ماري حداد… الرئبالة الثائرة على الظلم والفساد في لبنان (٢)

(الجزء الثاني)
ماجد مهدي*
إذا كان بنو عبس يستذكرون “عنترة بن شدَّاد” كلَّما أَقبلَت عليهم الخَيل، وبنو حمدان يستذكرون “أَبو فراس” كلَّما جَدَّ جِدُّهم، وإذا كان كلا القومين يفتقدان الشاعرَبْن الفارسَيْن كما يُفتقدُ البدرُ في الليلة الظَّلماء، فكم يَحسُنُ باللبنانيِّين أَن يستذكروا، هم أَيضًا، فارسة الأَدب والفنِّ الجميل، ماري حدَّاد، بعد إذْ غشيَتهم الدياميس، وداست عليهم سنابكُ الظُّلم والفساد، وطال ليلُهم الدَّجوجيّ بلا أَملٍ في انبلاج فجرٍ جديد!.. وكم يليقُ بهم أَن يستعيدوا تاريخ تلك السيِّدة المتواضعة التي كانت، في حقبةٍ سوداءَ سابقة من تاريخ لبنان، مثيل “عنترة” و”أَبو فراس” وأَضرابهما، تكافحُ الظُّلاَّم من ذوي القُربى، المتربِّعين في سُدَّة الحكم، دفاعًا عن حرِّيَّاتهم وحقوقهم، وأَن يفتقدوها كما يُفتقَدُ البدرُ في الليلة الظَّلماء، فتُنيرُ دروبهم، وتبثُّ فيهم روح البسالة في مواجهة الذُّلِّ والهوان!
ماري حدَّاد في أَربعينيَّات القرن العشرين
قبل اثنين وثمانين عامًا، وفي منزلٍ من منطقة “القنطاري” في بيروت، كانت تُقيمُ ماري شيحا حدَّاد (1889-1973)، زوجةُ الأَديب جورج حدَّاد، ووالدةُ الشاعرة ماجدا والأَديبة زينا. وفي ٢١ أَيلول (سبتمبر) ١٩٤٣، انتُخب الشيخ بشاره الخوري، زوجُ شقيقتها لور، رئيسًا للجمهوريَّة. وقد اتَّسم عهدُه بالظُّلم والفساد وانتهاك الحرِّيَّات، مِمَّا لم يَبرحْ ذاكرة اللبنانيِّين، وحفظَه التاريخ في صفحاته السوداء. ولقد كان في إمكان ماري حدَّاد أَن تحظى بمكانةٍ مرموقة إلى جانب صهرها الرئيس وشقيقتها لور وشقيقها ميشال وسواهم من الأَقرباء، وأَن تظفر مثلهم بالجاه والمال والنفوذ والسلطان. لكنَّ عزَّة نفسها وسموَّ مبادئها ورفعة أَخلاقها كانت تأبى عليها أَن تستظلَّ بأَحد، أَو أَن تلهثَ وراءَ مجدٍ دنيويٍّ زائل، أَو أَن تمدَّ يدها إلى مالٍ لا حقَّ لها فيه. بل إنَّها اختارت لنفسها أَن تكون الصوتَ الصارخ في وجه ارتكابات ذلك العهد من خلال قضيَّة الدكتور داهش، رجُلِ الروح والأَدب والفكر والفنِّ الجميل، الذي تعرَّض لاضطهادٍ ظالم أَنزلَه به الرئيس الخوري، خلافًا للدستور والقوانين، على خلفيَّة دعوته الروحيَّة المُنادية بالعودة إلى الإيمان الصحيح باللَّه، وبوحدة الأَديان السماويَّة المُنزَلة، ووحدة الأُسرة البشريَّة، والمُناهضة للتعصُّب الدينيِّ والمذهبيِّ والعرقيّ، والهادفة إلى بناءِ حضارة الروح من جديد في عالَمٍ داسَت عليه المادِّيَّةُ العمياء بسنابكها الجهنَّميَّة وأَطبقَت عليه إطباقة الموت. وقد أَدَّى ذلك الاضطهاد إلى تجريده من جنسيَّته اللبنانيَّة، وإبعاده عن وطنه لبنان في ٩ أَيلول (سبتمبر) ١٩٤٤، وإلى تشريده لاحقًا في أَرض منفاه.

مع طلوع فجر التاسع من أَيلول (سبتمبر) 1944، نُفِّذ مرسومُ الإبعاد المُجحف K 1842 بحقِّ الدكتور داهش. وكان قد أَصدره رئيسُ الجمهوريَّة بشاره الخوري قبل يومٍ واحدٍ من تنفيذه، وبالتحديد في الثامن من أَيلول (سبتمبر) 1944. لكنَّ الحكومة لم تُبلِّغْ أُسرته عن مكان إقامته، وعمَّا إذا كان ما يزالُ على قيد الحياة أَم لا. ولذلك، أَرسلَت شقيقتُه يوكابد (أَنتوانِت) برقيَّاتٍ ثلاث إلى رئيس الجمهوريَّة بشاره الخوري، ورئيس مجلس النوَّاب صبري حماده، ورئيس مجلس الوزراء رياض الصُّلح، تسأَلُهم فيها عن مصير شقيقها، وعن مكان إقامته بعد خَطْفه من قِبَل رجال أَمنٍ لبنانيِّين، وتُحمِّلُهم المسؤوليَّة عن حياته. فاعتَبر الرئيس الخوري برقيَّتها إهانةً له، وما كان منه إلاَّ أَن أَمر بسَجْنها، فأُوقفَت بالغدر أَثناءَ وجودها مع ماري حدَّاد في مكتب المدير العامّ للأَمن العامّ إدوار أَبي جَوْده للسؤال عن شقيقها، ثمَّ نُقلت من هناك مباشرةً إلى “سِجن النساء”، وحَكمَ عليها القُضاةُ لاحقًا بعشرة أَيَّام حَبْس، بالظُّلم والافتراء، وخلافًا للقوانين. وقد دافع عنها وكيلُها، المحامي القدير الأُستاذ فؤاد رزق، صاحب مجلَّة “المحامي”، دفاعًا بليغًا كان له وَقْعٌ عميق في قلوب السامعين.

المرسوم الذي وقَّعه بشاره الخوري مُبعِدًا به الدكتور داهش عن الأَراضي اللبنانيَّة
أَمَّا ماري حدَّاد، فقد باشرَت على الفور كتابة رسائلَ وإنذاراتٍ إلى المشاركين في ارتكاب الجريمة، وبياناتٍ إلى الشعب اللبنانيّ، وعرائضَ إلى المجلس النيابيّ اللبنانيّ والسفراءِ والقناصل المُعتمدين في لبنان، ومنظَّمة الأُمم المتَّحدة وسواها من المراجع الدوليَّة، وإلى الملوك والرؤساء العرب، والصُّحف اللبنانيَّة والمصريَّة والأَمريكيَّة وصُحف المهجر، شارحةً فيها حقيقة القضيَّة، وكاشفةً الأَستار عن الجريمة التي ارتكبها رئيسُ الجمهوريَّة بحقِّ الدكتور داهش. كما قابلَت سُفراءَ الدول الكبرى في لبنان، وأَبلغَتْهم حقيقة الظُّلم الواقع عليه، وطالبتهم بالتدخُّل في القضيَّة من أَجل رَفْعه عنه.

وعلى الرغم من هول الجريمة المُرتكَبة بحقِّه، لم يرتفعْ صوتٌ واحدٌ في البلاد دفاعًا عنه، ما خلا ماري حدَّاد ومُريديه الأَوفياء الآخرين الذين قدَّموا من أَجله عظيم التضحيات، وأَسهموا، بطريقةٍ أَو بأُخرى، في مجابهة السُّلطة الغاشمة. وكان في طليعتهم الأَديب الكبير يوسف الحاجّ، والشاعر الفذّ حليم دمُّوس، والطبيبان الدكتور جورج خَبْصا والدكتور فريد أَبو سليمان، والأَديب جورج حدَّاد، وابنتاه ماجدا وزينا. وكانت ماري حدَّاد تُدركُ بأَنَّ المواجهة بينها وبين الحاكمين من ذوي القُربى سوف تزدادُ ضراوةً مع الأَيَّام، فأَعدَّت العُدَّة لخوض غمارها، بكلِّ ما آتاها اللَّه من قوَّةٍ وبأسٍ وحكمة، من أَجل نُصرة القضيَّة العادلة التي نذرَت نفسها للدفاع عنها.

وبعد مضيِّ اثنين وثلاثين يومًا على إبعاده، تمكَّن الدكتور داهش من العودة سرًّا إلى بيروت، فدخلها في الهزيع الثاني من ليل 10 تشرين الأَوَّل (أُكتوبر) 1944. وكان قد أُبعد إلى مدينة حلب، ثمَّ إلى مدينة أَعزاز في سوريا. ومن هناك، اقتيد إلى الحدود السوريَّة التركيَّة القريبة بهدف تسليمه للحرس التُّركيِّ الفظّ الذي سيُبادر إلى إعدامه فورًا بتُهمةُ التجسُّس، إذْ كان الزمنُ زمنَ حرب، ولم تكنْ في حَوْزته أَيَّة أَوراقٍ ثبوتيَّةٍ شخصيَّة تُعرِّفُ به. لكنَّه تمكَّن من الإفلات من أَيدي مُحتجزيه في اللحظة الأَخيرة، فعاد إلى حلب، وأَمضى فيها أَيَّامًا عدَّة، شريدًا طريدًا يتنقَّلُ من منزلٍ إلى آخر بعيدًا عن عيون السُّلطات السوريَّة إلى أَن قيَّضَت له العنايةُ الإلهيَّة العودة الآمنة إلى لبنان. وفور وصوله إلى بيروت، توجَّه إلى منزل عائلةٍ مكتُومة من مُريديه الأَوفياءِ يبعدُ حوالى مئتَي مترٍ عن القصر الرئاسيّ، واتَّخذ منه مقرًّا سرِّيًّا لإقامته، من غير أَن يُطلعَ أَحدًا على أَمر عودته أَو مكان وجوده. ومن هذا المُحتجَب القسريِّ، انبرى للدفاع عن حقوقه، وبدأَ يكتبُ الإنذارات والعرائض والبيانات حول القضيَّة، ويرسلُها إلى ذوي الشأن، بانتظار ما ستُسفرُ عنه الدعاوى القانونيَّة الثلاث المقدَّمة أَمام مجلس الشورى من أَجل استعادة جنسيَّته اللبنانيَّة. وكانت الشاعرة ماجدا حدَّاد قد عقدَت العزم على اغتيال زوج خالتها الشيخ بشاره الخوري، وأَعدَّت العُدَّة للأَمر، فبعث الدكتور داهش إليها برسالةٍ يردعُها فيها عن ذلك. لكنَّها، بعد سبعة أَيَّامٍ من تسلُّمها الرسالة، أَقدمَت على الانتحار؛ وكان ذلك في 27 كانون الثاني (يناير) 1945.

الشهيدة الداهشيَّة ماجدا حدَّاد
تحت عنوان “تقييدُ حرِّيَّة ابنتي ماجدا يُلجئُها إلى الانتحار“، كتبَت ماري حدَّاد قائلةً: “عندما تسلَّمَت ماجدا هذه الرسالة في 20 كانون الثاني (يناير) وطالعَتها، أُسقِط في يدها، وكَبُر عليها الأَمر، وأَصبحَت في حالة تأَلُّمٍ عظيم. إذْ ذاك صمَّمَت على أَن تُبلغَ احتجاجها على اضطهاد الدكتور داهش إلى الرأي العامّ، فتَدفع حياتها الغالية ثمنًا لاستعادة حرِّيَّة الدكتور داهش المظلوم بسبب صداقته معنا… وهكذا عندما يئسَت من عدم استطاعتها اغتيال الشيخ بشاره، لامتناعها عن كَسْر وصيَّة الدكتور داهش، أَطلقَت رصاص المسدَّس على صَدْغها، فاخترقَت الرصاصةُ رأسها، فسقطَت لوقتها صريعة الإخلاص والواجب، مُضحِّيةً بروحها الطاهرة الزكيَّة على مذبح خيانة شرذمةٍ من الأَشرار اللؤماء…”
وفي 5 أَيَّار (مايو) 1945، أَي بعد حوالى سبعة أَشهر على عودته إلى لبنان، صدر قرار مجلس الشُّورى المُجحف بحقِّ الدكتور داهش، والرافض لإعادة جنسيَّته اللبنانيَّة إليه، فأَعلن للتوّ حربه القلميَّة على مُضطهديه، وفي طليعتهم الرئيس الخوري وعائلته، دفاعًا عن حرِّيَّاته وحقوقه. وقد استمرَّت تلك الحربُ ثماني سنواتٍ ونيِّفًا، وأَسفرت عن 66 كتابًا و165 منشورًا أَسود أَوضح فيها حقيقة قضيَّته العادلة، وكَشفَ النقاب عن مظالم المسؤولين ومفاسدهم. كما نشر فيها كافَّة المقالات التي كانت تُكتبُ ردًّا على أَكاذيب الصِّحافة الموتورة، والتي كان “قلمُ المطبوعات” لا يسمحُ له بنشرها. وبذلك ردَّ الصاعَ صاعَيْن لكلِّ مأفونٍ أَفَّاك من أَصحاب الأَقلام الصفراء المُفترية، وإنْ بعد حينٍ من الزمن. وكانت الكتبُ والمناشيرُ تُطبعُ سرًّا وتُوزَّعُ على الشعب اللبنانيّ والسفارات والقنصليَّات المُعتمدة في لبنان والمؤسَّسات الدوليَّة لحقوق الإنسان والملوك والرؤساءِ العرب.
كان الدكتور داهش يؤمنُ بأَنَّ “للكلمة قوَّةٌ تَخشعُ أَمامها القنابلُ المُتفجِّرة، وتنحني لديها الصواريخُ المدمِّرة، وتجثو لسيطرتها المدافعُ الهادرة بجبروت. فالثورةُ الإفرنسيَّة ما كانت لتندلعَ وتجتاحَ الملَكيَّة إلاَّ بفضل ما دوَّنه يَراعُ ڤولتير وديدِرو وروسُّو وغيرهم… ودريفوس ما كان له أَن يُغادر سِجنه الرهيب بجزيرة الشيطان لو لم يُنقِذْه دفاعُ إميل زولا، ذلك الدفاعُ الرائع!.. وهكذا دمَّرَت كتاباتٌ رائعة قوَّاتٍ جبَّارةً غاشمة فعصفَت بها عَصْفًا مُبيدًا، وتركَتْها رُكامًا مُبعثرَ الأَشلاء!“، على حدِّ قوله. ولذلك، كان القلمُ سلاحه الوحيد في تلك الحرب؛ ونِعْمَ السلاح! وكان قلمُه أَبيًّا، إنسانيًّا، عادلاً، حُرَّ الضمير، يَثلمُ دنَس النفوس لا الأَجساد، ويُزهقُ الأَباطيل لا الأَرواح، ويُردِّمُ الطُّغيان لا البُنيان، ويُوزِّعُ ضرباته على المُعتدين بالعدل والقسطاس من أَجل انتزاع الحقوق السليبة من مُغتصبيها، والذود عن الحرِّيَّة والعدالة. وعلى صورته ومِثاله كان قلمُ ماري حدَّاد وسواهُ من الأَقلام الحرَّة التي استبسلَت في ساح الشرف من أَجل القضيَّة، شعارُها الأَوحدُ في الدفاع كلمةُ الدكتور داهش القائلة: “الحقُّ يؤخذُ بالقوَّة والاقتسار ولا يُستجدى استجداءً!”

وكانت مفاسدُ العهد ومظالمُه قد بدأَت تطالُ الشعب اللبنانيّ في حقوقه وحرِّيَّاته ولُقمة عيشه، وما لبثَت أَن تعاظمَت واتَّخذَت أَبعادًا أَكبر مع الأَيَّام. فأَصبحت القضيَّة، في نظر الدكتور داهش وماري حدَّاد والمُدافعين الآخرين عنها، جزءًا أَساسيًّا من قضيَّةٍ أَعمَّ وأَشمل هي قضيَّةُ الوطن، بكلِّ ما فيه ومَن فيه؛ قضيَّةُ الحرِّيَّات والعدالة وحقوق المواطنين كافَّة. وقد استبسلوا جميعًا في الدفاع عنها إلى أَن قامت ثورةُ الشعب العارمة ووضعَت حدًّا لذلك الطُّغيان!
تَذكرُ ماري حدَّاد في إحدى رسائلها أَنَّه، بتاريخ 5 أَيَّار (مايو) 1945، وفور صدور قرار مجلس الشُّورى الظالم المتعلِّق باستعادة الجنسيَّة، أَوعز الدكتور داهش بتوزيع “الكتاب الأَسود: أَنا أَتَّهم” على الشعب اللبنانيّ، في اليوم نفسه. كما جرى توزيعُ كتبٍ سوداءَ أُخرى في الأَيَّام التي تلَته. وبتاريخ 15 أَيَّار (مايو) 1945، صدرت مذكِّرةُ توقيفٍ بحقِّها من قِبَل قاضي التحقيق اللبنانيّ بحجَّة نَشْرها تلك الكتب، إذْ كان معظمُها يَصدرُ باسمها. لكنَّ المسؤولين بادروا إلى نقلها، في اليوم التالي، إلى “مستشفى الأَمراض العقليَّة” المدعوِّ “العَصفوريَّة” حيثُ حجزوها في الجناح المسمَّى “أَميركا” المُعدِّ للمرضى العقليِّين الحقيقيِّين، وجعلوا مكان إقامتها مع امرأَةٍ معتُوهة. وكان مديرُ المستشفى الإنكليزيُّ الجنسيَّة، الدكتور ر. ستيوارت ميلر، قد أَصدر تقريرًا كاذبًا عن وضعها العقليّ إرضاءً لرغبة رئيس الجمهوريَّة بشاره الخوري. وقد أَمضَت في “العصفوريَّة” مدَّة 73 يومًا اكتشفت في أَثنائها وجود سيِّدةٍ من آل طربَيْه مع ابنتَيْها في المكان عينِه، وجميعُهنَّ في حالةٍ عقليَّةٍ سليمة. وقد علمَت منهنَّ بأَنَّ قريبهنَّ الشيخ سليم الخازن هو الذي زَجَّ بهنَّ فيه بالظُّلم والافتراء، بالاتِّفاق مع بشاره الخوري، شريكه في مكتب المحاماة، من أَجل وَضْع اليد على ثروتهنَّ الكبيرة التي ورثْنَها عن ربِّ الأُسرة!
لعلَّ التاريخَ لم يقرأْ بَعدُ مذكِّراتٍ كتلك التي كتبَتْها ماري حدَّاد عن الأَيَّام التي قضَّتها في “العَصفوريَّة”! ويقينًا أَنَّه سوف ينتفضُ غضبًا عندما يقرأُ ما دوَّنَتْه يُمناها! ولسوف يَندى جبينُ الإنسانيَّة خجَلاً أَمام مشهد الآلام والمخاوف التي عصفَت بها في ذلك المكان الجهنَّميّ! وستنهلُّ دموعٌ حارَّة من عيونٍ كثيرة لمجرَّد تخيُّلها وهي في ذلك الوضع المُزري اللامثيل له في التاريخ! ففي رسالةٍ بعثَت بها إلى مُمثِّل النيابة العامَّة في محكمة البداية، بتاريخ 29 أَيَّار (مايو) 1946، تصفُ ماري حدَّاد بعض مشاهداتها ومعاناتها في “العَصفوريَّة”، فتقول:
“جميعُ الغُرف في جناح “أَميركا” ملأَى بالمرضى، وجميعُ الأَبواب مشرَّعةٌ على الممرِّ نفسه. فالحياةُ هناك مشتركة. وهذه الحياةُ المشتركة مروِّعةٌ لكلِّ مَنْ لم يَعرفْ مستشفًى للمجانين: وجوهٌ شاذَّة، مُقلُ مُمدَّدة، عيونٌ زجاجيَّة تحدِّقُ إليك حتَّى الاستحواذ عليك. صُراخٌ، ضحِكٌ، بُكاءٌ، نُواحٌ، غناءٌ، عواءٌ، أَصواتٌ وحشيَّة تَصدرُ من معارضَ للوحوش أَو البشر، لستُ أَدري. نداءَاتٌ بائسة، أَنَّاتٌ وشهقاتٌ ليل نهار، حالاتٌ من الاستنفار المُباغت أَو اليقظات المفاجئة، صيحاتٌ متوحِّشة. تدخُّل المُمرِّضين الذين يُلبِسون المرضى قُمصان الإرغام. مريضةٌ تتمدَّدُ على الأَرض مُعترضةً الباب: قميصُ الإرغام. أُخرى تحاولُ أَن تَخنقَ نفسها: قميصُ الإرغام. إنتحارٌ في الجناح المجاور… مجنونةٌ أُخرى تسحبُ حذائي، تنتعلُه وتذهب. يُستعادُ منها… فتَصرخ: قميصُ الإرغام. مجنونةٌ تركضُ نحوي، فأَرجعُ إلى الوراءِ مروَّعةً، فتُحاولُ أَن تنتزعَ خُفَّيَّ من رجليَّ. ظننتُ أَنَّها تريدُ أَن تخنُقني… منهنَّ مَنْ يَفُحنَ روائحَ نتانة، ومَنْ يَبصُقنَ، ومَنْ يَسعُلنَ لأَنَّهنَّ مُصاباتٍ بالسِّلِّ الرئويّ… جوٌّ مُفعمٌ بالهَلْوسة. في كلِّ لحظة تسأَلُ نفسك ماذا سيَحدُث. وما يَحدُث هو أَنَّكَ مع المجانين، وهم في بيتهم! لأَقلِّ حركةٍ من الأَسرَّة أَو الكراسيّ يسقطُ البَقّ. المراحيضُ تبعثُ على التقزُّز من جرَّاء شُحِّ الماء… إنَّه لأَفضلُ أَن تُطلقَ رصاصةً على إنسانٍ صحيح العقل من أَن تزجَّ به في بيئةٍ كهذه. جميعُ السُّجون خيرٌ من هذه الجحيم؛ فالوجوهُ فيها عاقلةٌ على الأَقلّ…
“أَلمعتُ إلى ذلك قائلةً للدكتور ميلر: أَهذا مكانٌ صالحٌ لِمَن هم تحت المراقبة؟ فأَجابني: ليس لدينا مكانٌ آخر!
“إنَّ الإنسان الأَكثر اتِّزانًا والأَقوى سيطرةً على نفسه يُعرِّضُ ذاته لفقدان عقله في صحبة هؤلاء المجانين.. لقد توجَّب أَن تكون أَعصابي حقًّا من فولاذ، وقوايَ العقليَّة من الأَكثر تماسكًا وتوازنًا حتَّى لا أُصاب بالاختلال العقليّ الذي كان يتمنَّاه لي الأَشخاصُ المجرمون المسؤولون عن حَجْزي!”… (للمقالة تتمَّة).
* كاتبٌ لبنانيّ مُقيم في كندا



الداهشيُّون ومفاسد العهد الماضي في لبنان! (مجلَّة “العالَم العربيّ”، ١/١/١٩٥٣)




