مقالات رأي

«إعلان واشنطن» المفخخ: محاولة انقاذ الاحتلال من مستنقع الاستنزاف بتلغيم الداخل اللبناني

 

حسن حردان

في ختام جولة التفاوض الرابعة في واشنطن، جاء الإعلان الأميركي المشترك حول التوصل إلى “إطار أمني” بين لبنان و”إسرائيل”، ليعيد إلى الأذهان أسوأ كوابيس الدبلوماسية اللبنانية المقيّدة بالشروط والإملاءات الأميركية الإسرائيلية.
على الرغم من محاولات تسويق الإعلان كخطوة نحو “الأمن والسيادة الكاملة”، إلا أنّ القراءة المتأنية لتفاصيله وبنوده المشروطة تكشف عن فخ سياسي وعسكري نُصب بدقة للبنان. بل إنّ التدقيق في أبعاد هذا الاتفاق يظهر أنه، من زوايا معينة، يحمل مخاطر تفوق بكثير اتفاق 17 أيار 1983؛ فبينما ربط اتفاق 17 أيار المشؤوم الانسحاب الإسرائيلي بشرط خارجي وهو “انسحاب القوات السورية”، فإنّ هذا الإعلان الجديد يربط الاستقرار والانسحاب بشرط داخلي تفجيري، وهو صدام الدولة مع أبنائها وسحب سلاح المقاومة كلياً وهو ما تسعى اليه “إسرائيل” منذ زمن بعدما عجز جيشها عن تحقيق النصر على المقاومة.
وبالتوقف عند المخاطر البنيوية التي تجعل من تنفيذ هذا الاتفاق تهديداً وجودياً للسلم الأهلي والسيادة اللبنانية يمكن تسجيل الآتي:

أولاً: تحقيق بالسياسة
ما عجز عنه الاحتلال بالقوة
يأتي هذا الإعلان في توقيت مكشوف يستهدف بالدرجة الأولى إجهاض الإنجازات الميدانية والصمود الأسطوري للمقاومة. فالاحتلال الإسرائيلي عجز عسكرياً على الأرض عن فرض شروطه، وأُحبطت خططه الرامية إلى إقامة حزام أمني معزول جنوب نهر الليطاني. وبدلاً من أن يكون الجنوب ساحة استقرار وتثبيت لقوات الاحتلال، تحوّل بفعل ضربات المقاومين إلى “مصيدة” وفخ استنزافي لجيش الاحتلال، (القتلى والجرحى في صفوف ضباط وجنود العدو يومياً بالعشرات) وهو ما اعترفت به الأوساط العسكرية الإسرائيلية التي باتت تضغط بقوة على قيادتها السياسية لإخراجها من هذا المأزق. وبناءً على ذلك، يمثل هذا الإعلان محاولة أميركية سافرة لمنح حكومة العدو بالدبلوماسية والسياسة ما عجزت عن انتزاعه بالنار بفعل صمود المقاومين على جبهات ومحاور القتال.

ثانياً: صياغة الشروط
بـ “عين إسرائيلية” حصرية
الاتفاق لا يمثل أرضية مشتركة، بل يبدو كقائمة إملاءات تتبنّى السردية الإسرائيلية بالكامل. فهو يربط وقف الأعمال العدائية شرطياً بـ “التفكيك الكامل” للبنية التحتية للمقاومة وإبعادها إلى شمال الليطاني، معتبراً وجود المقاومة هو “أصل المشكلة” وليس الاحتلال والانتهاكات المستمرة منذ عقود.

ثالثاً: فخ “التحكيم الأحادي”
وشرعنة استمرار الاحتلال
يمنح الاتفاق “إسرائيل” والراعي الأميركي، المنحاز للإسرائيلي، الحق الحصري في تقييم مدى التزام لبنان بالتنفيذ. هذه الآلية تعطي حكومة العدو ذريعة جاهزة في أي وقت للتنصل من التزاماتها؛ فبمجرد ادّعائها بأنّ انتشار الجيش اللبناني في “المناطق التجريبية” غير فعّال، أو برصدها أيّ “مظهر مسلح”، سيكون بمقدورها تبرير استمرار احتلالها للجنوب، ورفض الانسحاب، ومواصلة قضم الأراضي.

رابعاً: ضرب “معادلة الردع”
ومنح الاحتلال حرية الحركة
بينما يفرض الإعلان على الجانب اللبناني قيداً مطلقاً يمنعه من امتلاك أيّ عناصر قوة مقاومة للدفاع عن النفس، تظلّ الصياغات الأميركية فضفاضة وتضمن لـ “إسرائيل” ما تسمّيه “حق العمل العسكري لإحباط التهديدات”. هذا اللا تكافؤ يحرم لبنان من مظلة الحماية، ويترك سماءه وأرضه مكشوفتين أمام أيّ استباحة إسرائيلية تحت مسمّى “الدفاع الوقائي”.

خامساً: شطب المكتسبات
وتجاهل اتفاق 2024
يظهر الخبث الدبلوماسي الإسرائيلي الأميركي في هذا الإعلان عبر تعمّد القفز فوق تفاهمات “اتفاق وقف الأعمال العدائية لعام 2024”. ذلك الاتفاق كان يفرض جدولاً زمنياً محدداً (60 يوماً) للانسحاب الإسرائيلي الكامل، ووقف الاعتداءات، وعودة النازحين، وإطلاق الاسرى والبدء بإعادة الإعمار، مع إقراره المتبادل بحق الدفاع عن النفس. إن تجاهل تلك المرجعية يهدف إلى تصفير العداد، وإلغاء المكتسبات اللبنانية، وفرض واقع أمني جديد يقدّم التنازلات اللبنانية مجاناً قبل أيّ انسحاب للاحتلال. والأخطر من ذلك، أنّ الإعلان الجديد يخلو تماماً من أيّ نص واضح ومُلزم يضمن عودة النازحين اللبنانيين إلى مدنهم وبلداتهم وقراهم التي هُجّروا منها. إنّ تغييب هذا الملف الحيوي يستهدف معاقبة البيئة الحاضنة للمقاومة، ومحاولة فرض تهجير دائم يُفرغ المنطقة الحدودية من سكانها ليتحكم الاحتلال بجغرافيتها.

سادساً: هندسة الفتنة وتحويل
الصراع إلى “لبناني ـ لبناني”
الخطر الأكبر والأكثر تدميراً في هذا الاتفاق يكمن في محاولة الدفع بالجيش اللبناني ليكون الأداة التنفيذية لنزع سلاح المقاومة وتفكيك بنيتها بالقوة، في ظلّ غياب إجماع وطني شامل. في عام 1983 (اتفاق 17 أيار)، كان الرهان الإسرائيلي على ترتيبات حدودية وسياسية أخفقت لاحقاً. أما اليوم، فإنّ هذا الإعلان يستهدف مباشرة العقيدة القتالية للجيش اللبناني، ويسعى لدفع المؤسسة العسكرية إلى مواجهة دامية مع بيئة المقاومة، ليتحوّل الصراع من “لبناني ـ إسرائيلي”، ومواجهة الاحتلال” إلى “صدام أهلي داخلي”.. يشكل المناخ المواتي الذي يمكن كيان الاحتلال من تحقيق اهدافه التوسعية التاريخية في لبنان.. والتي تقف المقاومة عقبة كأداء في طريق تحقيقها.

خلاصة وتحذير وجودي:
استنساخ “سيناريو غزة”

إنّ هذا الإعلان الأميركي هو محاولة دبلوماسية خبيثة لإنقاذ جيش الاحتلال من مستنقع الجنوب وتحويل خسارته الميدانية إلى ربح سياسي وتلغيم للداخل اللبناني.
إنّ الخطورة الكبرى تكمن في محاولة استنساخ نموذج قطاع غزة وتطبيقه في جنوب لبنان؛ عبر تكريس بقاء الاحتلال ميدانياً (تحت مسمّى الخط الأصفر)، والمماطلة اللامتناهية في الانسحاب، مع منع الأهالي والنازحين من العودة إلى ديارهم، لخلق منطقة عازلة ومحروقة تخدم أطماع “إسرائيل” التوسعية في قضم الأراضي والسيطرة على الثروات المائية اللبنانية، دون أن تتكبّد خسارة جندي واحد.
إنّ السير في تنفيذ هذه الشروط دون، حتى، ضمانات دولية حقيقية بالانسحاب الإسرائيلي الفوري وغير المشروط، وفي ظلّ غياب توافق وطني داخلي يحمي السلم الأهلي، سيعني انزلاق لبنان نحو وصاية أمنية إسرائيلية، ممهّدة الطريق لفتنة داخلية لا رابح فيها سوى كيان الاحتلال…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى