعَتْهُ كاتبةٌ تتويجًا لمداخلةٍ نقديَّةٍ فكريَّة قدَّمَتْها في صالونٍ ثقافيّ يُعرِّفُ نفسه بأَنَّه “تجمُّعٌ أَدبيٌّ لكلِّ الآراء من مختلف الاتِّجاهات”!.. وأَمَّا السُّخرية، فلأَنَّ الكاتبة ظنَّت، في قرارة نفسها، بأَنَّها قد أَصابت من العقيدة الداهشيَّة مَقْتلاً، بفضل ذلك العنوان التكفيريّ السخيف، وبأَنَّ تلك العقيدة قد أَصبحَت قابَ قوسَيْن أَو أَدنى من نهايتها، ولم يَخطُر في بالها أَنَّها، في كلِّ ما اختلَقَتْه من أَضاليل حولها، كانت كَمَن تَنطَحُ برأْسها جبلاً لا تَهزُّه عوادي الزمن، ولا ينحَني إلاَّ أَمام جلال اللَّه وعزَّته! أَقولُ ذلك عن بيِّنةٍ تامَّة من حقيقة شخص الدكتور داهش، وسُموِّ أَدبه وعقيدته وخوارقه، وعظيمِ إنجازاته الثقافيَّة، وبُطولاته في مواجهة الاضطهاد الظالم الذي أَنزله به رئيس الجمهوريَّة اللبنانيَّة، بشاره الخوري (١٩٤٣-١٩٥٢)، واستبساله في الدفاع عن حرِّيَّاته وحقوقه، وعن تجربةٍ طويلةٍ لي معه، إذْ إنَّني عايشتُه عن قُرب سنواتٍ طويلة حتَّى أَواخر أَيَّامه، وحَظيتُ بشرف العمل في كتُبه، وبشرف الكتابة عن حياته وأَدبه وفكره وخوارقه في عددٍ من الصُّحف والمجلاَّت العربيَّة، وبالمحاضرة عنها في “قصر المؤتمرات” بمدينة “تولوز” الفرنسيَّة، عام ١٩٧٠، وفي قاعة المحاضرات التابعة لمدرستي الثانويَّة الخاصَّة، “مدرسة النهضة العلميَّة”، التي ما تزالُ قائمةً حتَّى اليوم في لبنان، وبتمثيل “الدار الداهشيَّة للنشر” في معارض الكتب الدوليَّة، بما فيها معرض القاهرة. كما سعدتُ، خلال لقاءَاتي الكثيرة به، بمشاهدة الخوارق الجبَّارة المختلفة التي كانت تحدثُ على يديه، بإذن اللَّه تعالى، بهدف إثبات حقيقة وجود اللَّه، ووجود الروح وخلودها، ووجود العالَم الثاني، نعيمًا وجحيمًا. وقد عزَّزَت تلك الخوارقُ إيماني باللَّه، وبأَنبيائه، ورسالاته السماويَّة المُنزَلة كافَّةً، وبأَحكام العدالة الإلهيَّة.
لذلك، ومن باب الوفاء للدكتور داهش ومثاليَّته في الحياة، انبرَيتُ للردّ على الكاتبة فاتن فاروق عبد المنعم التي بدَتْ فاقدةً للمصداقيَّة في كلِّ ما ساقَتْه ضدَّه من تُهَمٍ باطلة في مقالتها، ومُفتقرةً إلى أَبسط قواعد النقد وأَدبيَّات التخاطب. لكنَّني لم أَفعلْ ذلك دفاعًا عن الدكتور داهش كما يبدو من خلال الكتاب، موضوع المناقشة في “صالون سالمينا الثقافيّ”، إذ إنَّه لا يَمتُّ بصِلةٍ إلى الدكتور داهش الحقيقيّ، من قريبٍ أَو بعيد. فالصورةُ التي نسجَها الدكتور سامح الجبَّاس عنه في كتابه لا تَعدو كَوْنَها صورةً مُشوَّهةً، بكلِّ المقاييس، إذ اختلَط فيها السُّمُّ بالدَّسم، والحقيقةُ بالأَكاذيب. ومن دواعي العَجب أَنَّها قد جاءَت مُطابقةً لصورة الدكتور داهش الفوتوغرافيَّة الملوَّنة التي أَدرجَها المؤلِّف على غلاف كتابه، من ناحيَتَيْه، بعد أَن أَعمل فيها تشويهًا في الوجه، عامدًا مُتعمِّدًا، لغايةٍ خسيسةٍ في نفسه. كما إنَّها بدَتْ مُتناسقةً مع العنوان المُقزِّز والمُضلِّل الذي اختارَهُ لكتابه، للغاية ذاتها.
أَمَّا الدكتور داهش الذي تقدَّمتُ شخصيًّا للدفاع عنه، ردًّا على الكاتبة فاتن فاروق عبد المنعم، فهو رجُل الحقيقة المُثلى كما عرَفتُهُ من خلال مجالسته، والاستماع إليه، ومعاينة خوارقه، والقراءَة في مؤلَّفاته الأَدبيَّة، والاستغراق في تاريخه الحافل بالأَحداث البليغة، ومتابعة نشاطاته وإنجازاته الرفيعة الشأن، وكما عرَّفتُه في كتاباتي المختلفة، وعرَّفهُ بعضُ أَصحاب الأَقلام الحرَّة، الصادقة، المُزدرية بالكذب، والمُنزَّهة عن التعصُّب، والمُترفِّعة عن الغايات، والتي لا تَمْتهنُ التَّفذلُك والتَّحذلُق في الكتابة! ولقد فعَلتُ ذلك بهدف الكشف عن تُرَّهات تلك الكاتبة وأَضاليلها، وعَرْضها بعُجَرها وبُجَرها وتعصُّبها وجَهلها أَمام مَنْ سعَتْ لجرِّهم إلى الفتنة، والفتنةُ نائمةٌ لَعنَ اللَّهُ مُوقظَها، وبُغية إظهارها مُفتريةً على رجُل الحقيقة، وفاشلةً في المُهمَّة الثقافيَّة التي انتُدبَتْ من أَجلها، وكأَنَّها لا صلة تصلُها بالنقد الأَدبيّ، ولا بالموضوعيَّة، ولا بحرِّيَّة الفكر والمُعتقد، حتَّى ولا بالكتابة اللغويَّة الصحيحة… وكأَنِّي بها طالعةٌ للتوّ من عصور الظَّلام!
ولقد كان من واجب الكاتبة، أَوَّلاً، أَن تقرأَ مؤلَّفات الدكتور داهش الأَدبيَّة، والمؤلَّفات الصادرة حوله، وعلى الأَخصّ كتاب “الدكتور داهش بأَقلام نُخبةٍ من مُعاصريه بمناسبة الذكرى المئويَّة لولادته”، قبل أَن تُقدِّم مُداخلتها النقديَّة، لكي تتحقَّق من صحَّة ما نشرَه الدكتور الجبَّاس عنه في كتابه. كما كان عليها أَن توجِّه سهام نقدها الصارم إلى ذلك المؤلِّف، شخصيًّا، وأَن تُسقط الأَقنعة عن المُختلقات الكاذبة التي أَلصقَها بشخص الدكتور داهش وفكره، وتُفنِّد أَساليبه الروائيَّة السخيفة القائمة على الخداع والأَلاعيب وتزوير الحقائق بدلاً من أَن أَن تصبَّ جام حقدها الدفين على الدكتور داهش، موضوعِ روايته، عبر اتِّهاماتٍ تكفيريَّةٍ باطلة، مُغمَّسة بحبر التعصُّب الدينيّ الأَعمى، أَلبسَتها أَثوابًا من الأَلفاظ النابية، ووجَّهَتها إليه بأُسلوبٍ تقريريّ، دون أَن تُكلِّف نفسها عناءَ تقديم دليلٍ واحدٍ على صحَّتها. فهذا التوجُّه الذي اعتمدَته في مُداخلتها يُعدُّ مُخالفةً صارخة لأُصول النقد الأَدبيّ المعروفة. وهي تعلمُ ذلك تمام العلم، لكنَّها لم تكترثْ للأَمر، وثابرَت على نهجها التكفيريّ المُضلِّل، دون حسيبٍ أَو رقيب! وهل يُعقَل أَن تنطق كاتبةٌ وروائيَّةٌ وناقدة، في “صالونٍ ثقافيّ” ينظرُ في نتاج العقول، ويناقشُها، ويُقيِّمُها، بمِثل ما نطقَتْ به من الأَلفاظ التي تَنبُو الآذانُ عن سماعها بحقِّ أَديبٍ ومُفكِّرٍ يُعَدُّ المثال الأَسمى للشرف والكرامة والخُلُق الرفيع والأَهداف النبيلة؟!
لقد طرقَت الكاتبة فاتن فاروق عبد المنعم في مُداخلتها ومقالتها باب الدكتور داهش، بالظُّلم والافتراء والاعتداء! فلْتَسمعِ الجواب الصارم، إذنْ، بالعدل والحقّ والأَدلَّة الساطعة القاطعة التي تدكُّ أَكاذيبها وتُردِّمُها، فلا تقومُ لها من بعد ذلك قائمة!… (للمقالة تتمَّة)
* كاتب لبنانيّ مُقيم في كندا




