مُحلّقات «أبابيل» الحرارية: كيف أسقطت تقنيات المقاومة ميزة التفوق الليلي للاحتلال؟

حسن حردان
كشفت المواد المصوّرة التي نشرها إعلام المقاومة خلال الأيام الأخيرة عن ارتقاء نوعي جديد في قدرات المقاومة، تمثل في دخول محلقات أبابيل الانقضاضية المزوّدة بميزة التصوير الحراري إلى ميدان العمل العملياتي.
فاللقطات التي أظهرت استهداف جنود العدو الإسرائيلي ليلاً، إلى جانب المشاهد التي صوّرت قلعة الشقيف التاريخية ومحيطها بالكامل عبر التصوير الحراري ووثّقت عدم تواجد جنود العدو الإسرائيلي فيها، تُعدّ أحد أبرز التحوّلات النوعية في المواجهة الميدانية، إذ حوّلت جنود العدو وتحركاتهم ليلاً إلى أهداف مكشوفة كما في وضح النهار.
وقد شكّل هذا التطور خلال الفترة الأخيرة كابوساً حقيقياً لجيش العدو الإسرائيلي، ودفعه إلى فتح تحقيقات حول كيفية مقتل وإصابة عدد من جنوده ليلاً في جنوب لبنان، بعدما فقد أفضلية العمل الليلي التي طالما اعتمد عليها في تحركاته وعملياته العسكرية.
ماذا يعني الكشف عن هذا التطور الجديد في استخدام المقاومة تقنية جديدة في القتال الليلي، وما هي دلالاته وانعكاساته على مجريات المعارك في جنوب لبنان لا سيما أنّ جيش الاحتلال فوجئ بامتلاك المقاومة مثل هذه القدرة ونجاحها في استهداف مواقع ونقاط تواجد جنود الاحتلال ليلاً وإيقاع الخسائر الفادحة في صفوفهم؟
يُمثل الكشف عن دخول مُحلّقات “أبابيل” الانقضاضية المزوّدة بتقنية التصوير الحراري (Thermal Imaging) إلى الميدان تحوّلاً استراتيجياً وتكتيكياً بارزاً في مسار المواجهة في جنوب لبنان. هذا التطور لا يقتصر على كونه إضافة تقنية، بل يعيد تشكيل قواعد الاشتباك الليلية التي طالما اعتبرها جيش الاحتلال الإسرائيلي منطقة تفوق حصريّة له.
بالتوقف عند معاني ودلالات وانعكاسات هذا التطور الجديد على مجريات المعارك يمكن تسجيل النقاط التالية:
1 ـ المعاني والمضامين العسكرية (كسر الاحتكار الليلي)
تجريد العدو من “ميزة الظلام”: لعقود طويلة، اعتمد العدو العقيدة العسكرية الإسرائيلية على الليل كغطاء آمن لتحركات النخبة، وإعادة التموضع، والإخلاء، ونصب الكمائن، ظناً منه بأنّ المقاومة لا تمتلك قدرات رصد واستهداف دقيقة في العتمة الشاملة. دخول التصوير الحراري المدمج بالمسيرات الانقضاضية جرّد الاحتلال من هذه الأفضلية تماماً.
تكامل منظومة الرصد والضرب: الانتقال من مرحلة “الرصد الحراري الثابت” (من نقاط أرضية) إلى “الرصد والضرب الحراري المتحرك” عبر الجو يعني أنّ المقاومة باتت تملك شبكة صيّاد ذكية لا تحتاج إلى خط رؤية مباشر من الأرض، بل تستطيع الالتفاف خلف التضاريس والتحصينات لضرب الأهداف الليلية.
2 ـ الدلالات الاستراتيجية والميدانية
الفشل الاستخباري الإسرائيلي المفاجئ: اعتراف الاحتلال بالمفاجأة وفتحه تحقيقات حول مقتل جنوده ليلاً يعكس فجوة استخبارية واضحة. هذا يعني أنّ أجهزة أمن الاحتلال لم تكن تقدّر بدقة مستوى التطور التكنولوجي ومستوى دمج التقنيات الحديثة لدى المقاومة، خاصة في مجال الصيانة، والتعديل، والتشغيل تحت ظروف التشويش الإلكتروني.
إسقاط الاستراتيجيات الدفاعية التقليدية: توثيق قلعة الشقيف ومحيطها بالكامل حرارياً يرسل رسالة واضحة بأنّ عمق التموضع الإسرائيلي ونقاط ارتكازه الافتراضية باتت تحت المجهر. لم يعد بإمكان جنود الاحتلال الاختباء خلف صخور أو سواتر ترابية أو حتى داخل دشم غير معالجة حرارياً، لأنّ البصمة الحرارية لأجسامهم وآلياتهم تجعلهم أهدافاً عالية الوضوح.
السيادة الجوية في الطبقات المنخفضة: نجاح هذه المُحلّقات في العمل واختراق الأجواء والوصول إلى أهدافها ليلاً يُثبت عجز وسائل الدفاع الجوي الإسرائيلي قصيرة المدى (كالمنظومات المعتمدة على الرصد البصري أو الراداري الصغير) عن التعامل مع طائرات مُسيّرة صغيرة الحجم، بطيئة نسبياً، وذات بصمة رادارية منخفضة تُحلّق في الظلام.
3 ـ الانعكاسات على مجريات المعارك في جنوب لبنان،
أ ـ شلل التحركات الليلية للاحتلال: سينعكس هذا التطور فوراً على سلوك جنود الاحتلال في الميدان؛ حيث ستتحوّل التحركات الليلية (التي كانت تُعتبر الأقلّ خطورة) إلى عبء نفسي وعملياتي كبير. سيجبر ذلك القيادة الإسرائيلية على تقليص دورياتها، وتغيير آليات الإمداد والإخلاء، وفرض إجراءات تستر حراري معقدة ومكلفة قد تعيق سرعة الحركة.
ب ـ ارتفاع كلفة الاستنزاف البشري والمادي: استخدام المقاومة مُسيّرات انقضاضية دقيقة حرارياً يعني رفع نسبة “الإصابة القاتلة” من الضربة الأولى. لم يعد الأمر مجرد قصف مساحي أو عشوائي، بل هو استهداف دقيق لمجموعات العدو المستترة، مما يرفع حجم الخسائر البشرية في صفوف نخب جيش الاحتلال، وهو النزيف الذي يضغط بقوة على الجبهة الداخلية وصناع القرار في تل أبيب.
ج ـ حرب نفسية تضرب الروح المعنوية لجنود العدو: نشر الإعلام الحربي للمقاومة لهذه المواد المصورة يُعدّ جزءاً حيوياً من المعركة النفسية. إنّ رؤية الجندي الإسرائيلي لزملائه وهم يُستهدفون في عمق الليل عبر شاشات حرارية تُظهرهم كأهداف مضيئة، يضرب الروح المعنوية لهؤلاء الجنود، ويبدّد أيّ شعور لديهم بالأمان في الميدان، ويثبت معادلة جديدة: “تحركاتكم ليلاً مكشوفة تماماً كما في وضح النهار”.
